حواجز أمنية وشحنات أسلحة.. جديد الميليشيات الإيرانية على الأراضي السورية

الميليشيات قد تحاول التمدد عند أي هجوم جديد شمالي سوريا
خلال زيارة لمسؤول إيراني مقرات الميليشيات في دير الزور

القامشلي: منحت الحرب الروسية ـ الأوكرانية التي اندلعت قبل أكثر من أربعة أشهر، مساحةً أكبر للتدخل الإيراني في سوريا، مع انشغال موسكو بالحرب الأوكرانية وسحب بعض قواتها وكبار قادتها العسكريين من الأراضي السورية بعد تدخلٍ دامٍ لسنوات ومنعَ سقوط رئيس النظام السوري بشار الأسد بعد اندلاع الاحتجاجات التي طالبت برحيله في منتصف شهر مارس (آذار) من العام 2011، حيث تدخلت موسكو وطهران لاحقاً ووقفتا إلى جانب الأسد كداعمين أساسيين، لكن اليوم اختلف الوضع وباتت طهران تحاول استغلال الانشغال الروسي والتمدد أكثر داخل الأراضي السورية، فكيف يتم ذلك؟

في الوقت الحالي، ترفض القوات الإيرانية المتواجدة على الأراضي السورية والميليشيات المحلية التي تدعمها أن تتشارك السلطة في أماكن سيطرتها مع أي قواتٍ أخرى حتى لو كانت من جيش النظام السوري، ففي أرياف حمص، عمدت القوات الإيرانية وميليشياتها وحدهما إلى إطلاق حملةٍ أمنية تتم على نطاقٍ واسع بعدما نصبت حواجز تفتيشٍ إضافية لمراقبة حركة المارة والسيارات دون أن تكشف عن أسباب ذلك.
وذكرت مصادر محلية من بلدة القريتين الواقعة في ريف حمص لـ
«المجلة» أن «القوات الإيرانية وميليشياتها تتواجد على مداخل ومخارج البلدة بكثافة، حيث تفتش المارة وسياراتهم بشكلٍ دقيق منذ أيام كي تؤمن طرق إمداد الأسلحة لميليشياتها التي تتواجد في مناطقٍ سورية أخرى».

وإلى جانب بلدة القريتين، تمركزت الميليشيات المدعومة من طهران في مدينة تدمر الأثرية الواقعة أيضاً بريف حمص، فقد اتخذت من مبنى صوامع الحبوب الواقع شرقي المدينة على بعد 10 كيلومترات مقراً جديداً لعناصرها لاسيما وأن المبنى يقع على طريق تدمرـ دير الزور الدولي.


الميليشيات أكبر من الدولة

واعتبر وجدان عبد الرحمن المحلل السياسي والخبير في الشؤون الإيرانية أن «القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة من طهران تحظى بقوة أكبر من قوة الدولة وهو أمر لا يقتصر على سوريا وحدها وإنما يشمل العراق المجاور».

وقال عبد الرحمن لـ«المجلة»: «على سبيل المثال، شهد العراق انتخابات نيابية منذ حوالي عشرة أشهر، لكن حتى الوقت الحالي لم تتشكل الحكومة، ذلك أن الميليشيات الموالية لطهران على الأراضي العراقية لا تسمح لذلك، فهي تفرض نفسها بقوة السلاح وكذلك تستهدف قواعد لقواتٍ أميركية في إقليم كردستان كما في أربيل والسليمانية، إلى جانب العاصمة العراقية بغداد».

 

قوات من ميليشيا حزب الله في سوريا


رقابة لتعزيز أمن الميليشيات وشحنات الأسلحة

وأضاف: «بخصوص التفتيش الذي يحصل في أرياف حمص ومناطق سورية أخرى، فلا شك أنه يتم لتعزيز أمن التواجد الإيراني في هذه المناطق ولتوفير الأمن لشحنات الأسلحة لأنه تم استهدافها في السابق خلال مرورها في عدة طرق، ولذلك تدقق هذه الميليشيات على هوية المارة اليوم».

وتولت ميليشيا «فاطميون» الأفغانية المدعومة من إيران وكذلك ميليشيا حزب الله اللبناني، مهمة الرقابة على حواجزهما الأمنية في أرياف حمص، دون أن يكون هناك أي دور للعناصر المحلية الذين انضموا لميليشيات سورية مدعومة من طهران، بحسب ما كشفت مصادر عسكرية لـ«المجلة».

وبالتزامن مع تكثيف تلك الميليشيات لحواجزها في أرياف حمص، كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان عن قيام تلك الميليشيات باحتجاز ما لا يقل عن 30 من عناصرها المحليين الذين يحملون الجنسية السورية وذلك على خلفية رفضهم المشاركة في عملية تمشيط البادية السورية من عناصر تنظيم داعش.

لكن مصادرٍ محلية أخرى ذكرت لـ«المجلة» أن عدد العناصر المحليين الذين احتجزتهم الميليشيات الموالية لطهران بلغ 42 شخصاً على الأقل إثر رفضهم المشاركة في عملية عسكرية بالبادية السورية.


نظام الأسد فقد سيطرته على تلك المناطق

وتعمل الميليشيات الإيرانية على تمشيط بادية البوكمال ومنطقتين محيطتين بها من عناصر تنظيم داعش الذي عادةً ما يستهدف عناصر تلك الميليشيات ومجندين من جيش النظام السوري في تلك المناطق بشكلٍ متكرر.
ورأى عبد الرحمن في اعتقال الميليشيات الإيرانية للعشرات من عناصرها المحليين
«خطوةً تدل على فقدان نظام الأسد لسيطرته على تلك المناطق».


الأسد أوكل المهام العسكرية إلى الميليشيات الإيرانية

وقال أيضاً إن «الأسد أوكل المهام العسكرية في تلك المناطق لمجموعاتٍ تابعة للنظام الإيراني لاسيما وأن بقاءه على سدة الحكم حتى الآن تم بفضل القوات الإيرانية المتواجدة على الأراضي السورية إلى جانب الميليشيات المدعومة منها».

وأضاف أن «الدليل على قوة هذه الميليشيات تكمن في أنها تأسست من قبل قاسم سليماني قائد ما يسمى فيلق القدس الذي قُتِل قبل أكثر من عامين ونصف، فسليماني استطاع أن يجلب الأسد إلى إيران والجلوس معه بدلاً من وزير الخارجية حينها محمد جواد ظريف والذي استقال على أثر ذلك قبل أن يعود لمهامه مجدداً».

وإضافة لسيطرتها الأمنية التي فرضت بقوة السلاح، تمارس القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة منها، إجراء عمليات تغيير ديموغرافي في مناطق سيطرتها داخل الأراضي السورية، فقد عمدت على توطين عائلات مقاتليها في مناطق تقع في ريف محافظة حماة، وفق ما أفادت مصادر «المجلة» والمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبحسب المصادر، فقد عمدت ميليشيات «فاطميون» الأفغانية خلال الأيام الماضية إلى توطين بعض من عائلات مقاتليها في منازل تقع بقرى الشيخ هلال والرهجان والشاكوزيه في ريف حماة الشمالي الشرقي وهي قرى كان ينتمي أفرادها لعشيرة الموالي التي تركت تلك المنطقة بعدما عاودت تلك الميليشيات سيطرتها عليها إثر دعمها لعملية عسكرية شنها النظام السوري على تلك المناطق في وقتٍ سابق.

وسبق لميليشيا «فاطميون» الأفغانية أن وطنت عائلات مقاتليها بعدة مناطق جرى تهجير سكانها كمدينة تدمر وريفها ومناطق أخرى تقع بريف دير الزور وريف حلب الشرقي ومحيط منطقة السيدة زينب جنوبي العاصمة دمشق.

وقال الخبير في الشؤون الإيرانية في هذا الإطار إن «التغيير الديموغرافي يعد أمراً طبيعياً بالنسبة لسلطة احتلال تملك قوة وإمكانية تحاول من خلالهما تعويض النسبة السكانية لأننا نعرف أن أغلبية السكان السوريين هم من المكون السني، ولذلك يحاول النظام الإيراني في المناطق التي يسيطر عليها تغيير التركيبة السكانية وهو أيضاً ما حصل في أم الصخر في العراق حين طردت طهران أهاليها السنة وجلبت مكانهم مكونٍا آخر».

كما شدد على أنه «باعتقادي لا نظام الأسد ولا الحكومة العراقية تستطيعان تغيير هذه السياسة لاسيما أن الدول الغربية تبدو وكأنها توافق على هذه التدخلات الإيرانية رغم أنها تستطيع الحد من هذا التمدد».

وبالتزامن مع هذه التحركات، نقلت القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة منها، كمياتٍ كبيرة من الأسلحة والذخائر إلى مواقع محصنة ضمن أقبية تقع في منطقة سوق الهال القديم والذي يقع بالقرب من مطار المدينة العسكري.

وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن «عمليات تخزين الأسلحة ضمن مواقع محصنة تحت الأرض لا تتم فقط بمدينة تل تدمر، وإنما كذلك في مناطقٍ سورية أخرى تقع غربي نهر الفرات».

 

استهداف مواقع لميليشيات إيرانية في سوريا (رويترز)

 


نقل السلاح يتم لمزيد من السيطرة وخوفاً من الاستهداف الإسرائيلي

وقد حصلت «المجلة» على معلوماتٍ من مصادر خاصة تفيد بأن هذه الميليشيات تنقل كمياتٍ كبيرة من أسلحتها وسط سوريا إلى شمال البلاد لاستغلال أي هجومٍ تركي قد تشنه أنقرة ضد «قوات سوريا الديمقراطية» المعروفة اختصاراً بـ«قسد»، حيث وصلت شحنات الأسلحة إلى أرياف الرقة الجنوبية وذلك بالتزامن مع إعلان طهران هذا الأسبوع على عدم اعتراضها على هجومٍ تركي جديد قد يستهدف «قسد».

وقال عبد الرحمن، الخبير في الشؤون الإيرانية، في هذا الصدد، إن «إرسال السلاح أمر طبيعي، على اعتبار أن النظام الإيراني يريد حماية نظام الأسد والأخير بحاجة لهذه الميليشيات خاصة بعد الحرب الروسيةـ الأوكرانية وخروج بعض القوات الروسية من الأراضي السورية، ولذلك رأت طهران ضرورة ملء ذلك الفراغ الذي وجدت فيه فرصة لاحتلال المزيد من المناطق السورية التي كانت تخضع في السابق لسيطرة موسكو، وتوسيع نفوذها، وهو ما يتطلب المزيد من السلاح».

وأضاف: «من جهة ثانية، هددت إسرائيل وعلى لسان رئيس وزرائها نفتالي بينيت بأنها ستستهدف رأس الأخطبوط في طهران بدلاً من أذرعها في المنطقة، ونتيجة ذلك النظام الإيراني يحاول تقوية أذرعه في المنطقة ولذلك يرسل إليها السلاح».

وعلى الرغم من أن إيران دعت تركيا لإيقاف العملية العسكرية التي أطلقت عليها أنقرة اسم «نبع السلام» في الربع الأخير من العام 2019، إلا أن وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبد اللهيان عبر يوم الاثنين الماضي خلال مؤتمرٍ صحافي جمعه بنظيره التركي مولود جاويش أوغلو خلال زيارته لأنقرة عن «تفهم» بلاده لضرورة تنفيذ القوات التركية عملية ضد المقاتلين الأكراد في تحالف قوات سوريا الديمقراطية الذي يضم إلى جانب الأكراد، جماعاتٍ مسلحة عربية وأخرى سريانيةـ آشورية وأرمنية.

وقال عبد اللهيان حرفياً خلال مؤتمره الصحافي: «نتفهم جيدا مخاوف تركيا الأمنية»، مضيفاً: «نتفهم أن عملية خاصة (في سوريا) قد تكون ضرورية»، وذلك بعد نحو شهر من تهديدات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بإجراء عملياتٍ عسكرية جديدة شمالي سوريا، والتي كررها قبل أيامٍ أيضاً.

وتهدد تركيا منذ أكثر من شهر بشن هجومٍ جديد على مناطقٍ تخضع لسيطرة «قسد»، الأمر الذي تحاول الميليشيات المدعومة من إيران الاستفادة منه للسيطرة على مناطق جديدة بعدما عززت مواقعها في أرياف حلب القريبة من بلدة تل رفعت التي تقول أنقرة إنها من بين أول أهداف العملية العسكرية المرتقبة.

كذلك نقلت تلك الميليشيات شحناتٍ من الأسلحة والذخائر، علاوة على المقاتلين إلى مناطق تقع في ريف دير الزور على مقربة من أماكن تمركز قوات سوريا الديمقراطية، وهو ما يعني أن أي هجومٍ تركي قد يتزامن مع تمددٍ إيراني إضافي.

 

 


مقالات ذات صلة