«المجلة» تكشف كواليس إلغاء مهرجان الجونة لدورته

المهرجانات العربية تاريخ غريب بين التعثر والتأجيل
مهرجان الجونة

هوليوود: جاء الإعلان عن إلغاء دورة 2022 من مهرجان الجونه السينمائي التي كانت مقررة في الثالث عشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) وحتى الثاني والعشرين منه، بمثابة صدمة للعديد ممن تابعوا نشاطات المهرجان المصري في دوراته الخمس السابقة واستمتعوا بحرفية إدارته وتعدد أفلامه.
إعلان إلغاء دورة هذا العام جاء مصحوباً بتبرير يقول: إن التأجيل نابع من حرص وإيمان إدارة مهرجان الجونه السينمائي على تعزيز الدور الحيوي الذي يلعبه المهرجان على المستويين الفني والسياحي محلياً وعالميا آخذاً في الاعتبار التحديات العالمية الحالية والتي قد تعوق إضفاء الصبغة العالمية والإقليمية التي تسعى إدارة المهرجان لتحقيقها والتأكيد عليها منذ الدورة الأولى».

ما وراء الستار
ما يكشفه الإعلان بوضوح هو التأجيل بحد ذاته، أما ما عدا ذلك فالأمور ليست بذات الوضوح. بعض هذه الأمور لا يبدو أنها على علاقة بقرار التأجيل لكن قد تكون بداية تغييرات أخرى تصب في إدارة المهرجان ذاتها تطلبت إلغاء الدورة الحالية استعداداً لدورة لاحقة بجهاز وطاقم جديدين.
ما يدفع في هذا الاتجاه هو أنه في الدورة الأخيرة العام الماضي بدا كل شيء طبيعيًا باستثناء أن الإدارة شهدت اجتماعات نوقشت فيها، حسب ما تردد، مسائل تتعلّق بمستقبل بعض العاملين في المهرجان. ما يُقال إن مديره العام انتشال التميمي، وهو أفضل خبير مهرجانات في هذا الجزء من العالم، أخبر رئيس مجلس إدارة المهرجان نجيب ساويرس، أن هناك من يمارس اختصاصاته الإدارية وأنه لا يستطيع التأقلم مع هذا الوضع.

انتشال التميمي.


بعد ذلك قام المخرج أمير رمسيس بتقديم استقالته كرد فعل يؤكد أن إدارة المهرجان وقفت لجانب التميمي في شكواه. وذلك إثر خلاف بين التميمي ورمسيس حول نقاط تتعلق باختيارات الأفلام ومن له الكلمة الأولى بينهما في هذه الإدارة. بالنسبة للتميمي فاز بدفاع مُستحق من قِبل رئيس المهرجان، نجيب ساويرس. أما بالنسبة لأمير رمسيس فقد التحق، بعد أشهر قليلة، بمهرجان القاهرة كمدير فني له تحت إدارة المنتج والممثل حسين فهمي.
على أن مصادر أخرى تتحدّث عن سبب آخر وراء هذا الإلغاء وهو أن الوضع المالي لمشروعات نجيب ساويرس السياحية لم تسر وفق ما خطط لها وأن مؤسسته السياحية التي يتولى رئاستها مع شقيقه سميح ساويريس، تعاني من أزمة مالية، ليس بالمعنى الفادح للكلمة، بل تحديداً فيما يصب في إطار إقامة المهرجان والنشاطات الثقافية الأخرى.

المخرج والمدير الفني أمير رمسيس


هذا الوضع قد يكون ناتجاً عن الظروف التي تجتاح المنطقة والعالم، كما ورد في المهرجان من حيث إن العائدات السياحية انخفضت بفعل المستجدات الأمنية والاقتصادية، ولو على نحو جانبي. فالوضع الناتج عن وباء كورونا في العامين السابقين لم يمنعا المهرجان من إقامة دورتيه الرابعة والخامسة. والحرب الدائرة اليوم في أوكرانيا لم تؤثر على أي احتفاء أو مهرجان سينمائي باستثناء تلك التي عادة ما تقع في أوكرانيا ذاتها. لجانب احتفائيات وتظاهرات سينمائية لدى العاصمة كييف وهما مهرجانان واحد للسينما الروائية (كييف إنترناشيونال فيلم فستيفال») وآخر للسينما التسجيلية باسم «كييف كونتاكت». وهناك خمسة نشاطات ومناسبات سنوية أخرى (من بينها «جوائز أكاديمية السينما الأوكرانية» و«جوائز نقاد السينما») بعضها خارج العاصمة بالفعل.

رجل الأعمال نجيب ساويرس


مسارات مختلفة

تزداد الصورة وضوحاً وغرابة بعض الشيء في حقيقة أن مهرجان الجونة وُلد (سنة 2017) بهدف تنشيط السياحة في منطقة الغردقة عموماً ومدينة الجونة التي تمتلكها شركات ساويرس. حينها ارتأت الشركة إقامة مهرجان سينمائي كبير يُعرّف إعلامياً بالمدينة المطلّة على البحر الأحمر ويجذب، بالتالي، السيّاح للفنادق والفيلات التي تشكل منتجعاً سياحياً كاملاً.
الفكرة لم تكن جانحة وغير قابلة للتطبيق والاستعانة بانتشال التميمي لإدارة المهرجان (وهو الذي أدار سابقاً مهرجان أبوظبي السينمائي) كانت في محلّها تماماً. ما حدث أن طموحها لا يبدو أنه تحقق على المستوى العالمي المنشود. بكلمات أخرى، نجح المهرجان في إثبات وجوده إقليمياً (وتمتع بتغطية عالمية من قبل المجلات المهتمة بشؤون «البزنس» السينمائي) وازداد دوره أهمية في المنطقة العربية (خصوصاً بعد توقف مهرجان «دبي السينمائي» سنة 2018) لكن جمهوره تألّف من المدعوّين من عرب وأجانب بينهم نسبة كبيرة من الفنانين المصريين.
النموذج الذي جال في بال مؤسسي المهرجان هو مهرجان «كان» من حيث إنه جذب للمدينة الساحلية سياحة منعشة لاقتصادها في ربيع كل سنة. هذا بالطبع بالإضافة إلى اثنتين وعشرين تظاهرة ومهرجانا صغيرًا يُقام طوال العام، ما جعل المدينة مقصداً لافتاً.
هل يمكن أن تكون هناك أسباب أخرى غير معلنة، مثل إقامة «مهرجان البحر الأحمر» في المملكة العربية السعودية والإمكانيات الضخمة المتاحة بميزانيات مرتفعة لتحويله كأحد أهم المهرجانات الدولية؟ هل المنافسة بين المهرجانين تدخل في هذا النطاق خصوصاً وأن صناديق الدعم للمشاريع السينمائية التي أسسها المهرجان السعودي أكثر إغراء للمخرجين العرب وغير العرب من الباحثين عن فرص إنتاج مشترك؟
المنافسة واردة بل وضرورية لكن الاحتمال ضعيف خصوصاً وأن الإعلان يتحدث عن إلغاء دورة وليس عن إلغاء مهرجان.
ما يتيحه طرح هذا الموضوع، الحديث عن وضع المهرجانات العربية الذي يحتاج فعلياً إلى طرح شامل.
إقامة مهرجان سينمائي في بلد عربي طموح داعب كثيرين في حقب تاريخية متعاقبة. لن نجرؤ هنا على الغوص عميقاً في التاريخ (إلا بالقدر الضروري والمناسب) لكن من المهم القول إن القاهرة (حيث أقيمت محاولة أولى لمهرجان سينمائي سنة 1936) ودمشق وبيروت وتونس كانت العواصم العربية الأولى التي استجابت لهذا الطموح. كل من دمشق وبيروت توقف ثم عاد ثم توقف، لكن مهرجان قرطاج السينمائي الذي أقيم للمرّة الأولى في العاصمة التونسية سنة 1966 ما زال مستمراً.
لم يكن «أيام قرطاج السينمائية» مهرجاناً عالمياً بل انطلق جامعاً السينما العربية والأفريقية والوحيد- آنذاك- الناطق بهما. هذا المنوال استمر حتى اليوم منتقلاً من إقامته مرّة كل سنتين إلى مناسبة سنوية مهمّة على نطاق القارّة والسينما العربية وأقل من ذلك بالنسبة لتموضعه كحدث عالمي.
تبعه في سنة 1976 مهرجان القاهرة السينمائي كحدث دولي سنوي تعرّض للتأجيل مرّات قليلة لكنه تواصل إلى اليوم منجزاً 43 دورة تعددت إداراتها ومستوياتها طوال أربع عقود ونيّف.

رئيس مهرجان القاهرة حسين فهمي


الدورة الرابعة والأربعين مقرر لها أن تُقام في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) وحتى الثاني والعشرين منه تحت إدارة حسين فهمي الذي كان، في التسعينات، قد أدار المهرجان لثلاثة أعوام ثم أقسم أن لا يُعيد الكرّة.
في حديث بيننا قبل خمسة أعوام، سألته بمناسبة قيام وزارة الثقافة المصرية بالبحث عن بديل لمديرته المستقيلة، الناقدة ماجدة واصف، إذا ما كان مهتماً بترشيح نفسه للعودة إلى مقعد القيادة مرّة أخرى فأجاب سريعاً: «مش ممكن طبعاً. ليس عندي أي رغبة في ذلك». لكن واقع الحال اليوم تغير وحسين فهمي بات أول من ترأس مهرجان القاهرة مرّتين في حياة المهرجان.
جاء هذا التعيين بعدما قدّم السينمائي محمد حفظي اعتذاره عن البقاء في منصبه إثر الدورة 43 في العام الماضي. ما حدث بعد انتهاء المهرجان هو ما أثير حول علاقاته مع جهات سينمائية منافسة (تم ذكر مهرجان البحر الأحمر في بعض الانتقادات)، وبعد مساهمته في إنتاج فيلمين أثارا ضجيجاً سلبياً هما «أصحاب ولا أعز» و«أميرة». الأول اُتهم من قِبل المتشددين بأنه يروّج للمثلية الجنسية والثانية تم انتقاده على أساس أنه «تشويه لروح القضية الفلسطينية».
عملياً، أنجح مراحل المهرجان المصري كانت أيام إدارة الكاتب سعد الدين وهبة له من النصف الثاني من الثمانينات وحتى منتصف التسعينات. المحاولات اللاحقة، بإدارات متعددة، شهدت محطات هبوط كثيرة.
 
مسارات

طبعاً تداعت مهرجانات صغيرة ومتوسطة في العالم العربي من بينها ما أقيم في المغرب ومصر وعٌمان ولبنان وكثير منها، مثل تطوان في المغرب والإسكندرية في مصر، ما زال حاضراً كل في تخصصه أو منحاه الذي اختاره. حتى مهرجان «بيروت السينمائي» عاد لحين قبل أن يغيب مجدداً.
لكن الحدث الأكبر في العشرين سنة الماضية كان إطلاق مهرجان دبي السينمائي سنة 2004 الذي استمر حتى العام 2018 بوتيرة ناجحة وإدارة محترفة جعلته بالفعل أفضل مهرجانات العالم العربي طوال تلك الفترة وأحد أفضلها تنظيماً وتجسيداً للهوية العالمية التي ترتدي ثوبها العديد من المهرجانات المختلفة هنا وحول العالم.
بعده انطلق مهرجان مراكش الذي بدأ قوياً ثم تراجع، ومهرجان الدوحة، الذي بدأ واعداً ثم تم تقسيمه إلى مهرجانين صغيرين، ومهرجان أبوظبي الذي انطلق على بعض العثرات سنة 2009 لكنه تجاوزها بعد سنوات من انطلاقته وحتى توقفه المفاجئ سنة 2014.
في تلك الفترة وبين أربع مهرجانات دولية ما بين الشرق العربي وغربه، هي دبي وأبوظبي والدوحة ومراكش) بدا أن السينما العربية تتحرّك صوب الأفضل. الجوائز كبيرة تغري السينمائيين العرب بتقديم أفضل ما لديهم من مواهب وأساليب، وصناديق الدعم متوفّرة والضيوف من أركان الأرض البعيدة منها والقريبة.
وبعد توقف مهرجان أبو ظبي وتعثّر مهرجان مراكش الذي توقف مرّتين خلال السنوات القليلة الماضية وتحوّل الدوحة إلى مهرجانين محدودي التأثير لم يبق سوى مهرجان دبي فاعلاً ونشطاً إلى أن تمّ صدور قرار باستبدال إدارته وتغييب دورته لعام 2018 حتى العام المقبل.

مهرجان دبي 2014: الوقفة الأخيرة


في هذا تشابه لمَ يمر به مهرجان الجونة الآن، فالقرار الإداري الأعلى لمدينة دبي نص على أنه سيتم تغييب المهرجان لعام يعود بعده لمواصلة دوره في دعم السينما العربية ووضع دبي على الخارطة الدولية. لكن الغياب تحوّل إلى فعل أبدي بعد ذلك.
ترأس الأستاذ عبد الحميد جمعة مهرجان دبي بدراية فذّة وصاحبه في دور المدير الفني مسعود أمرالله الذي كان له الفضل في تشجيع السينما الإماراتية على الحضور عبر مهرجان «أفلام من الإمارات» الذي أقيم في أبوظبي قبل سنوات من إطلاق مهرجانها الدولي. ما يبدو أنه حصل، كما لوحظ لاحقاً، هو أنه كان هناك رأيان لاعبان بالنسبة لمهرجان دبي، واحد مؤازر يتمنى استمراره خصوصاً وأنه برهن عن جدواه والآخر عارضه لأسباب ما زالت مجهولة.
هل هذا ما سيحصل بالنسبة لمهرجان الجونة؟ هل يكون صدور الإعلان بتأجيله هو التمهيد لحجبه؟
لا أحد يعرف لكن التساؤل وارد.
ما يبعث الشعور بالرضا هو أن «مهرجان البحر الأحمر» في المملكة العربية السعودية وُلد في العام الماضي بنجاح ومهيأ للاستمرار إدراكاً لحاجة العالم العربي لحدث بمثل هذا الحجم والأهمية.
كذلك يثير قدراً كبيراً من الحبور حقيقة أن مهرجاني القاهرة وقرطاج ما زالا ركيزتين مهمّتين ومستمرين في تأدية دوريهما الفني والثقافي في هذا المجال. وإذا ما عاد «الجونة» إلى العمل متجاوزاً المحنة، أياً كانت، فإن ذلك بدوره إنجاز رائع.