خبير اقتصادي: فاتورة باهظة ستدفعها الدول جرّاء أزمة روسيا- أوكرانيا

بيروت: أفرزت أزمة حرب روسيا- أوكرانيا تداعيات سلبية أرخت بظلالها على أسعار الغذاء في السوق الدولية بسبب تعطيل صادرات الغذاء والحبوب من أوكرانيا وروسيا، فضلاً عن تهديدات تخص نقله وما يتطلب من أمن للسفن والعاملين في الزراعة والنقل.

وتفاقمت في الآونة الاخيرة المخاوف حول مستقبل الأمن الغذائي في العالم إذا ما توسعت الحرب جغرافياً لتشمل دولاً أخرى أو توسعت نوعياً، حيث بات الجميع يسعى لإنهاء هذه الحرب دون دفع فاتورة باهظة على الصعيد الاقتصادي عموماً، وعلى صعيد الغذاء خصوصاً.

مواكبة للتحذيرات وللوقوف على أبرز المخاطر، كان لـ«المجلة» حوار مع الدكتور روك أنطوان مهنا، عميد جامعة حمدان في دبي، وهذا نصّه:

* الأمين العام للأمم المتحدة حذّر من أن الملايين حول العالم باتوا على شفا الوقوع في هوّة انعدام الأمن الغذائي، وأن ذلك قد يفضي إلى أزمة جوع قد يطول أمدها لسنوات، من أكثر الدول المتضررة؟

- الأزمة الروسية- الأوكرانية أثرت على نحو 50 دولة وهذه الدول تشكل 26 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي، ومما لا شك فيه أنّنا أمام تأثير مباشر على الأمن الغذائي وعلى نسب التضخم وكذلك زعزعة الأوضاع الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية وكذلك الأمنية. وعلى سبيل المثال، روسيا تمتلك اقتصادا يبلغ حوالي 1.6 تريليون دولار وهي في المرتبة الـ11 عالمياً كحجم اقتصاد، وأوكرانيا 155 مليار دولار، هاتان الدولتان تمتلكان 25 في المائة من الإنتاج العالمي للقمح، وهذا يؤثر بشكل بالغ على عدد كبير من الدول ويشكل زعزعة اجتماعية واقتصادية بحال ارتفاع سعر القمح والرغيف.

 

* هل نحن أمام استراتيجية «الخبز بدل السلاح»؟

- نحن هنا أمام احتمال عدم استقرار اجتماعي وتظاهرات وغيرها من الأحداث. وأكثر الدول التي تستورد القمح هي دول الشرق الأوسط، وبالتالي التأثير سيكون مباشرا عليها. فلبنان مثلاً يستورد حوالي 40 إلى 60 في المائة من القمح من أوكرانيا، وكذلك مصر، وهي أكبر مستورد، تستورد من روسيا وأوكرانيا حوالي 85 في المائة من القمح أي حوالي 12.5 مليون طن في السنة، وهي أكبر دولة عربية من حيث السكان. كذلك ليبيا والجزائر وتونس، فروسيا وأوكرانيا هما أكبر مصدرين للقمح. ارتفاع التضخم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والمعادن والطاقة والنفط له تاثير على عدد كبير من الدول ليس فقط في تراجع حجم الاقتصاد والركود ولكن بزعزعة الاستقرار في الدول المتأثرة مباشرة، خاصة بقصة الخبز والقمح. أنا متخوّف، فالعالم كلّه تحت تأثير ارتفاع أسعار الطاقة وسنصل إلى تداعيات التضخم وارتفاع البطالة وسنشهد ما يسمى الركود التضخمي وهنا الخطورة، هذا عدا تراجع الأسواق المالية والأوروبية والتضخم بالأسعار والمنتجات والخدمات وتراجع القدرة الشرائية وبدأنا نشهد ذلك بشكل خطير.

 

* ماذا عن الغموض الذي يلّف نظام الطاقة المقبل؟

- ارتفاع أسعار الطاقة، والنفط تحديداً، وهو بالمناسبة الأعلى من 9 سنوات، زاد الطلب على النفط من دول الخليج مثل قطر والسعودية والإمارات، ولكن هنا أوروبا تأثرت بشكل مباشر إذ إنّها تتكل على النفط والغاز بين 25 في المائة و40 في المائة، مما يجعلها تعتمد على الاستيراد من روسيا، وهذا الأمر قد يؤدي إلى ركود اقتصادي وارتفاع في الكلفة وتراجع العملة وكذلك الاقتصاد الأوروبي. نعم أسعار الطاقة قد تزيد العائدات في السعودية وقطر والدول المصدرة للنفط، ولكن الطلب من أوروبا سيزداد ولن يستطيعوا تلبية الحاجة. وفي المقابل هذا له تداعيات. أسعار الطاقة ستؤدي إلى تراجع كلفة الإنتاج وكلفة الصناعة والصادرات الصناعية والزراعية.

 

* كيف تقرأ تداعيات الحرب على الوضع العالمي؟

- أولاً، في موضوع التجارة الدولية والملاحة التجارية والتي تقطع عبر البسفور والبحر الأسود عبر مضيق الدردنيل، نحن أمام ارتفاع كلفة التجارة وتراجعها. تركيا لها كلمة الفصل هنا، ولها الحق في إقفال المضيق بموجب اتفاقية 1936 وحتى الآن موقف تركيا غير معروف كحليف للناتو في الموضوع الروسي- الأوكراني، ما يعني ارتفاع المخاطر. أمّا في موضوع السياحة، وخاصة الرحلات الجوية والمنتجعات البحرية خلال موسم الصيف سيّما في تركيا ومصر، فمعظم السياح في مصر روس ويشكلون أكثر من ثلث عائدات السياحة، أي حوالي مليارين ونصف المليار دولار في السنة وهذا الرقم حتماً سينخفض. والأمر عينه ينطبق على دول الخليج وقبرص. كذلك، على صعيد الطلاب، الآلاف من طلاب الشرق الأوسط يدرسون في أوكرانيا وروسيا، المغرب حوالي 8000 طالب، ومصر حوالي 3500 طالب، وكذلك العراق وفلسطين ولبنان، عدد لا يستهان به، وهذا العدد أيضاً إلى تراجع. المصارف المركزية تعاني أيضاً عبر زيادة الفوائد لمحاربة التضخم ما يزيد المخاطر السيادية وتراجع التسليفات أي الاستثمارات الجديدة والاستثمارات المباشرة مما يؤدي إلى تراجع نسب النمو الاقتصادي للدول والنمو العالمي أيضاً.

تراجع الاستقرار المالي والاقتصادي والسياسي، نسب 3 مكونات يعتمد عليها في الصناديق التمويلية،  سيؤدي إلى تراجع الاستثمارات. وكذلك تراجع التجارة والصادرات وعدم الاستقرار بالعملات المحلية وحرب العملات لتخفيض قيمتها وزيادة صادراتها.

 

* هل نحن أمام صراع أم حرب على الطاقة أو المياه أو الغذاء؟

- نحن أمام حرب باردة جديدة ومعسكرات جديدة إن كان سوريا أو إيران أو روسيا أو فنزويلا أو الصين أو أميركا وأوروبا والناتو، وبعد موجة وفوضى الارتفاعات تلك، أنا متخوف من صدمة ركود، مواكبة مع زيادة البطالة وحرب العملات مما يؤدي إلى عدم الثقة بالمصارف المركزية وعقم بالسياسات النقدية كما حصل مع البنك الفيدرالي الأميركي الذي تأخر لمواجهة التضخم، والتأخر أي «فات القطار» وقد ينذر بصدمة معاكسة والوقوع في ركود اقتصادي وهذا احتمال غير بعيد. الوضع غير مستقر عالمياً على أمل أن نتخطّى الموجة ونتفادى الارتطام الكبير.

 


مقالات ذات صلة