سرقة بنك ملي الإيراني: سرقة فعلية أم عرض مسرحي مدبر؟

أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني أن «لصوصًا اقتحموا جدار فرع بنك ملي (البنك الوطني باللغة الفارسية) من مبنى مجاور في طهران». نتيجة لذلك، فقد مئات الإيرانيين مدخراتهم.

 

ودخل هؤلاء اللصوص البنك، وكان لديهم 14 ساعة لتعطيل كاميرات الأمن والمراقبة بسهولة وأخذ بطاقات الذاكرة الخاصة بهم، وأحدثوا الكثير من الضجيج باستخدام آلات الطحن اليدوية لقطع الصناديق وسرقة ممتلكات الناس.

ودقت إنذارات البنوك، وتم إجراء العديد من المكالمات إلى جهاز «الأمن» التابع للنظام، ولم يظهر حتى ضابط شرطة واحد في مكان الحادث.

لم يكن للفرع حارس أمن، وعلم البنك بالسرقة بعد أربعة أيام. وقال حسن مونسان، عضو مجلس إدارة بنك ملي، في 10 يونيو (حزيران)، إن الأمر استغرق حوالي 14 ساعة حتى يتمكن اللصوص من سحب الأموال.

واعترف حسن مونسان عضو مجلس إدارة بنك ملي بأن هذا الفرع لديه «سبع طبقات من الأمان ونظام إنذار آلي». ومع ذلك، فقد تهرب من السؤال عن سبب دخول اللصوص إلى البنك بسهولة؟

ولفترة طويلة، بررت الثيوقراطية الحاكمة في إيران قسوتها بالتفاخر بـ«جلب الأمن إلى البلاد». قتل المتظاهرين الأبرياء في الشوارع، واعتقال من يهتفون ضد مسؤولي النظام، والهجمات المنظمة ضد النساء، كلها تعتبر «إجراءات أمنية» من قبل النظام.

وبينما تستغرق قوات أمن الدولة عدة دقائق للوصول إلى مكان الاحتجاج وفتح النار على المدنيين العزل، كيف فشلوا في القبض على عصابة من قطاع الطرق بعد 14 ساعة؟

 

هناك العديد من التكهنات حول تواطؤ مسؤولي النظام في هذه السرقة، وبالنظر إلى الفساد المؤسسي للنظام وتاريخ نهب ثروات الناس، فإن هذا الاحتمال الأخير مرجح للغاية.

في عام 2018، فقد آلاف الإيرانيين مدخراتهم التي عهدوا بها إلى مؤسسات الائتمان المدعومة من الحكومة مثل «كاسبين» و«ثامن الأئمة».

وادعت هذه المؤسسات أنها ستعيد أموال الناس بفائدة 25 في المائة، وخدعت الناس ليثقوا بها.

توقفت هذه المؤسسات تدريجياً عن السماح بسحب الأموال، ثم توقفت عن دفع الفوائد، وأغلقت أبوابها أخيرًا للأبد، مما أدى إلى تدمير حياة الآلاف من الناس في جميع أنحاء البلاد. كانت هذه المؤسسات مرتبطة بحرس الملالي.

ونظم الناس احتجاجات استمرت أسبوعًا للمطالبة بحقوقهم. نُسبت المظاهرات وشعارات أولئك الذين وقعوا ضحية هذا الاحتيال الممنهج لاحقًا إلى الانتفاضة الكبرى الأولى في إيران في عام 2018، والتي زعزعت أسس النظام.

وبعد عملية السطو، يوم الاثنين، تجمع المواطنون الذين نهبت أموالهم في الفرع الرئيسي لبنك ملي، مطالبين بحقوقهم.

في البداية، حاول مسؤولو النظام إبعاد حشود المتظاهرين، قائلين إنه بما أن الخزائن غير مؤمنة، فهم غير مسؤولين عن تعويض خسائر الناس.

وسمحت هذه الردود للناس بالتعبير عن كراهيتهم تجاه الثيوقراطية الحاكمة في إيران. وخوفًا من رد فعل الناس العنيف وسلسلة أخرى من الاحتجاجات في المجتمع الإيراني الحالي المتقلب، قال النظام إنه سيعاقب اللصوص.

وأخيرًا، في 9 يونيو، أعلنت شرطة المحافظة أنها ألقت القبض على جميع اللصوص وصادرت المسروقات.

وأثارت وسائل الإعلام الحكومية والشرطة الإيرانية ضجة كبيرة حول اعتقال اللصوص، وتفاخروا بتنفيذ عملية مشتركة مع الإنتربول للقبض على العديد من اللصوص الذين تمكنوا من الفرار من إيران.

ورد الناس على هذا السيرك على وسائل التواصل الاجتماعي، وسخروا من أنه إذا كانت القيادة العامة للشرطة (فراجا) للنظام قوية جدًا، فلماذا فشلت في القبض على اللصوص متلبسين؟

وأجبر ذلك حسين أشتري، رئيس شرطة طهران، على الادعاء السخيف بأنهم اعتقلوا لصوصًا بعد يومين من السرقة.

وألمحت تصريحات أشتري حول استعادة ممتلكات الناس إلى دور النظام في عملية السطو يوم الاثنين. وقال أشتري: «استعدنا غالبية ممتلكات وأموال الناس».

وقال يوم 9 يونيو، في مقابلة مع التلفزيون الحكومي: «إن الأمر متروك لهم الآن لتحديد مقدار ما فقدوه وإخبارنا».

ووفقًا للقانون الجنائي للنظام، فإن الاحتفاظ بأكثر من 10000 يورو من الأوراق المالية يعاقب عليه القانون باعتباره تهريباً للعملات، وبالتالي يعاقب بموجب قوانين النظام.

بعبارة أخرى، يمكن للأشخاص الذين يضعون مدخرات حياتهم في البنك الآن استرداد 10000 يورو فقط من ممتلكاتهم، ويضع النظام باقي المدخرات في جيوب مسؤوليه.

إلى جانب ذلك، ادعى النظام أنه اعتقل جميع المجرمين. فلماذا استعادوا 90 في المائة فقط من ممتلكات المواطنين؟ ماذا حدث للباقي؟

إن الأمل في أن تعيد قوات شرطة «فـراجا» التابعة للنظام أموال الناس مثل توقع أن يقوم المشتعل بإخماد الحرق العمد!

«فراجا» أو قوات شرطة الملالي، المعروفة سابقًا باسم «ناجا»، هي مؤسسة فاسدة.

في عام 2015، وسط الاقتتال الداخلي بين النظام، تم الكشف عن أن «ناجا» وقائدها آنذاك أحمدي مقدم، اختلسوا مليارات الدولارات. وبحسب التقرير الحصري للمقاومة الإيرانية لعام 2020، فإن المؤسسة التعاونية لقوات أمن الدولة (ناجا) اليوم «هي واحدة من أكبر الشركات القابضة في إيران».

ووفقًا لهذا التقرير «في عام 2014، قدرت وسائل الإعلام الحكومية أصول هذه المؤسسة بأكثر من 3.2 مليار دولار. تشمل مؤسسات هذا الجسم بنك قوامين، ومهرجان للاستثمار، وصندوق أمل ناجا للتأمين، ومعهد ناجا للعلوم والتعليم والترفيه، من بين الشركات القابضة الأخرى.

يحتاج نظام طهران العالق بالأزمات إلى مزيد من الأموال لتمويل إرهابه وسياساته الإرهابية. لذلك فإنه ينهب ثروات الناس وممتلكاتهم سراً أو علناً».

إن نهب منصات النفط، أو احتكار صناعات بأكملها، أو بيع التربة والأشجار، أو أحدث عملية سطو على البنوك تثير الكثير من الأعلام الحمراء، كلها جزء من خطة النظام لاستخدام كل قرش ينهبه لإطالة عمره. لكن على الرغم من كل الثروة التي نهبها الملالي وسرقوها من جيوب الشعب الإيراني، هل سيستطيعون شراء المزيد من الوقت؟

في نظام يتنفس الأمن العام كل يوم، هذه السرقة الصارخة في وضح النهار هي مجرد مثال واحد.

في الواقع، يمكن رؤية مثال على الأمن الذي يدعيه النظام في الاشتباكات الأخيرة بين المواطنين المنهوبة أموالهم من صندوق الودائع التابع لبنك ملي فرع طهران مع مرتزقة خامنئي وقوات الأمن، حيث صرخ المتظاهرون الغاضبون بشعار بـ«يا عديمي الشرف» ضدهم.

والسبب وراء هذا الشعار هو سرقة ممتلكاتهم وثرواتهم من قبل النظام في وضح النهار، ومن صندوق الودائع التابع لبنك ملي التابع للنظام. ولما احتج المواطنون المنهوبة أموالهم ردت المؤسسات الحكومية بأن الأموال والصناديق كانت غير مؤمنة، وأنها ليست مسؤولة عن السرقة!

لا يقدم المسؤولون الحكوميون شرحاً حول كيف أنه عندما يحتج متظاهر شاب ضد النظام في الشوارع، تصل قوات الأمن على الفور، وكيف يُقتل عتال يعمل على الحدود من أجل كفاف عائلته اليومي بالرصاص، ولكن عندما يسرق بنك حكومي، لا نسمع ولا نرى قوات الأمن. ما سبب كل هذه الازدواجية والتناقض؟

في إيران، التي يحكمها الملالي، ترتفع الأسعار كل يوم، من السكن إلى الكهرباء، إلى الخدمات، والآن إلى السلع الأساسية والخبز، كآخر بقايا مائدة الشعب.

الضرائب الباهظة والفواتير الفلكية للمياه والكهرباء والغاز أدوات أخرى لتفريغ جيوب الناس.

وبالتزامن مع ارتفاع الأسعار، أصبحت أساليب سرقة قادة النظام واسعة الانتشار ومفضوحة لدرجة أن وسائل الإعلام الحكومية تتصدر عناوين الصحف صراحةً: «الحكومات تمس جيوب الناس» (إيسنا- يناير 2022).

هذه السرقات ما ظهر منها وما بطن تنبع أيضًا من طبيعة هذا النظام. نظام يتألف من عصابات مافيا مختلفة متخصصة في النهب والسرقة للحفاظ على بقائها على قيد الحياة.

لذلك، فإن الأمن الذي يقول خامنئي إنه ضروري هو حماية لجهاز المافيا نفسه أمام الكراهية الكبيرة التي يكنها الشعب الإيراني له ولنظامه المشؤوم.

هذا الشعب الذين تحول غضبه المتراكم إلى كابوس يومي لخامنئي ونظامه، نشاهد مظاهر ثورته كل يوم تتفجر في هذه الأيام، ويقوده وينظمه نحو الانتفاضة والإطاحة بنظام الملالي وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وهذا ما ستكون عواقبه أكثر وضوحًا في المستقبل القريب.

 

* عضو المجلس الوطني للمقاومة الايرانية