العالم العربي: كيف يمكن توظيف الدبلوماسية لخدمة التنمية؟

على غرار معظم دول العالم، تشهد البلدان العربية أيضا، وبوتيرة أسرع في حالات كثيرة، تطورات كمية وتحولات نوعية جوهرية عميقة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم تعد السياسات القديمة، وإجراءات الدعم المتنوع المصاحبة لها قادرة ليس فقط على مواجهتها، وإنما حتى على مواكبة سرعة تقلباتها.

وإزاء حدة المشاكل التي تناسلت وتكاثرت من جراء العجز عن مواجهة هذه التحولات كانت لدى عدة حكومات عربية الجرأة للاعتراف بمحدودية، بل وفشل التوجهات والسياسات التي كانت مطبقة من قبل إما بقرار سيادي ذاتي أو بتوصية وتعاون مع مؤسسات مالية دولية. وقد تجسد هذا الفشل في مجموعة معطيات أبرزها:

* تفاقم الفوارق المجالية بين المناطق والجهات، حيث باتت الثروة ومصادرها، وكثافة النشاط الاقتصادي تتمركز في جهات محددة ومحدودة مقابل تهميش باقي الجهات غير المحظوظة أو النائية، واستنزافها ماديا وبشريا.

* اتساع هوة الفوارق الاجتماعية ممثلا في تمدد دائرة الفقر التي غدت تضم شرائح كبيرة ممن كانوا يعتبرون من الطبقة المتوسطة لحساب أقلية صغيرة أصبحت تنعم بثراء فاحش مستفيدة معظمها من غنائم ريع السلطة.

ولم تقف بعض الحكومات عند الإقرار بالمحدودية والفشل، إذ وعيا منها بخطورة المشاكل والتهديدات التي تمثلها هذه الفوارق على السلم والأمن في المجتمع، انطلقت تفتش عن كيفية التعامل مع هذه المعطيات المستجدة الضاغطة عليها، فكان أن اهتدت إلى بلورة نماذج ورؤى اقتصادية وتنموية جديدة وشاملة ترقى معظمها إلى مخططات عملية للتنمية المتكاملة والمستدامة، تروم تحرير الطاقات واستعادة الثقة المفقودة، خاصة تلك التي تم رهن نجاحها بتحقيق أهداف معينة، وجرى تقييد تنفيذها بآجال محددة.

وبالاطلاع على الأهداف المرسومة في تلك الوثائق يتضح أنها طموحة للغاية، إذ تتمحور في مجملها حول السعي إلى إحداث القطيعة مع الاعتماد الكبير على عوائد تصدير المواد الأولية بمختلف أنواعها لصالح دعم القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية بغية تنويع مصادر الدخل، وتحقيق نوع من العدالة في توزيعه، ورفع نسبة النمو السنوية إلى مستويات من شأنها تأمين توفير عدد كافٍ من فرص الشغل لفائدة الشريحة الشابة، التي تمثل أغلبية سكان البلدان العربية.

إن الحرص على تأمين تنفيذ ناجح لمختلف البرامج الواردة في تلك السياسات التنموية الجديدة دفع الحكومات المعنية إلى اعتبارها ورشا وطنية وشأنا شعبيا ينبغي أن ينخرط الجميع في عملية إنجازه، وأن تعبأ له كل الطاقات البشرية والموارد المالية المتاحة، كما تجند له كافة مؤسسات الدولة الداخلية والخارجية لضمان نجاحه.  

ورغم أن عدة حكومات عربية لا تفتقر للإمكانيات المالية المطلوبة لتوفرها على صناديق استثمارية سيادية ضخمة، وتسهيلات ائتمانية يمكن الاستفادة منها سريعا إلا أنها بدت عازمة على إشراك العامل الخارجي في جهودها التنموية إما كممول أو كمستثمر أو كسوق للصادرات أو لاستقطاب السياحة. ولهذا لم يكن مستغربا التنصيص على دور الآليات الدبلوماسية العربية على اختلاف مستوياتها في المساعدة على جذب العامل الخارجي، وترويج ما تتضمنه رؤاها ونماذجها من مشاريع متنوعة، وما توفره من امتيازات وإغراءات.

ولا شك أن هذا الدور المطلوب من المؤسسات الدبلوماسية العربية يمثل تحديا جديدا وكبيرا لها، إذ ألفت هذه الدبلوماسية منذ استقلال بلدانها التعاطي بشكل شبه كامل مع ملفات القضايا السياسية الشائكة، التي أخذت الأسبقية في أجندات الدول العربية ونشاطها الدبلوماسي على غيرها من القضايا المرتبطة بالاقتصاد والتجارة، التي كان يفترض أن تحظى بالأولوية.

ويعود السبب في طغيان القضايا السياسية على الاهتمامات الدبلوماسية العربية إلى أن بعض تلك القضايا ارتدت وما تزال طابع قضايا مزمنة، مؤرقة ومصيرية لعدد من البلدان العربية أو لمستقبل المنطقة بأكملها مثل قضايا الاحتلال الأجنبي المتواصل لأراضي بعض الدول، والتهديد المستمر للوحدة الترابية لدول أخرى، ناهيك عن كثافة التدخلات الدولية والإقليمية وانتهاكاتها المستمرة لسيادة عدة بلدان، وهي تدخلات وصل بعضها إلى قلب أنظمة حكم، وفرض أخرى بديلة.

ومع ذلك فالملاحظ منذ نهاية تسعينات القرن الماضي تنامي الوعي بالدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه الدبلوماسية في السياسات الاقتصادية، والخطط التنموية للكثير من الدول العربية، التي أدرك بعضها مبكرا ليس فقط المزايا والفوائد الكامنة من وراء الانخراط في تيار العولمة، وموجة اتفاقيات التجارة الحرة، ولكن أيضا الانعكاسات السلبية لذلك الانخراط إذا لم يواكبه نشاط دبلوماسي ذكي، واع وفعال.  

وبطبيعة الحال، فإن آلة دبلوماسية مسايرة للتطورات والمستجدات السريعة التي تعرفها الساحة الدولية، ومتمكنة من ناصية العلم والمعرفة هي الأقدر على قيادة التفاوض بشكل بناء وإيجابي من أجل تسويق المشاريع واستقدام الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع مجال الأسواق الخارجية أمام منتجات بلادها؛ ناهيك عن قدرتها في إقناع الكفاءات والعقول المهاجرة بالعودة لبلدانها، وتسهيل إقامة الأدمغة الواعدة في الدول المتقدمة للتعلم وتطوير المهارات والمساهمة في نقل التكنولوجيا.

فهل وصلت بعض المؤسسات الدبلوماسية العربية لهذا المستوى؟

إن حجم التعاون الاقتصادي والاستثماري المتدني بين الدول العربية، وضآلة أرقام التجارة العربية البينية، والعراقيل الموضوعة في طريق تأسيس منطقة عربية حقيقية للتجارة الحرة، المكبلة اتفاقية إنشائها بآلاف الاستثناءات التي أفرغتها من محتواها، كلها دلالات على أن الدبلوماسية العربية لم ترق بعد لما هو مأمول منها.

وإذا أضفنا إلى ذلك كمية القيود السياسية والأمنية التي تحول دون تدفق سريع لرؤوس الأموال، وتنقل يسير لليد العاملة والسياحة، فمن المؤكد أن الطريق ما يزال طويلا أمام الدبلوماسية العربية التي لا تعوزها الكفاءات والإمكانيات، ولكن تنقصها الإرادة السياسية السيادية.