لبنان ينتظر موسماً سياحياً واعدًا... يُعكّره غياب الخليجيّين

إزالة صور رموز «حزب الله» وإيران لصالح «هوية» لبنان
لافتة كتب عليها «أهلا بهالطلة» الشعار الذي اختارته وزارة السياحة لاستقبال السياح والمغتربين على طريق المطار

بيروت: يرسم الموسم الموعود في لبنان بارقة أمل في الخروج من جحيم اقتصادي يحكم بقبضته، منذ أكثر من سنتين، على مفاصل قطاع السياحة الذي شكّل ركيزة دعم أساسيّة لخزينة الدولة اللبنانيّة منذ نشأتها، إلّا أنّ الظروف السياسيّة والصّحية والمعيشيّة حالت دون أن يستمر في مسيرته المعهودة.


وتمخّضت الجهود المتواصلة إلى إعادة جزء من ملامح ماضي «سويسرا الشرق» إلى بيروت في محاولة لضخّ الأوكسجين الذي افتقدته مُجبرة، علّه يُمكّنها من استعادة موقعها على خارطة البلدان السياحيّة، وذلك تزامناً مع التحضيرات لموسم واعد واستثنائيّ وفق الأرقام والمؤشّرات التي تعكس إرادة العبور فوق الحواجز لبلوغ الهدف المنشود، لتعود بيروت قِبلة السيّاح العرب وتفرد جناحيها مرحّبة بقدوم أبنائها تحت شعار «أهلا بهالطّلة..مشتاق للبنان طلّ هالصيفيّة».


وقبيل الموسم المنتظر، عادت «ستّ الدنيا» لترتدي هويّتها الأصليّة عبر حملة «أهلا بهالطّلة» التي أزالت الشعارات الحزبية والسياسية المنتشرة على طول طريق مطار رفيق الحريري الدولي، حيث كانت تتصدّر على جوانبه صور قاسم سليماني ورموز حزب الله وإيران، بعد أن طالب وزير السياحة في حكومة تصريف الأعمال وليد نصّار بنزع اللافتات على أن توضع مكانها صور تعكس هويّة لبنان الفعليّة وجماله وأماكنه الطبيعية، بالتعاون مع البلديات المعنيَّة والمؤسسات الخاصة، استعدادا للحركة السياحية الواعدة.


سلكت الحملة طريقها بنجاح، وستشمل المناطق اللبنانية كافة التي سترتدي عبر أكثر من مائة وخمسين لوحة إعلانية شعارات الترحيب ومُلصقات صور عن لبنان، ترحيبًا بالوافدين من مغتربين لبنانيين وأشقّاء عرب وسيّاح أجانب، في استعادة البلد للحركة السياحيّة التي توقَّفت بفعل التطوّرات وأنهكت البلاد.


وقد تمكّن القطاع السياحي، الذي يُحرّك عجلة مختلف القطاعات، من أن يُدخل إلى لبنان، قبل الأزمة في العامين 2017 و2018، حوالى عشرة مليارات دولار سنوياً، إلا أنّ هذا الرقم سيتراجع هذا العام لينحصر بين 3 و3.5 مليار دولار، وفق التقديرات الرسمية التي تُرجّح أن تدخل الأموال بشكل نقديّ جرّاء أزمة القطاع المصرفي المشلول.


يتوقّع لبنان موسماً سياحياً واعداً خلال الصّيف يتمثّل بتوافد مليون شخص، غالبيتهم من اللبنانيين المغتربين، وبدخول أكثر من 3 مليارات دولار إليه، وفق معطيات وزير السياحة وليد نصار الذي لفت إلى أنّ «الصّيف سيكون واعدا مع توافد مليون وافد، 75 في المائة منهم من اللبنانيين المغتربين و25 في المائة من الأجانب».


«لا تتكلّموا سياسة بل تكلّموا سياحة»، انطلاقاً من هذه الدعوة الصريحة التي رافقت إطلاق الحملة يبدو أنّ القوى السياسيّة تعي أن الموسم يجب أن يمرّ بهدوء ليُلملم القطاع وما يرتبط به، تماماً كما البلد الذي يمتلك كل المقومات السياحيّة ويحتاج فقط إلى الاستقرار الأمني والسياسي المنتظر في مرحلة مصيريّة على المستويات كافّة.

مليون و200 ألف سائح
رفع لبنان قيود وباء كورونا نهائياً، وسط مؤشّرات عن صيف سياحيّ واعد وتوقّعات بأن يكون الدخل الذي سيُوفّره للبنان 3 مليارات دولار، فهل سيتمكّن القطاع السياحي من إنقاذ لبنان من كبوته الاقتصادية ويُخرجه من غرفة الإنعاش ليستعيد حياته المعهودة؟

رئيس اتحاد النقابات السياحيّة ونقيب أصحاب الفنادق في لبنان بيار الأشقر


جزم رئيس اتّحاد النقابات السياحيّة ونقيب أصحاب الفنادق في لبنان بيار الأشقر لـ«المجلة» أنه «وفق حجوزات الطيران الموثّقة بأرقام من وكالات السفر، فهناك ما بين 110 و120 طائرة ستحطّ يومياً في المطار، أي ما بين 18 و20 ألف شخص سيدخلون البلد كل يوم خلال الفترة الممتدّة من شهر يونيو (حزيران) الحالي حتى أواخر سبتمبر (أيلول) المقبل».


وأوضح أن «الحجوزات تُشير إلى أن غالبيّة الوافدين هم من المغتربين اللبنانيّين الموزّعين على دول الخليج العربي وعددهم 400 ألف لبناني و200 ألف من أفريقيا و250 ألفًا من أوروبا والبقية من البلدان الأخرى»، مشيرا إلى أن «نحو مليون و200 ألف سائح من جنسيات عربيّة مختلفة سيدخلون لبنان ويأتي في الصدارة الوافدون من العراق ومصر والأردن».


«نحن بلد العجائب»، إذ بحسب الأشقر، «على الرغم من المشاكل في الكهرباء والمحروقات وغيرها، فنمط الحياة والمطاعم والمقاهي والملاهي والفنادق توحي بأن الأزمات غير موجودة، إذ إنّ الشعب، مع المؤسسات السياحيّة، يقومان منذ 30 سنة بإدارة تلك الأزمات، وأضحى لديهما الخبرة اللازمة، فالدولة استقالت من مهمتها في تأمين الكهرباء والمياه وقمنا بدورها مضطرّين من أجل تأمين احتياجات الصمود بالتي هي أحسن استعدادا للموسم السياحي»، آملاً في أن «يتمكّن لبنان من العودة إلى سياحة 365 يوماً، ولتحقيق العودة المرجوة ليكون البلد سياحيا بالدرجة الأولى، فإن المطلوب أن تتمّ المصالحة مع الدول العربية وخصوصاً دول الخليج العربي باعتبارها ضرورة لانتعاش لبنان».  


وعن حملة وزارة السياحة، اعتبر أن «مدخل المطار كان محاطاً بصور وأسماء سياسيين لبنانيين وشعارات دول أجنبية وقادة إيرانيين، واليوم أصبح حصرا للبنان من خلال صور عن معالمه السياحيّة كصيدا وصور وبعلبك، وهذه هي صورة لبنان الصحيحة».


ولفت إلى أن «غالبيّة المغتربين سيقضون إجازتهم في المنازل، ولكن في ضوء معطيات السنة الأخيرة فإنهم يقومون أسبوعياً بسياحة داخلية في منطقة مختلفة، ما سيؤدّي إلى حركة ناشطة على مختلف الأراضي اللبنانيّة، خصوصاً مع بروز منتج جديد وهو بيوت الضيافة، (وهي منازل صغيرة غالبيتها من طراز قديم سواء في العاصمة بيروت أو في المناطق الجبلية تستضيف الزّوار والسّياح وأضحت بديلة عن الفنادق)، إذ بدأت تلك البيوت تظهر في قرى ومناطق نائية لم تكن موجودة على الخارطة السياحيّة وأضحت ركناً أساسياً فيها، على سبيل المثال لا الحصر كبعلبك والضّنيّة التي لم يكن فيها أماكن للإقامة، وباتت الناس بحكم وجودها تُقيم فيها وتتعرّف على أماكنها وتكتشف منتجاتها التقليديّة من مأكولات وحرف، مما ينعكس بمردود إيجابي على سكان تلك المنطقة وأصحاب تلك المهن».


وفيما يخصّ دولرة الأسعار، أوضح الأشقر أن «الدولار يتقلّب سعره مقابل الليرة اللبنانية، والمنتج على الليرة اللبنانية خاضع لتأرجحه وقد لا يلتزم صاحب المؤسسة بخفض سعره على الليرة مع هبوط الدولار، ولكي تتمكّن وزارة السياحة اللبنانيّة من المراقبة بشكل علمي وصحيح للأسعار منعاً لأي تلاعب، سمحت للمؤسسات السياحية بإعلان لوائح أسعارها بالدولار الأميركي، على أن تُصدر الفاتورة مسعّرة بالدولار والليرة ويتمكّن الزبون من الدّفع بالعملة التي يريدها».

خسارة كبيرة بغياب السياحة السعوديّة الخليجيّة

على وقع التحضيرات التي تقوم بها المؤسسات السياحيّة من المطاعم والفنادق كما المقاهي والمنتجعات تحضيرا للموسم المنتظر، تشير حركة الحجوزات إلى ارتفاع كبير وفق وكالات السفر التي لحظت أرقامها تغييرا جذرياً بخلاف السنتين الأخيرتين، من دون إغفال تأثيرات الحركة الخفيفة للسيّاح الخليجيّين الذين يُشكّل حضورهم دعماً لا يُعوّض للقطاع السياحي.

 نقيب مكاتب أصحاب السفر والسياحة في لبنان جان عبّود


ووفق ما كشفه نقيب مكاتب أصحاب السفر والسياحة في لبنان جان عبّود لـ«المجلة» فإنّ «الصيف في لبنان سيكون واعداً وفق الحجوزات حتى منتصف سبتمبر المقبل، إذ من المتوقّع أن يصل إلى مطار رفيق الحريري الدولي ما بين 17 و19 ألف شخص يومياً، وهي حركة افتقدها لبنان منذ أكثر من سنتين، وغالبيّتهم من المغتربين اللبنانييّن وبعض السيّاح العرب من جنسيات مختلفة، مع تسجيل نسبة قليلة من الوافدين الخليجييّن الذين تراجع حضورهم بشكل كبير».


واعتبر أنه «عندما كانت السياحة العربية الخليجيّة بأوجّها، وخصوصاً السعوديّة، كان الوضع في البلد سياحياً مختلفًا، ومساهمة السياحة في الدخل القومي مختلفة، فإنفاق هؤلاء هو بمعدّل 5 آلاف دولار في اليوم خلال مدّة إقامة قد تزيد على 20 يوماً، فيما معدّل إنفاق السياحة العربية الحالية في لبنان من عراقيين وأردنيين ومصريين، في اليوم بحدود 400 دولار ومدّة إقامتهم لا تتعدى الأسبوع»، مشيراً إلى أن «الفارق الذي خسره لبنان من السياحة الخليجية السعودية ومشاركتها في الدخل القومي كبير، إذ إن مساهمة تلك السياحة في الدخل القومي المحلّي كانت 9 مليارات و500 مليون، بينما لا تتعدّى سياحة لبنان الحاليّة 3 مليارات ونصف مليار».


وأكد عبّود أن «هذه الخسارة تسبّب فيها السياسات المتّبعة من المسؤولين القيّمين على البلاد»، لافتاً إلى أن «وزارة السياحة عبر حملتها تُحاول تغيير الصورة فقط، فالمطار هو واجهة البلد، واستطاعت تحسين المشهد على امتداد الطريق منه باتجاه العاصمة بشكل عام من خلال إزالة الصور والشعارات واللافتات الحزبية التي كانت منتشرة على جوانبه، ليحلّ مكانها ما يوحي بالضيافة والسياحة بعد أن استجاب مختلف الأفرقاء لطلب لطالما تم رفع الصوت مراراً وتكراراً لتحقيقه، في ظاهرة تُبشّر بالخير حتى يتمكّن لبنان من استعادة وجهه الحضاري والسياحي والثقافي كنقطة وصل بين الشرق والغرب».