وزير الاقتصاد اللبناني لـ«المجلة»: الامتناع عن سداد الدين كان أشبه بحكم الإعدام بحق لبنان

أمين سلام: لبنان كان دوماً تحت الوصاية السياسية
وزير الاقتصاد أمين سلام

بيروت: الأوضاع الاقتصادية المتردية والانهيار غير المسبوق في لبنان، دفع بآلاف اللبنانيين إلى الهجرة والسفر وخصوصاً الشباب والشابات، بحثاً عن فرصة عمل أو لتحسين ظروف الحياة التي أصبحت شبه مستحيلة بعد انهيار العملة الوطنية وانعدام الخدمات العامة من كهرباء ونقل وارتفاع الأسعار بشكل جنوني وإقدام آلاف الشركات والمؤسسات والمحال التجارية على صرف آلاف الموظفين والعمال والأجراء، مما أدى إلى انتشار البطالة بشكل كبير.

ويشير تقرير البنك االدولي  إلى أن الكساد المتعمّد في لبنان هو من تدبير قيادات النخبة في البلاد التي تسيطر منذ وقت طويل على مقاليد الدولة وتستأثر بمنافعها الاقتصادية.

وقد استمرّت هذه الهيمنة على الرغم من شدة الأزمة ، وهي واحدة من أشد عشر أزمات، وربما أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينات القرن التاسع عشر، وباتت تُعرّض للخطر الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد على المدى الطويل. فقد أفلس نموذج التنمية الاقتصادية للبنان الذي ازدهر بفضل تدفقات وافدة كبيرة لرؤوس الأموال ودعم دولي في مقابل وعود بإجراء إصلاحات. علاوةً على ذلك، يحدث الانهيار في بيئة جيوسياسية تتّسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار، الأمر الذي يزيد من إلحاح الحاجة إلى معالجة هذه الأزمة الحادة.

ويقول المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي ساروج كومار جاه: «إن الإنكار المتعمّد في ظل الكساد المتعمّد يُخلِّف أضراراً طويلة الأمد على الاقتصاد والمجتمع. فبعد مرور أكثر من عامين على الأزمة المالية، لم يُحدِّد لبنان بعد مساراً يتسم بالمصداقية للوصول إلى التعافي والاستقرار الاقتصادي والمالي، ناهيك عن الشروع في هذا المسار. وعلى الحكومة اللبنانية أن تمضي قدماً بشكل عاجل نحو اعتماد خطة لتحقيق الاستقرار والتعافي المالي الكلي ذات مصداقية وشاملة ومنصفة، وتسريع وتيرة تنفيذها إذا كان لها أن تتفادى دماراً كاملاً لشبكاتها الاجتماعية والاقتصادية، وأن توقف على الفور نزيف رأس المال البشري الذي لا يمكن تعويضه.

«المجلة» التقت وزير الاقتصاد والتجارة أمين سلام وهو يخوض معركة ضد أصحاب الأفران والمطاحن وصلت إلى حد التهديد بفتح السجون لكل من يريد تعريض أمن المواطنين أو اختلاس المال العام للاطلاع منه على آخر التطورات على صعيد المفاوضات مع صندوق النقد والملفات التي أنجزت وأحيلت إلى مجلس النواب... وكان هذا الحوار:

 

* كيف تقيم تجربتك في وزارة الاقتصاد وما الصعوبات التي واجهتك، وما المشاريع التي لم تستطع تنفيذها؟

- هذه التجربة كانت وطنية إنقاذية بامتياز، قبلت باستلام هذا المنصب لأن لدي أملا ونية بإنقاذ لبنان من أزمته، وبالتالي تجربتي كوزير اقتصاد كانت فعلا من أصعب التجارب بين الوزارات الأخرى لأننا كوزارة معنيون بالأمور الحياتية اليومية التي تمس مشاكل الناس، وأنا أقول إن يومي يبدأ بمعالجة لقمة الخبز وينتهي بمفاوضات صندوق النقد الدولي. وبين هذين الأمرين هناك حماية المستهلك بكل مقوماتها التي كانت بالنسبة لي وعداً من الوعود التي قطعتها، وبالرغم من كل الأزمات حققنا نجاحا كبيرا في حماية المستهلك وكنا إلى جنب المواطن اللبناني وأنا شخصيا كوزير كنت مع الناس في السوبرماركت ومحطات البنزين والأفران والمطاحن والمرفأ والمطار، أي حاولنا جاهدين أن نتواجد في كل مكان كهيئة رقابية وكوزارة اقتصاد لديها دور رقابي على الأسعار وعلى الاحتكار وعلى كل ما يتعلق بحماية المواطن، وبالرغم من أننا لم نغير المعادلة إلا أننا أنجزنا تغييرا كبيرا في شهادة المجتمع الدولي بأن التحرك الذي قامت به الوزارة خلال فترة الحكومة خلق نوعا من الاستقرار بنسبة معيّنة طبعا ليس كل السوق لأننا على علم بأن إمكانيات الدولة جدا محدودة ولكن باستخدامنا للقانون وبعض الوسائل التي ذكرناها بطريقة ذكية لمعالجة أزمات الناس حققنا نجاحا لخلق القدر الممكن لحماية المستهلك وتأمين الأمن الغذائي حتى لا يكون هناك انقطاع لأي سلعة في الأسواق. ومؤخراً كانت لدينا مشاكل كبيرة وفريدة من نوعها بعد تعثّر الأمور في البلد جراء الحرب الروسية الأوكرانية وشح الأموال في خزينة الدولة، فذهبت إلى البنك الدولي لطلب الأموال بقيمة 150 مليون دولار لتأمين مادة القمح والخبز وجلبنا القرض وهذا نجاح كبير لوزارتنا.

النجاح الثاني كوزير اقتصاد كان إنجاز قانون المنافسة الذي له أكثر من 25 سنة يتأرجح في السياسة اللبنانية ولم ينجز، وعندما استلمت الوزارة قالوا لي إن الرئيس الشهيد رفيق الحريري عمل على هذا القانون ولم يستطع أن ينجزه. ومن هنا قررت إنجاز قانون المنافسة لأنه قانون إصلاحي اقتصادي بامتياز والحمد لله وبقدرة الله وحكمتنا عملنا مع كل الأفرقاء السياسيين ونجحنا بتمرير قانون مطلوب من صندوق النقد، ومطلوب من المجتمع الدولي كقانون إصلاحي وهذا القانون الاقتصادي الإصلاحي الوحيد الذي قامت بإنجازه الحكومة والمعني فيه وزارة الاقتصاد وكل فريق العمل لأن التداعيات على الاقتصاد اللبناني ستكون مهمة جدا.

* موضوع الطحين والمطاحن والأفران مترابط وهو قديم جداً، هل هناك قطبة مخفية في هذا الملف أو هناك جهة ما تحركه بين الحين والآخر لسبب ما؟

- لدينا عدة علامات استفهام كوزارة معنية بتأمين القمح والاعتمادات لدفع ثمن القمح، ولكن بحسب تداول الجمرك ومصرف لبنان استطعنا تأمين كميات للبلد تكفي لمدة شهر ونصف من القمح المدعوم. وقد دخل القمح إلى البلد وتأكدنا من قيادة الجيش أنه لم يتم أي تهريب. لذا أمنا القمح ودفعنا ثمنه وسلمناه للقطاع الخاص ولكن هناك علامة استفهام كبيرة كيف يدخل القمح الذي هو أكثر الكميات التي تكفي حركة السوق لشهر ويدفع ثمنه ويتأمن للمطاحن ويقولون إن هناك أزمة خبز لذا هناك تواطؤ وقطبة مخفية أو طرف في البلد لديه نية لضرب الاستقرار والأمن. فاليوم مع إدخال الطحين المدعوم وتسليمه كيف يقولون لنا إن هناك أزمة؟ نحن نراقب ونلاحق ولكن لا أستطيع أن أضع شرطي على كل حبة قمح بالبلد.

 

* كونك في عداد الوفد اللبناني لمفاوضة صندوق النقد الدولي.. هل الاقتراحات التي قدمت من الصندوق لمصلحة البلد؟ فالكل يعلم أن وصفات الصندوق مرة على صعيد الضرائب..

- لبنان أوصل نفسه لأن يصبح دائما تحت سلطة الوصاية السياسية، واليوم أوصلنا أنفسنا إلى أن نكون خاضعين تحت الوصاية الاقتصادية. ونحن نعلم أن أي بلد يلجأ إلى صندوق النقد يعني أنه وصل للآخر ونحن منذ ثلاث سنوات كان لدينا أمل لأن نقول إننا لا نريد صندوق النقد ولكن اليوم بحسب معطيات 2022 بعدما تم هدر المال العام وبعدما صرف على الدعم 20 مليار دولار مع الحكومة السابقة وبعدما  انخفضت أموال الاحتياطي فلا مخرج من هذا المأزق إلا بشرب الكأس المرة للاستمرار ولشفاء البلد لأنه للأسف 30 سنة سياسات مالية واقتصادية فاشلة، واليوم صندوق النقد يضع إطار عمل وسيحاسبنا عليه كل ثلاثة أشهر. الظروف صعبة ولا يوجد حل وكل الحلول التي عملنا عليها كانت حلولا صعبة واضطررنا أن نختار أسهل الخيارات الصعبة يعني كل السيناريوهات التي وضعها صندوق النقد لم يكن المخرج منها سهلا وبالتالي يجب أن نتحمل هذا الشيء لأننا أوصلنا أنفسنا إلى هنا ولكي نصل إلى نتائج مستقبلية لن تكون سهلة، ولكن لا زلت متفائلا أن هناك عدة مقومات مثل النفط والغاز وغيرها من الأمور التي يمكننا أن نعوّل عليها لكي لا نجعل صندوق النقد يتحكم في مفاصل الاقتصاد في السنوات الماضية بشكل كامل.

 

* كما حصل مع بعض دول آسيا وأميركا اللاتينية؟

- هناك بلدان شهدت أزمات مصرفية ولكن كان يتوفر البديل، يعني كان ينهار القطاع المصرفي، وهناك قطاعات أخرى تعمل ولكن لم تر البلدان الآسيوية بلدا مثل لبنان لا يوجد فيه بنى تحتية ولا اقتصاد ولا مصارف.

 

* المؤسف أننا لا نزال مستمرين في الإنفاق العام بشكل غير منطقي وفي الهدر والصفقات ألا يوجد حل لهذه المشكلة المزمنة أو ضوابط؟

- للأسف اليوم أصبح العجز كاملاً في الإنفاق العام والموظف في  القطاع العام يعمل «بالمونة»، الموظف لا يمكنه أن يتحمل ثمن تنكة بنزين واحدة نتيجة الانهيار الذي نعانيه، لذلك علينا تحريك العجلة الاقتصادية ومع صندوق النقد والسياحة ووضع خطة اقتصادية كاملة وأنا سأعلن خلال أسابيع عن خطة وهي تختلف عن الخطة الإنقاذية للبلاد، وخطتي ستكون قصيرة إلى متوسطة الأمد وتؤمن فرص عمل جديدة وتستطيع أن تعطي بصيص أمل للناس.

 

* تعتقد وكالة فيتش أن نتائج الانتخابات النيابية قد لا تساعد أي حكومة لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة لعدم وجود أكثرية نيابية في المجلس هل توافق على هذا الرأي؟

- أكيد أوافق، اليوم إذا كان لدينا مجلس يضم أحزابا وفرقاء ومعارضة وأشخاصا جددا وأجيالا مختلفة؛ إذ إن هناك نوابا بعمر 27 سنة ونوابا في سن الثمانين، أي إن هناك تضارب أفكار وتضاربا فكريا وآيديولوجيا في مجلس النواب الجديد، نحن مع التنوع ومع التغيير، لكن ليس من السهل إذا لم يكن هناك فكر وطني موحد اتخاذ قرارات موحدة، فإذا لم يكن هناك سرعة في اتخاذ القرارات سنخسر اهتمام المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي وسنكون عاجزين عن إقرار أي مشروع من المشاريع التي أحالتها الحكومة الحالية إلى مجلس النواب، لذلك إذا استمرت المناكفات فلن يكون هناك إجماع على هذه القوانين وسنكون عاجزين عن النهوض.

* ألا تعتقد أن قرار عدم سداد الدين الذي اتخذته حكومة حسان دياب والذي تبعه قرار الدعم لسلة السلع كانا سبب الانهيار الاقتصادي والمصرفي؟

- هذان القراران كانا أشبه بحكم إعدام بحق ما تبقى من الدولة اللبنانية، إذ فقد لبنان مصداقيته المالية عالمياً وإقليمياً ، فالغلطة الكبرى أن  لبنان تخلف عن دفع مليار و800 مليون دولار، وفي الوقت نفسه كان يريد استدانة مليارين، ثم تم صرف أكثر من 18 مليار دولار على دعم سلة السلع.

 

* لكن  أموال هذا الدعم ذهبت إلى التجار والمحتكرين والمهربين...

- أكيد لأن القرار الأول أضر بالبلد ومصداقيته، لأن الطريقة التي اتبعت لم يسبق أن اتخذتها أي دولة من قبل خصوصاً أن لبنان كان يملك أموالاً صرفت على سلة غذائية استفاد منها الكل باستثناء الطبقة الفقيرة والمحتاجة..

 

* كيف تقيم أداء وزارة الاقتصاد في الحكومة السابقة؟

- ما حصل في الوزارة في الحكومة الماضية كان إجراما بحق الاقتصاد والبلد..

 

* منذ مطلع العام 2020 والقلق يخيم على المواطن بسبب الفلتان الحاصل في سعر الدولار في السوق السوداء، ألا تستطيع الدولة أن تواجه العصابات التي تقف وراء التطبيقات التي تضارب على العملة الوطنية في السوق؟

- بكل أمانة أقول: من الناحية الرقابية أنا إذا سمعت خبراً له علاقة بوزارتي، أذهب للقضاء وأسلمهم محاضر الضبط بيدي لكي أبرهن أن اتباع القانون يقوي القضاء ويردع المخالفين ويستطيع كل وزير وكل مسؤول أن يفعل مثلي، قبل فترة أخذت محاضر الضبط بيدي إلى القضاء وانتظرت 4 ساعات إلى أن نفذت هذه المحاضر في حين كانوا يأخذون في السابق أشهرا وسنوات للتنفيذ، إذن العبرة في التنفيذ.. أنا قمت بهذه الممارسة لكي أبرهن على أنه بالرغم من أن هناك قوانين ومشاريع تحتاج إلى تعديل إلا أنه إذا عمل الإنسان بضمير ووطنية فبإمكاننا أن تغيّر ونصلّح الأخطاء.

 

* برأيك كيف يجب أن يكون شكل أو لون الحكومة الجديدة لمواجهة المرحلة المقبلة إن على صعيد الاستحقاق الرئاسي أو لاستكمال المفاوضات مع صندوق النقد وأزمة الترسيم مع إسرائيل؟

- الحكومة الجديدة تحتاج إلى رجال دولة وطنيين ويتمتعون بالجرأة لاتخاذ قرارات صعبة، والأهم أن يعيدوا ثقة المجتمع الدولي والاستثمارات الأجنبية، والمطلوب إدخال عنصر الشباب المنفتح لمواكبة قيادات العالم العربي الذي بمعظمه شباب.

 

* هل تعتقد أن المنظومة الحاكمة قد توافق؟

- إذا أرادت احتواء المتغيرات الدولية والمطالب الداخلية ستكون مرغمة على التوافق.

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة