لبيك اللهم لبيك

يهل علينا عيد الأضحى المبارك أعاده الله على الأمة الإسلامية والعربية باليمن والبركات وهو عيد الفداء وهو التجسيد الحي لرسالة الإسلام منذ خلق الله الأرض وخلق آدم ليعمرها وليذكر فيها اسمه. ورسالة الإسلام هي رسالة كل الرسل والأنبياء وإن اختلفت الأمكنة والأزمنة واللغة لأن الاختلاف هو السنة الكونية الخالدة لذا فقد أخبرنا الله عز وجل في محكم آياته أننا خُلقنا لنتعارف وهو الأصل في الحياة، أما الحروب والمشاحنات والعداء والبغضاء بين بني آدم فهي من صنع البشر نتيجة للأحقاد والأطماع، لكن القاعدة أننا نعيش في وئام وأن نسلم وجهنا لله رب العالمين. فلم يكن غريبا أن يسمينا الله على لسان سيدنا إبراهيم بالمسلمين ولم تكن الرسالات الثلاث من التوراة والإنجيل والقرآن إلا تجسيدا لهذا المعنى في التسليم لرب العالمين الواحد الفرد الصمد وأن لا نشرك في عبادته أحدا وأن نتبنى عقيدة تنزيه الخالق وأن نعبده مخلصين له الدين ولو كره الكافرون. ويقينا لم تكن سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام مجرد أحاديث للتسلية أو سالفة، ولكنها عبرة لمن يعتبر، ولم تكن حديثا يفترى؛ فخليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام خصه الله بلقب الخليل لأنه صدق العزم فلم يلن ولم يداهن في الصدع بالحق مهما كان الثمن. وقد ابتلاه ربه بأعظم الابتلاءات فصبر واحتسب وداوم على إيصال رسالة الله وتعددت ابتلاءاته في الزمان والمكان والعقيدة. ففي العقيدة ابتلاه ربه بالشمس والكواكب حتى وصل إلى ما يشبه اليأس، فصرخ في البرية بأنه لن يهتدي إلا بالذهاب إلى ربه ليهديه بعدما أفلت الشمس والنجوم والكواكب بأمر من بيده ملكوت كل شيء. وابتلاه بالنار فلم تحرقه وكانت بردا وسلاما رغم أنها كانت مشتعلة شديدة الأوار وكان الله عز وجل قادرا على أن يخمد هذه النيران ولكن اقتضى البلاء بأن يُرمى إبراهيم عليه السلام في هذا الأتون فلم يتزعزع عن عقيدته فجعلها الله بردا وسلاما ويقيناً لعزيمته وإيمانا بلا حدود بخالق النار. وابتلى الله إبراهيم بالهجرة من موطنه أور إلى حاران، ومن حاران إلى الشام، ثم مصر ومنها إلى أرض الكنعانيين، ثم جنوبا إلى الحجاز، ليكون ابتلاؤه الأكبر ترك وحيده سيدنا إسماعيل عليه السلام الذي رزق به بعد أن أصبح شيخا عجوزا تعاني زوجته السيدة سارة من العقم ليأتي بإسماعيل عليه السلام من جارية السيدة سارة التي أحضرتها من مصر، فكانت تضحية عظيمة من السيدة سارة، لتأتي بالذرية التي ترث النبوة والإسلام الحنيف من أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم. ويُبتلى سيدنا إبراهيم بترك إسماعيل والسيدة هاجر في البرية المجدبة التي لا يعيش فيها زرع ولا ضرع، فكانت تضحية ليس لها مثيل من السيدة هاجر وإيمانا عميقا بحكمة الله وأنه لن يضيعها هى وابنها الرضيع فطالما أكد لها زوجها أبو الأنبياء بأن هذا أمر الله، فكان ردها الخالد بأن الله لن يضيعها قمة الإيمان، وبالفعل تنفجر مياه زمزم لتجذب الطيور والقوافل، وعندئذ تقوم قبيلة جرهم بالاستئذان من السيدة هاجر في النزول جوارها وتتبعها قبيلة العماليق ويتم إعمار الأرض المجدبة لتصبح جغرافيا ذات موقع استراتيجي لطريق القوافل.

 

وابتلى الله إبراهيم مرة أخرى برفع القواعد من البيت الحرام فيدعو ربه: (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم). ثم يأتي البلاء الأعظم حينما أمره ربه بذبح ابنه فصدع للأمر وعندما جاءه الشيطان ردعه بالجمرات فكانت تضحية في سلسلة طويلة من تضحيات خليل الرحمن الذي أرسل له ربه كبشا عظيما فداء لإسماعيل الصادق الوعد، وليكون نبيا لأمة المسلمين ليتجسد معنى التضحية، فليست اللحوم والدماء هى التي يتطلع لها الله عز وجل من عباده، ولكن يناله منها التقوى، وهو المعنى الأشمل والأعم للأضحية وليعلن سيدنا إبراهيم أن صلاته ونسكه خالصة لله ويحيي المسلمون سنة أبيهم إبراهيم عليه السلام.

وعندما طال العمر بأحفاد إسماعيل ضلوا الطريق، فأحضر عمرو بن لحي الأصنام للكعبة، وأمر الناس بعبادتها لتقربهم زلفى إلى الله، ومع ذلك ظل الحج شعيرة يتناقلها أبناء إسماعيل عليه السلام من جيل إلى آخر، ويعلو شأن قريش، وخاصة بنو عبد مناف الذين اجتمعت لهم الرفادة والحجابة والسقاية واللواء وملكية دار الندوة، فلا غرو أن تُبذر بذور العداوة بين بني هاشم وبني عبد شمس، وهذا هو جوهر الفتنة الكبرى، التي تركت في الأمة جرحا لا يندمل على هيئة سنة وشيعة وخلفية سياسية مع توابل فلسفية.

وتتوالى السنون ويظل معنى التضحية الذى جسده سيدنا إبراهيم في كل شيء وقيمة تُجبر الجميع على إنكار الذات والتسليم بأمر الله الذي أرسل لنا سيدنا إبراهيم وتبعه بالرسل ليتحقق دين الله، فهو المنقذ والمغيث الذي يروي شجرة العدل على مر العصور. ولقد حاولت الفلسفة أن تقوم بهذا الدور في بعض الأحيان فأقامت مدناً فاضلة في عقول الفلاسفة ورسمت سبلا للعدالة في خيالاتهم. فلما جاء بعض المؤمنين بهذه الأراء الفلسفية البراقة من ذوي القوة والنفوذ وطبقوا على الناس مذاهب الفلاسفة نشروا الظلم والفساد باسم العدالة والتقوى والحق. ولقد نجح الدين في إسعاد الناس بينما أخفقت الفلسفة لأن الدين هو من عند الله الذي سوى النفوس. أما الفلسفة فهي ثمرة عقول أصحابها ذوى العقول المتقلبة وبالطبع لا يفهمون إلا القيم المادية ولا يستطيعون فهم حنيفية سيدنا إبراهيم عليه السلام ولا عقيدة الفداء ولا عقيدة التضحية التى يحييها المسلمون كل عام تخليداً لسنة أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم مصدر الديانات الإبراهمية كلها، وتظل أسماء مكة دائماً مشبعة بـ«لبيك اللهم لبيك».