«آفاتار» الجديد... صار جاهزاً

المخرج كاميرون يسخّن الجو تمهيداً لنجاح عملاق آخر
جيمس كاميرون.

هوليوود: مرت 13 سنة منذ أن عرض المخرج جيمس كاميرون فيلمه الرائع «آفاتار» سنة 2009. حينها كان المخرج قد انتقل من مرحلة أفلام الأكشن إلى مستوى إنتاجي ودرامي جديد عليه عندما أخرج «تايتانك» سنة 1997.


«تايتانك» الفيلم كان بحجم «تايتانك» الباخرة لكن في حين غرقت الباخرة نتيجة اصطدامها بجبل ثلجي، خرج الفيلم سليماً مُعافى من مغامرة مادية حرجة إذ بلغت تكلفته حينها 200 مليون دولار. كان يمكن أن يغرق الفيلم في بحر من الفشل، لكنه نجا وأنجز مليارين و220 مليون دولار من عروضه العالمية.


مغامرة كاميرون التالية كانت أكبر: أكشن ومغامرات تقع فوق كوكب لم ير الجمهور مثيلاً له في فكرته وتصميمه وتنفيذه. الفيلم هو «آڤاتار» الذي بلغت ميزانيّته 237 مليون دولار وبلغت إيراداته العالمية رقما لم يتحقق لأي فيلم من قبل وهو مليارين و847 مليونا و379 ألفا و339 دولارا.

 زو سالدانا كما تبدو في «آفاتار: طريق الماء»

قدامى وجدد
اليوم، جيمس كاميرون أمام تحد جديد. جزء ثان من «آڤاتار» لم يُعلن بعد عن ميزانيّته لكن العمل كان قد بدأ العمل عليه سنة 2011 عندما وضع المخرج الفكرة وأخذ يعالجها كسيناريو سنة 2013. في العام التالي بدأ العمل المسبق للتصوير في شهر أبريل (نيسان) وهذا التجهيز تطلّب ثلاث سنوات من الاستعدادات الفنية والتقنية وتصاميم العمل الإنتاجية حتى إذا اكتملت العناصر العديدة باشر المخرج التصوير في الخامس والعشرين من شهر سبتمبر (أيلول) سنة 2017.


التحدي الجديد لم يكن في الإنجاز فقط، بل هو فعل مستمر، حتى طرح الفيلم على شاشات السينما في الرابع عشر من يناير (كانون الأول) 2022. يحمل الفيلم عنواناً أكبر من سابقه هو «آڤاتار: طريق الماء»، لكن العديدين ممن ظهروا في ذلك الجزء الأول يعاودون الظهور في الجزء الثاني (والجزء الثالث أيضاً) ومنهم سيغورني ويڤر، وزووي سالدانا، وسام وورثينغتوون، وجيوفاني ريبيسي، وستيفن لانغ. في المقابل ضم الجزء الجديد بضعة ممثلين لم يشتركوا سابقاً، ومن بينهم كايت ونسلت وميشيل يوه، وأونا تشابلن.

سام وورثنغتون على جناحي طائر


يحكي الجزء الجديد عن عائلة الآدمي صولي (وورثينغتون) الذي كان وقع في حب مخلوقة الفضاء نايتيري  (سالدانا) حين تعارفا في الجزء السابق. الآن هما زوجان ولديهما أطفال ويعيشان سعيدين إلى أن يكتشفا أن أهل الأرض عادوا للتوسّع في السيطرة واحتلال أراضٍ جديدة فوق ذلك الكوكب الجميل. الوجهة الوحيدة أمام العائلة هي الهرب صوب منابع ماء تلتقي عندها بآخرين من سكان الكوكب الذين سيتدارسون كيفية مواجهة أهل الأرض.

تحت الماء
قبل شهرين وجّه كاميرون رسالة من خلال مؤتمر سينما كون الذي تعقده شركات صالات السينما في لاس فيغاس عارضاً مقتطفات من الفيلم الجديد. قال في رسالته: «يأتي هذا الفيلم بعد عامين على موعده السابق بسبب وباء كوفيد-19 الذي منعنا من العمل أشهرا كثيرة. لكنه يأتي أيضاً لكي يُثير الانتباه إلى أننا، هنا في السينما الأميركية، بحاجة إلى أفلام خيالية ضخمة. أفلام تحقق مليارات الدولارات وتعرض على شاشات كبيرة من دون حدود زمنية يلزمها بالتوقف للتوجه إلى المنصّات الخاصة».


ذكر كذلك أن الجزء الثاني سيطرح مشكلة التلوّث البيئي: «في الفيلم سنجد أن الآدميين ما زالوا غير مكترثين لما سيحل بالعالم حال تلوّث بيئته. سيمارسون فوق الكوكب البعيد ما مارسوه هنا على الأرض». وعندما سأله البعض، عما إذا كان سيقوم بتحقيق فيلم آخر تحت الماء (على غرارTheAbyss  سنة 1989 وDeep Sea Challane  سنة 2014، قال: «لم يعد لدي الوقت لتحقيق أفلام تحت الماء، لذلك قمت بجلب الماء إلى (آڤاتار-2). صنعنا مسبحاً عميقاً وكبيراً يعكس عمق وحجم المحيط وصوّرنا فيه أحداثاً كثيرة. العنوان بدوره يحمل كلمة ماء لأنه كل شيء في هذه الحياة».


في هذا الخصوص تكشف الأنباء الواردة من مكاتب الإنتاج (الفيلم من تمويل «تونتييث سنتشري فوكس» وتوزيع «ديزني ستديوز» التي كانت قد اشترت «فوكس» في صفقة بمليارات الدولارات قبل سنتين تقريباً) تكشف أن العديد من المشاهد التي تم تصويرها في ذلك الحوض الشاسع لم تفز برضا المخرج مما استوجب إعادة تصميم الحوض وإعادة استخدام الكمبيوتر غرافيكس للإيهام بأن وورنثينغتون وكايت ونسلت والآخرين يسبحون بلا أدوات تنفس ولمدد طويلة.


التجارب لم تكن ناجحة وكاميرون أمر بإلغاء كل الترتيبات السابقة والعدول عن استخدام التكنولوجيا بنسبة كبيرة لصالح التصوير الحي. تفسيره لذلك أن المشاهد التي تم تصويرها باستخدام مناهج الكمبيوتر غرافيكس بدت له مصطنعة. بعد مشاهدتها قال للموجودين الذين كانوا بانتظار رأيه: «لن تنجح.. لا تبدو حقيقية». وهو ما دفعه لمطالبة الممثلين بالغوص في الماء فعلياً ومن دون كمامات تنفس أو تدخل من مؤثرات خاصّة.
النتيجة كانت مرضية، وكاميرون- في لقائه في مؤتمر لاس فيغاس- ذكر أن سيغورني ويڤر استطاعت البقاء تحت الماء لست دقائق (رقم ممتاز لممثلة تجاوزت السبعين). كايت وينسلت (46 سنة)  بقيت تحت الماء لأكثر من 7 دقائق. دعوني أقول لكم، لا شيء أفضل من التصوير الحي تحت الماء.
ما سبق ليس سوى جزء محدود مما يتوقع المرء مشاهدته على الشاشة. لم يتفاوض كاميرون مطلقاً بشأن متطلباته والكيفية التي يريد تحقيق كل مشهد عبرها مهما كانت غرابته. لم يتراجع عن قرار إلا بناءً على تجربة لم تفز برضاه ولم يذعن لكلمة «مستحيل» في الوقت ذاته.

حكاية أرض
هذا المبدأ هو الذي ساد «آڤاتار» الأول قبل 13 سنة، خصوصاً وأن هذا الفيلم السابق سيهبط صالات السينما مجدداً قبل نحو شهر من عرض «آفاتار: طريق الماء» وذلك من باب التمهيد وتسخين الأجواء.


طرح الجزء الأول رؤى لم يسبق لفيلم آخر أن طرحها. صوّر عالماً لم تعرضه شاشات السينما من قبل وأنجز نجاحاً كبيراً في كل خاناته من الدراما إلى الشخصيات ومن التقنيات الجديدة إلى التصاميم البديعة التي لم يكن لعالم آڤاتار أي قيمة لولاها.

لقطة من «آڤاتار: طريق الماء»


لاستعادة الذكرى بذلك الفيلم لا بد من الإشارة إلى أن أحداثه تقع في العام 2145 على سطح كوكب اسمه باندورا. في مطلع الفيلم نتعرّف على قاعدة عمليات أرضية علمية/ عسكرية مشتركة. هناك يتبرّع الجندي الأميركي جايك سولي (سام وورثنغتون) بأخذ مكان شقيقه التوأم الذي قضى خلال عملية أجريت له لتحويل شكله الآدمي إلى  الشكل الخاص بالمواطنين الأصليين للكوكب.

سيغورني ويڤر كما ظهرت في الجزء الأول


جايك، مشلول لا يستطيع المشيء، لكن ذلك لا يمنع من تجنيده وتحويله إلى شبيه بمخلوقات الكوكب المسمّاة بنافاي وذلك في محاولة النفاذ إلى خطط ذلك الشعب وإقناعه بالنزوح سلمياً عن أرضه ذات الثروة الهائلة التي يريد الآدميون استخراجها. عند الانتقال، يستطيع جايك أن يستخدم كل قدراته البدنية من دون أي معوقات لكنه يعود إلى طبيعته السابقة مقعداً حال تجلبه القاعدة إليها بين كل مهمّة وأخرى. المشكلة التي تواجه الآدميين (مُمثّلين بأميركيين فقط) هي أن شعب نافاي لا ينوي التخلّي عن أرضه وهذا ما يقلق رئيس العملية باركر (جيوفاني ريبيسي) وقائده العسكري نورم (ستيفن لانغ) الأكثر استعداداً للجوء إلى حل عسكري إذا ما فشلت التجربة السلمية.


حين يتعرّف جايك إلى الأميرة نايتيري (سالدانا) يستمر في تجسسه على شعبها. هي ابنة رئيس القبيلة الذي لا يثق به. ينقل جايك ما يلحظه ويعايشه إلى القاعدة الأميركية. على أن تحوّلات فعلية تبدأ بالحدوث معه عندما يبدأ بفهم حقيقة موقف مواطني الكوكب وحقيقة ما يحضّره أشرار الأرض من أذى.


التي تنقذه وتعرّفه إلى والدها وشقيقها اللذين لا يثقان به. وفي البداية، يقوم جايك بالمطلوب منه على خير وجه ناقلاً إلى القاعدة الأسرار ونوعية الحياة والشخصيات التي يتعامل معها. لكنه بالتدريج يبدأ بتفهم موقف مواطني الكوكب والانحياز لهم. هذا الفهم، بالإضافة إلى شعوره العاطفي الكبير حيال نايتيري وأهلها وربما حياة الكوكب البيئية النقية يؤهله ليصبح خير مدافع عن حقوق ذلك الشعب.


في هذا النطاق تستطيع أن تقارنه بالكابتن سميث (كولن فارل) في فيلم ترنس مالك «عالم جديد» و(على الأخص) مقارنة نايتيري ببوكاهونتاس كما لعبتها الهندية الأصل كوريانكا كليسر في ذات الفيلم. حينما يتقبّل جايك هذا التغيير الطارئ في حياته الذي يدفعه للوقوف مع الشعب المنوي اقتلاعه من أرضه، تستطيع مقارنته بالضابط دنبار  في «رقص مع الذئاب»، ثم لاحقاً، وفي حمى المعركة الكبيرة قبيل نهاية الفيلم يمكن رسم خط مشترك بين رئيس القوّة العسكرية في هذا الفيلم التي يمثّلها الكولونيل مايلز (لانغ) وبين دور جورج أرمسترونغ كاستر، كما أدّاه روبرت شو في فيلم روبرت سيودماك «كاستر الغرب» (1967).


سحب كاميرون من ماضي العلاقة بين الأميركي الأبيض والمستوطنين الأميركيين الأصليين حكايات فيلمه السابق والحكايات التي ستليه.
المشترك بين هذه الأفلام الثلاثة السابقة هي أنها جميعاً من «الويسترن» وكلها لا تطرح مستقبل الإنسان بمعزل عن ماضيه. لكن إذ ينطلق كاميرون في استلهام هذا الماضي، فإن قوّة فيلمه ذاك، تمثّلت  في تكنولوجياً مؤلّفة من إنجازات مبدعة في مختلف الميادين: من التصوير بالأبعاد الثلاثة إلى الأنيميشن غرافيكس، إلى تصاميم المخلوقات نصف الآدمية والوحش ودقّة حركاتها التفصيلية كما العامّة، ومن تصاميم ورسم عالم جديد كليّاً تختلف مياهه وأشجاره وصخوره عن توقّعاتنا، إلى كل ما يدخل ضمن تركيبة الكمبيوتر غرافيكس وصولاً إلى عدم تناسي تفاصيل مثل حركة أذن أو ذنب أو رمشة عين.


إلى جانب أن إعادة عرض «آفاتار» القديم قبل البدء بعرض الجزء الثاني يهدف إلى نوع من تحريك الساكن، هي بالطبع مناسبة لضخ بضع مئات الملايين الأخرى فوق ما أنجزه ذلك الفيلم سابقاً. طبعاً، المعلن هو أنها فرصة لاستعادة الجمهور بعض ذكرياته عن أحداث وشخصيات ذلك الفيلم. في كل الأحوال، هي عملية تسخين لإطلالة عملاقة من الخيال والمضامين وسحر السينما.