الناتو واستراتيجيته الجديدة... تحولات جوهرية أم مناورات سياسية؟

تحول روسيا من شريك للحلف إلى أكبر تهديد له
صورة جماعية لقادة الدول الأعضاء في حلف الناتو خلال القمة (رويترز)

باكو: في اجتماع مهم في دلالته وخطير في توقيته، عقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) اجتماعه في العاصمة الإسبانية مدريد في الثالث من يوليو (تموز) الحالي، وذلك في أعقاب اجتماع لمجموعة السبع الصناعية الكبرى، ليحمل توالي الاجتماعين دلالة مهمة بشأن مساعي الولايات المتحدة وحلفائها سواء من الأوروبيين أو غيرهم، بشأن محاولة منع التحولات التي تُنذر بها الأحداث العالمية والإقليمية والتي من شأنها زعزعة القيادة الأميركية وتفردها بقيادة النظام العالمي الذى تربعت على عرشه منذ أوائل تسعينات القرن المنصرم في أعقاب تفكك المنظومة الاشتراكية وحل حلف وارسو المناهض لحلف الناتو. وإذا كان صحيحًا أن تلك المساعي والجهود الأميركية- الغربية قد تجد لها صدى في بعض الملفات الدولية التي تُركت على مدار العقد الماضي على غرار ملف الشرق الأوسط، إلا أنه من الصحيح كذلك أن ضمان نجاح هذه المساعي والجهود يظل رهنًا بأمرين مهمين: الأول، مدى توافق الرؤى الأميركية الغربية حيال القضايا والأزمات الدولية والإقليمية. الثاني، مدى قدرة الطرف الأميركي والأطراف الغربية على تحمل التأثيرات التي أوجدتها الأزمة الروسية الأوكرانية؛ سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.


في ضوء ما سبق، تأتي القراءة الدقيقة لمخرجات قمة الناتو الأخيرة التي شهدت للمرة الأولى منذ عام 2010 صياغة مفهوم استراتيجي جديد حمل في مضماره توجهًا محددًا حيال القضايا والتحديات التي تواجه دوله، إذ يقصد بالمفهوم الاستراتيجي للحلف رؤية طويلة المدى- 10 سنوات فأكثر- تمنح المنظمة إحساسًا بالاتجاه لأمنها المستقبلي ككل، وقد عبر عن هذا المفهوم ما ورد في البيان الختامي للقمة 2022، وما ادلى به مسؤولو الحلف من تصريحات، وما عرضته الدول الأعضاء من رؤى، وهو ما يستعرضه التقرير من خلال محورين على النحو الآتي:

حلف الناتو في بيئة مغايرة
قبل ما يزيد على ثلاث وسبعين عامًا كانت بدايات تأسيس حلف شمال الأطلسي وتحديدًا في 4 أبريل (نيسان) 1949، حينها مثّل التأسيس بدء مرحلة جديدة من تاريخ الأمن الأوروبي في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية ومسؤولية الولايات المتحدة عن ضمان هذا الأمن في مواجهة التحديات التي مثلتها روسيا حينذاك حينما شهد العالم انقسامًا بين المنتصرين، إذ شكلت روسيا وحلفاؤها حلفًا موازيًا أُطلق عليه حلف وارسو في 14 مايو (أيار) 1955، لنصبح إزاء حلفين متنافسين يسعى كل منهما لتحقيق أمن أعضائه، ومواجهة الأخطار والتهديدات التي تأتي من الطرف الآخر، وكانت تلك هي البيئة التي نشأ فيها حلف الناتو، والتي شهدت تغيرًا كبيرًا مع تفكك حلف وارسو وانهيار المنظومة الاشتراكية، ليصبح حلف الناتو مطالبًا بتغيير رؤيته واستراتيجيته من خلال إعادة ترتيب مسارات عمله، سواء من حيث هيكل عضويته بضم دول جدد ممن كانوا يدورون في الفلك السوفياتي فانضمت عديد الدول في شرق أوروبا، أو من حيث أولوياته واهتماماته لتبرز قضايا أخرى ذات سمة عالمية مثل مواجهة الإرهاب والتطرف والتغير المناخي والأمن الغذائي وأمن الطاقة، بل كانت استراتيجيته التي صاغها عام 2010 تتمحور حول هذه القضايا ذات الطابع الدولي.

قادة حلف الناتو خلال اجتماعات اليوم الثاني للقمة


ولكن، جاءت الأزمة الروسية الأوكرانية لتفرض على الحلف إعادة صياغة استراتيجيته في ضوء حزمة من التغيرات التي شهدتها البيئة الدولية والإقليمية، إذ أضحى الحلف يعمل في بيئة مغايرة حملت إلى جانب تحدياتها الماثلة والمستمرة على غرار مواجهة التطرف والإرهاب، والتغير المناخي، تحديات أخرى مستجدة أضافت أعباء جديدة على قيادة الحلف، لتصبح البيئة التي يعمل فيها الحلف اليوم بيئة تجمع بين بعض سمات البيئة التي تزامنت مع نشأته والمتمثلة في حالة الانقسام العالمي، وبين بعض سمات البيئة التي واجهها حينما أصبح حلفًا منفردًا في إدارة شؤون الأمن الغربي بصفة عامة بل وتدخل في أمن عديد المناطق الأخرى مثل الحالة الليبية عام 2011. وعليه، يمكن أن نرصد أبرز سمات البيئة التي يعمل فيها الحلف اليوم فيما يأتي:
الانقسام بين أعضائه بشأن عديد القضايا، من ذلك على سبيل المثال الخلافات التي تنشأ بين أعضائه، ليس فقط بسبب تباين المواقف حيال التعامل العسكري مع روسيا وحجم وطبيعة الدعم لأوكرانيا، لكن أيضًا هناك خلافات تتعلق بالنزاع اليوناني- التركي حول جزر الحوض الشرقي لبحر إيجة، وإعلان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وقف جميع الاتصالات مع أثينا، التي استمرت نحو 20 عامًا وجرت خلالها نحو 70 جولة من المحادثات الاستكشافية، كما يواجه الحلف مشكلة رفض تركيا- التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو- انضمام السويد وفنلندا للناتو بسبب الاتهامات التركية للبلدين باستضافة عناصر داعمة لحزب العمال الكردستاني، وكذا رفض البلدين توريد السلاح لتركيا منذ عام 2019 عندما بدأت العملية التركية شمال شرقي سوريا، وإن كانت القمة الأخيرة شهدت بداية حلحلة لهذه الأزمة الأخيرة.

الناتو كثف وجوده العسكري في أوروبا الشرقية (غيتي)


تنوع التهديدات التي يواجهها الحلف في بيئات عمله المختلفة، ما بين تهديدات جيوبوليتكية وأخرى جيوسياسية وثالثة جيواستراتيجية. إذ يعمل الحلف في بيئة معقدة متشابكة ومتداخلة من الحروب والصراعات بعضها دولي وبعضها داخلي، إلى جانب أزمات سياسية وأمنية عديدة بعضها يعاني منها أعضاؤه وبعضها تعاني منها دول تؤثر في أمن أعضائه مباشرة، فضلًا عن أزمات اقتصادية عديدة ناجمة عن تعطل سلاسل الإمداد التي لم تستطع أن تخرج من تأثيرات جائحة كوفيد-19 لتدخل في أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، وقد أفرز هذا التعطل عديد الأزمات، منها ما يتعلق بأزمة الغذاء وأخرى تتعلق بأزمة الطاقة وإمداداتها، وثالثة تتعلق بأزمة التغيرات المناخية وتصاعد مخاطرها. الأمر الذي وضع الحلف في مواجهة واقع مغاير كلية لما كانت عليه الأوضاع عند تأسيسه أو حتى طوال مراحل حياته الممتدة على مدار السبعين عامًا الماضية.  


بروز فواعل دولية وإقليمية جديدة ليست منطوية تحت لواء الحلف أو في شراكة مع أجندته، وتلعب هذه الفواعل دورًا مهمًا؛ سواء في تحريك الأحداث الدولية أو التأثير على الأزمات الإقليمية بما يتعارض مع سياسات الحلف ومصالح أعضائه، وهو ما أدى إلى إخفاق الحلف، فيما تدخل فيه من أزمات كما حدث في الأزمة الليبية سابقًا وشهدته الأزمة الأفغانية مؤخرًا. فضلًا عن ضعف مواقف الحلف كذلك حيال التهديدات الأمنية الجديدة على غرار الأمن السيبرانى، وأمن الفضاء، والاستخدامات التكنولوجية من جانب التنظيمات الإرهابية.


بروز تنظيمات إقليمية عديدة برئاسة الولايات المتحدة الأميركية التي تتولى قيادة حلف الناتو، مع دول ليست أعضاء في الحلف، على غرار التحالف الرباعي (الكواد) الذي يضم كلا من الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا، والثلاثي (إيكوس) الذي يضم كلا من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا. إذ من شأن مثل هذه التحالفات التي تقودها الولايات المتحدة أن تضع حدًا لتحركات حلف الناتو ورؤيته في كيفية التعامل مع جديد القضايا العالمية، خاصة وأن هذه التحالفات تسعى في جوهر عملها لمحاصرة الصين ومواجهة تمدد نفوذها. صحيح أن بعض قادة هذه الدول (اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا) قد حضرت القمة الأخيرة للحلف، بما يبعث برسالة قوية بأن اهتمام الحلف يتعدى المحيط الأطلسي إلى المحيطين الهندي والهادي، إلا أنه من الصحيح أيضا أن هذا الاهتمام يحتاج إلى قدرات إضافية لا يستطيع الحلف أن يوفيها في ضوء قدرات أعضائه الراهنة وحجم التحديات التي يواجهها.

حلف الناتو ومنظور جديد للتهديدات
مع موافقة قمة حلف الناتو على المفهوم الاستراتيجي لعام 2022، وهو المفهوم الذى يعني المنظور المحدد لأهم المتطلبات والتحديات للعقد المقبل، من خلال النظر إلى عديد الملفات التي تمثل تهديدًا لأمن الحلف وأعضائه وكيفية مواجهتها، وهو ما يمكن رصده من خلال النقاط الآتية:
روسيا من الشراكة إلى التهديد، إذ لم تعد روسيا شريكًا استراتيجيًا للناتو كما كانت بموجب الاستراتيجية التي وضعها الحلف عام 1999، وأطلق عليها حينذاك «الناتو وروسيا»، والتي شهدت تطورًا في ذات المسار في استراتيجيته عام 2010، عندما اتفق القادة على آخر وثيقة رئيسية تحدد رؤية الحلف، حيث كانوا يهدفون إلى بناء شراكة طويلة الأمد مع خصمهم القديم في الحرب الباردة، وقد حضر إطلاق هذه الاستراتيجية الرئيس الروسي آنذاك ديمتري ميدفيديف، حيث شارك في قمة لشبونة، واتفق الجانبان على ذلك. إلا أن ما جاءت به الاستراتيجية الجديدة للحلف هذا العام هو تبني مفهوم استراتيجي جديد، بنهج متشدد تجاه روسيا ردًا على العملية العسكرية في أوكرانيا، حيث اعتبر أن روسيا «هي التهديد الأكثر أهمية والمباشر لأمن الحلفاء».


توسيع مفهوم الردع الاستراتيجي، تعمل الاستراتيجية الجديدة على إعادة ضبط استراتيجية الردع حتى يكون الحلف أكثر مرونة وتكيفًا في عالم أكثر خطورة، وفق ما اعلنته وزارة الخارجية الإسبانية، وأن نجاح الناتو يعتمد على قدرته على التغيير في عالم متغير، من خلال تعزيز الموقف العسكري للحلف ضد روسيا، بحسب بيان صادر عن الناتو. ويذكر أن الحلف كان قد قرر في 23 مارس (آذار) الماضي نشر 4 مجموعات قتالية في بلغاريا ورومانيا وسلوفاكيا والمجر، لتضاف إلى 4 مجموعات قتالية أخرى جرى نشرها منذ عام 2017 في دول بحر البلطيق الثلاث ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا، كما زاد من عدد القوات الأميركية في أوروبا إلى نحو 100 ألف جندي، وفق نائبة وزير الدفاع الأميركية، كاثلين هيكس. وفي إطار دعم سياسة الردع، تجاوزت دول الحلف نسبة 2 في المائة من الناتج القومي للإنفاق على الدفاع، وهو الهدف الذي اتفق عليه الحلف في قمة ويلز عام 2014، وأصبح الإنفاق الألماني العسكري نموذجًا في الطفرة على الإنفاق العسكري بعد موافقة الحكومة الألمانية على إنفاق 100 مليار دولار لتحديث الجيش، كما ستزيد هولندا ميزانيتها الدفاعية بنحو 5 مليارات يورو، بينما أعلنت الدنمارك زيادة المخصصات المالية للشؤون الدفاعية بنحو مليار يورو، وبدأت غالبية الجيوش الأوروبية التعاقد على الأسلحة الجديدة، منها تعاقد ألمانيا على شراء 35 طائرة إف-35 من شركة لوكهيد مارتن الأميركية، و25 طائرة من طراز يورو فايتر، بحسب وزيرة الدفاع الألمانية كريستينه لامبريشت التي قالت إن التدريب المستمر ونشر الجنود وشراء العتاد الحديث، هي ثلاثية الناتو لردع الأخطار.

راجمة صواريخ روسية تقصف مواقع القوات الأوكرانية في دونيتسك (غيتي)


سياسة الباب المفتوح ومعوقات الاستمرار، إذ كانت استراتيجية الناتو منذ تقاربه مع روسيا قد منحت للحلف فرصة للتمدد في الفضاء السوفياتي السابق رغم معارضة موسكو لهذه السياسة انطلاقًا من الاتفاقات المبرمة بين الطرفين في أوائل التسعينات كما سبقت الإشارة، إلا أن الناتو استغل الأوضاع السياسية الروسية داخليًا وخارجيًا، وأسرع بضم عدد من تلك الدول كان من بينها؛ المجر وبولندا والتشيك. واليوم يستمر في تبني هذه السياسة التي أطلق عليها سياسة الباب المفتوح، وكان آخرها الموافقة على طلب انضمام كل من فنلندا والسويد، فضلًا عن وجود قائمة أخرى من الدول الراغبة في الانضمام إلى الناتو رغم وقوعها على الحدود الروسية، بل كانت الأزمة الروسية الأوكرانية نتاج هذه السياسة حينما أصرت أوكرانيا على طلب الانضمام للحلف مكررة ذات النهج الذي حاولت أن تسلكه جورجيا من قبل وخاضت حربًا مع روسيا أفقدتها جزءا من أراضيها. ولذا، فمن غير المتوقع أن تظل سياسة الباب المفتوح مستمرة من جانب الناتو في ضوء ردود الفعل الروسية الرافضة لمزيد من التوسع على حدودها الغربية، إذ إن من شأن ذلك أن يوسع دائرة الحرب التي تشهدها المنطقة اليوم، خاصة في ظل تباعد رؤى الطرفين بشأن تفسيرات الاتفاقية الموقعة بين الحلف وروسيا عام 1997، والتي عُرفت بـ«القانون التأسيسي لحلف الناتو وروسيا بشأن العلاقات والتعاون والأمن المتبادلين»، إذ إنه في الوقت الذي ترى فيه روسيا أن ما أقدم عليه الحلف من ضم دول كانت تابعة للفضاء السوفياتي يعني انتهاكًا للاتفاقية وخرقًا لأحكامها، في حين يرى الحلف أن الحرب الروسية الأوكرانية مثلت نقضًا للاتفاقية يعطي للحلف مبررًا لاستكمال ضم دول أخرى وفق ما قاله نائب الأمين العام للحلف ميرتشيا جيوانا بأن: «مهاجمة روسيا لأوكرانيا أفرغت القانون التأسيسي للعلاقات المشتركة والتعاون والأمن بين روسيا والناتو من مضمونه، واتخذوا تعهدات بعدم الاعتداء على الجيران، وهو ما يفعلونه الآن، وأيضًا بإجراء مشاورات منتظمة مع الناتو، وهو ما لا يفعلونه، أعتقد أن هذا القانون التأسيسي هو- مبدئياً- معطل بسبب روسيا، لأن روسيا ابتعدت فعليًا عن شروط اتفاقية عام 1997، الآن لا قيود على أن يكون لدينا تواجد قوي في الجناح الشرقي، وضمان أن كل بوصة من أراضي الناتو محمية بموجب البند الخامس».


الصين وتحالفها مع روسيا، مثّل ذكر الصين في الاستراتيجية الجديدة للحلف تحولًا مهمًا في رؤية قادته، وذلك مقارنة بما كان عليه الوضع عام 2010، إذ لم يكن ثمة أي ذكر للصين التي كان ينظر إليها حينذاك بأنها شريك تجاري ودي وقاعدة تصنيعية مهمة. ولكن الاستراتيجية الجديدة وصفت الصين بأنها تمثل: «تحديًا لمصالح حلف شمال الأطلسي وأمنه وقيمه، وذلك بوصفها قوة اقتصادية وعسكرية لا تزال غامضة فيما يتعلق باستراتيجيتها ونواياها وتعزيزاتها العسكرية». فضلًا عن تقاربها مع روسيا ومواقفها المعارضة للسياسات الأميركية والغربية وهو ما تحدث عنه الناتو كثيرًا خاصة فيما جاء في البيان المشترك الصادر عن الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جين بينغ، في 4 فبراير (شباط) الماضي 2022، والذي أكد أن الصداقة بين البلدين ليس لها حدود وأن تعاونهما لا توجد فيه مجالات محظورة، وفق ما جاء في تصريحات المندوبة الدائمة للولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي، جوليان سميث. وجدير بالذكر ان موقف الحلف من الصين هذه المرة لم يكن الأول من نوعه، بل ما تضمنته الاستراتيجية الجديدة إنما بُني على الوصف السابق الذى خلصت إليه قمة الحلف في عام 2021 في وصفها للصين بأنها «تهديد للنظام القائم على القواعد».
الشراكة مع الجوار الجنوبي لحلف الناتو (التي تمتد من موريتانيا حتى الخليج وإسرائيل)، أبدى الحلف اهتمامه بهذه الدول منذ قمته المنعقدة عام 2004، حينما أسس مبادرة إسطنبول للتعاون، بهدف تعزيز التعاون الأمنى على أساس ثنائي بين الناتو والدول الشريكة في منطقة الشرق الأوسط الأوسع، بهدف الإسهام في الأمن العالمي والإقليمي على المدى الطويل، وتشارك في المبادرة الإمارات والبحرين والكويت وقطر حاليًا، بينما تشارك عُمان والسعودية في أنشطة مختارة بإطار المبادرة. وفي قمته التي عقدت عام 2018، أعلن الحلف عن تخصيص حزمة مبادرات خاصة بدول الجنوب، تتضمن مبادرات تعاون سياسية وعملية نحو نهج استراتيجي أكثر تماسكًا وتركيزًا على الشرق الأوسط وأفريقيا، باعتبار أن هذه المنطقة تواجه عددًا من التهديدات المعقدة والتحديات التي تؤثر على أمن الدول عبر الأطلنطي. ولكن ما جرى في القمة الأخيرة، هو إعلان الحلف بمقتضى المفهوم الاستراتيجي الجديد، تقديم حزمة «بناء القدرات الدفاعية» لموريتانيا، حيث أشار هذا المفهوم إلى مصلحة استراتيجية في هذه المنطقة بالنظر إلى المخاطر الأمنية التي يشكلها الإرهاب والهجرة غير النظامية في منطقة الساحل والصحراء. دون أن يقلل ذلك من استمرار دعمه للبلدان الأخرى الواقعة في الجنوب، إذ تم الاتفاق على تقديم دعم إضافي لبناء قدرات الدولة التونسية، مع الاستمرار في دعم الأردن.
منتهى القول إن حلف الناتو يواجه في قادم الأيام تحديات عدة وتهديدات متعددة، تتمدد جغرافيًا وتتنوع موضوعيًا، بما يتطلب تكاملية الجهود بين أعضائه الحاليين والمنضمين الجدد، وهو ما يفرض مزيدا من الأعباء المالية والاقتصادية والعسكرية على موازنات دوله التي تواجه اتساع فجوة عجزها أمام تزايد حجم إنفاقها العام سواء بسبب ارتفاع أعباء المعيشة لمواطنيها مع ارتفاعات أسعار المواد الغذائية والطاقة من ناحية، أو بسبب ارتفاع حجم استعداداتها العسكرية والأمنية من ناحية أخرى. ليصبح الحلف في اختبار ربما الأول من نوعه الذى يواجه فيه كل هذه التحديات مجتمعة، فهل يستطيع أن يصمد ويعبر إلى بر الأمان بتطبيق مفهومه الاستراتيجي الجديد وبما يمكنه من إعادة ترتيب دوائر تحركه في مواجهة التحالفات التي يمكن أن يشهدها العالم أم سيخفق في تنفيذ مفهومه الاستراتيجي الجديد معلنًا للجميع موته إكلينيكيا؟