معتقل سابق في سجون الأسد: أجبرت على الاعتراف أمام الكاميرا بأنني إرهابي!

قال لـ«المجلة»: كنت شاهداً على موت معتقلين آخرين
خلال ظهوره بالفيديو الذي اعترف فيه بعد التعذيب بأنّه إرهابي

القامشلي: مارست السلطات الأمنية لدى النظام السوري الذي يقوده بشار الأسد، التعذيب على نطاقٍ واسع بحق المعتقلين الذين تم احتجازهم في غضون الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها في منتصف شهر مارس (آذار) من العام 2011، حيث لم تتوقف عن ذلك رغم صدور تقاريرٍ دولية وأممية تدين النظام بشكل صريح ومباشر، علاوة على مقاطع فيديو صادمة توثق مشاهد التعذيب بحق آلاف المعتقلين الذين سُجِنوا خلال فتراتٍ متفاوتة طيلة السنوات الماضية التي تلت الاحتجاجات الشعبية والتي تحولت لاحقاً لحربٍ طاحنة شاركت فيها أطراف دولية وأخرى إقليمية.

«المجلة» تروي حكاية الصحافي والناشط الحقوقي السوري شيار خليل الذي يقيم اليوم في العاصمة الفرنسية باريس، والذي كان قد قضى في سجون النظام السوري مدة عامين وثلاثة أشهر قبل أن يتم إطلاق سراحه لاحقاً مع عدد من الصحافيين والناشطين إثر ضغوطاتٍ مارستها منظمات دولية تعنى بحقوق الإنسان على نظام الأسد.


خليل يتذكر آثار التعذيب على جسده

يتذكر خليل البالغ من العمر 37 عاماً ندوب السجائر والتعذيب التي لا تزال على جسده، قائلاً: «قد تكون تلك الآثار حالة عادية يمكن التخلص منها بالعلاج، ما يعني أنها قد تزول مع مرور الوقت، إلا أن الندوب الداخلية، وأعني بذلك الآثار العاطفية والفكرية للسجن، ستبقى، لتذكرنا دوماً بأننا كنا نطالب بحريتنا وكرامتنا، وما زلنا نفعل ذلك، لكن النظام كان يرفض مطالبنا تلك وقتلنا نتيجة ذلك».

ويتابع الصحافي الذي ينحدر من مدينة عفرين السورية الواقعة شمال غربي البلاد في سرد معاناته في المعتقلات والفروع الأمنية السورية لـ«المجلة»: «بعد مرور ثلاثة أشهر من التحقيقات والتعذيب والإذلال والإهانات، تم نقلي مع بعض زملائي إلى سجن عدرا المركزي بدمشق، حيث سُمح لنا بالاتصال بذوينا وتمكنت من إخبار عائلتي بمكان تواجدي ولكنني لم أتمكن من مقابلتهم إلا عندما خرجت من المُعتقل بعد عامين وثلاثة أشهر».

ويستطرد خليل في الحديث قائلاً: «كان بحوزتهم هارد ديسك خارجي، تعود ملكيته لي، وكان يحوي العديد من الفيديوهات التي صورتها في مناطق المعارضة عن الحياة الاجتماعية والسياسية هناك، بالإضافة الى معارك بين قوات النظام والمعارضة المسلحة آنذاك».


ماذا جرى في فرع الأمن الجنائي؟

وكان خليل قد اختفى قسراً في السجون السورية دون أن يتمكن أحد من معرفة مصيره، حتى عائلته التي علمت بمكانه بعد نقله إلى سجن عدرا المركزي.

وقبل أن يُنقل مجدداً إلى فرع الأمن الجنائي في باب مصلى، اتُهم الشاب بارتكاب أعمال «إرهابية» من قبل محكمة الإرهاب في العاصمة السورية دمشق، لا سيما وأن العديد من الناشطين المعتقلين معه اعترفوا خلال التحقيق وتحت التعذيب بأنهم كانوا على علاقة به.

ويروي الصحافي السوري أيضاً الأحداث التي دارت في فرع الأمن الجنائي في باب مصلى بعد احتجازٍ دام شهرين وتعرض فيه لتعذيب مكثف من قبل الملازم مؤيد المسوتي، رئيس قسم البحث الجنائي، قائلاً: «بعد انتهاء التعذيب المطول والتحقيق، طُلبَ مني الظهور على شاشة تلفزيون النظام، لأعترف بأنني إرهابي ونادمٌ على ما قمتُ به. في بداية الأمر، رفضت، لكن بعد التعذيب، وافقت، وتم تلقيني ما يجب أن أقوله، وذلك بحضور ضابطٍ من وزارة الداخلية. بعدها جاءت مرحلة التصوير، ولقاء (خلية إرهابية تتبع للجيش الحر)، علماً أنني لم أكن أنتمي لأي جهاتٍ سياسية أو عسكرية، وللأسف، لقد فاجأني المصور، كان زميلي في الجامعة، وموالياً للنظام».


التهمة واحدة ضد الكل وحقد النظام مضاعف على الأكراد

وتذكر خليل بحسرة وألم مشاهد التعذيب والأصوات في فرع الأمن الجنائي، وكذلك في فرع فلسطين، حيث يواصل سرد حكايته ويشير إلى أنه «تم تعذيب الكثيرين أمامي، منهم من كانوا أصدقائي، وتم أيضاً تعذيب نساءٍ محتجزات أمامنا، وشاهدتُ الكثير من المعتقلين الذين فقدوا حياتهم في تلك الأثناء نتيجة التعذيب الشديد».
وعلى العكس تماماً من التمييز الذي كان يتعرض له الأكراد في سوريا طيلة العقود الماضية، لم يتعرض خليل لتمييز إضافي في المعتقلات باعتباره كُرديا، فيقول: «لم يكن هناك تمييز دقيق، الكل إرهابي، وعليهم أن يثبتوا العكس، وهذا هو المستحيل في السجون السورية، لكن ما جرى أثناء التعذيب هو أن الضابط في فرع فلسطين، وضع حذاءه في فمي، وقال لي ساخراً: لماذا أنت في دمشق وتطالب بدولة ديمقراطية يا نذل.. اذهب إلى القامشلي وطالب بقيام كُردستان».

ويضيف: «بعد ذلك الكلام، شعرت أن الحقد مضاعف ضد الكُردي، كنتُ أشعر من الكلام الذي يوجهه الضباط لي أنني من الطبيعي أن أكون إرهابياً وفق منظورهم، لأنني كُردي في الأصل».


شاهدتُ التعذيب وسمعتُ أصوات المُعتقلين

ويسرد خليل أيضاً مشاهد التعذيب في فرع الأمن الجنائي، حيث كان يُعلق على السقف ويُضرب بقوة بعصا حتى ينزف بسببها في أماكن متفرقة من جسدهِ، ويتذكر كلمات المساعد أول أبو عمار الذي كان يأتمر ويعذب بإشراف الملازم المسوتي له كأنها تقال له اليوم: «هذه كانت طريقة الرئيس العراقي صدام حسين في تعذيب الأكراد»، ما يزيد من أوجاع الاعتقال والقهر، على حد تعبيره.

وأضاف: «معتقلات النظام حياة ثانية ولا علاقة لها بأنظمة السجون المعروفة في العالم، أغلب التهم عشوائية وكاذبة لا علاقة للمتهمين بها، كما أن لديهم طرق تعذيب خاصة بهم ومن اختصاصهم، وأدت إلى مقتل آلاف الأبرياء».

ولفت الشاب إلى أنه تعلم الرسم في السجن، وصار يكتب، ويفكر بأسباب انحدار قوة الثورة السورية سياسياً وعسكرياً، في الوقت الذي تعرف فيه إلى سوريين من مناطق مختلفة، ويقول عن ذلك: «وجدت أن السوريين مختلفون بشدة عن بعضهم البعض، وما يجمعهم هو قمع النظام وفقدانهم لكرامتهم نتيجة إجرامه».

وتجدر الإشارة الى أنه تم الإفراج عن خليل مع مجموعة من الناشطين المدنيين نتيجة ضغوطٍ من منظماتٍ دولية مختصة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، ويربط خليل ذلك بـ«الحظ». فيقول: «لحسن الحظ، كنت على علاقة مع عدة منظمات دولية وحقوقية مختصة في هذا الشأن فأنقذتني من السجن وربما الموت، ولكن للأسف تركنا خلفنا الكثير من المعتقلين، الذين يعانون إلى اليوم من ظلم وإجرام النظام».


أرقام المعتقلين في سجون النظام صادمة!

وانتقل خليل بعد هذه الرحلة الشاقة بما فيها من تعذيب وذكريات قاسية إلى فرنسا، حيث قام مع مجموعة من الناشطين والصحافيين والحقوقيين بالعمل من أجل المعتقلين السوريين، وذلك من خلال التعريف بقضيتهم عبر محاضرات وندوات عن حرية الرأي والتعبير في سوريا، والحديث عن المعتقلين لدى النظام وأطراف أخرى، إلى جانب نشاطات أخرى مع منظمات دولية تعمل على توثيق انتهاكات النظام، والعمل مع الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة لها في متابعة وضع المعتقلين السوريين والضغط للإفراج عنهم.

ويقبع في سجون النظام السوري الآلاف وربما عشرات الآلاف من المعتقلين الذين تم سجنهم لمشاركتهم في احتجاجاتٍ مناهضة لنظام الأسد قبل أكثر من عقدٍ من الزمن. وتتضارب الإحصاءات حول أعدادهم الحقيقية، فالمرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له يشير إلى أن عدد المعتقلين لدى النظام يبلغ 152713 شخصاً بينهم 41312 امرأة.

وتشير توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن أكثر من 105 آلاف معتقل قضوا تحت التعذيب في سجون نظام الأسد منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011، من ضمنهم أكثر من 83 في المائة جرت تصفيتهم وقتلهم داخل المعتقلات في الفترة الواقعة ما بين شهر مايو (أيار) من العام 2013 وأكتوبر (تشرين الأول) من العام 2015، وهي الفترة التي أشرف فيها ضباط إيرانيون على المعتقلات السورية، وفق ما يؤكد المرصد.


النظام ومعارضوه يستغلون ملف المعتقلين

ويعبر خليل عن أسفه من بقاء آلاف المعتقلين في سجون النظام واستنزاف قضيتهم من قبل النظام ومعارضيه على حد سواء.

ويقول في هذا الصدد: «للأسف الشديد باتت قضية المعتقلين رقماً في حسابات المعارضة والنظام بعد مرور سنواتٍ من عمر الثورة السورية والحرب التي تلتها، فبدلاً من أن تكون هذه القضية ملفا فوق التفاوض، يتم استغلاله في المفاوضات بين الطرفين لإجراء مبادلات عسكرية والإفراج عن أسرى حرب ومعتقلين عسكريين لدى الطرفين وبإشراف روسي وتركي».

ويضيف أن «مسألة المعتقلين هي قضية فوق تفاوضية يجب أخذ إجراءات فورية فيها دون إدخالها بالملف السياسي الذي يتاجر فيه النظام ومعارضته على حساب السوريين المدنيين الذين ما زالوا ينتظرون الآلاف من أبنائهم، ولهذا على الجهات الدولية والمعنية بحقوق الإنسان السعي لفتح السجون والمعتقلات لدى المعارضة والنظام بأسرع وقت، للإفراج عن كافة المعتقلين والمعتقلات المحتجزين والمغيبين داخل سجون المعارضة والنظام وبعدها الانتقال للحلول الأخرى المتعلقة بالمفاوضات والمحاصصة السياسية فيما بينهما».

وكانت السلطات الأمنية السورية، قد أفرجت عن مئات المعتقلين قبل نحو ثلاثة أشهر وذلك بعدما أصدر الأسد عفواً عن «الجرائم الإرهابية» المرتكبة، والتي أدين فيها سوريون قبل صدور المرسوم في 30 أبريل (نيسان) من عام 2022 الجاري، والذي استثنى العفو عن المدانين بارتكاب «جرائم إرهابية» أفضت إلى موت إنسان.

ولم يُعرف على وجه التحديد أعداد المسجونين الذين شملهم العفو الرئاسي، لكن المرصد السوري، وجهات حقوقية أخرى، وثقت الإفراج عن مئات السجناء، وكان من بينهم أشخاص تم اعتقالهم قبل 10 سنوات وكانوا يقبعون في سجن صيدنايا الذي وصفته منظمة العفو الدولية بـ«المسلخ البشري» بعدما وثقت إعدام نحو 13 ألف سجين في الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2015.

ويبدو أن خطوة إصدار قانون العفو عن «الجرائم الإرهابية» التي لم تؤدِ إلى مقتل إنسان جاءت كمحاولة من نظام الأسد لتلميع صورته واستغلال العفو بهدف التهرب من الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها في سجونه منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، خاصة مع توالي التقارير الدولية وضغط المنظمات الإنسانية والحقوقية بخصوص ملف التعذيب والتجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان التي حصلت في السجون والمعتقلات، حيث تكشف إحصائيات المرصد السوري عن مقتل أكثر من 105 آلاف معتقل تحت التعذيب داخل سجون نظام الأسد منذ بداية الثورة السورية في العام 2011.

وجاء ذلك العفو الرئاسي عقب أيامٍ من نشر صحيفة «الغارديان» البريطانية لتحقيقٍ صحافي مطول حول مقتل عشرات الأشخاص على يد عناصرٍ من قوات النظام، وأثارت مقاطع الفيديو التي نُشرت مع التحقيق صدمةً في الأوساط السورية لاسيما الحقوقية منها ومؤسسات المجتمع المدني.

وأظهر واحدٌ من بين عشرات مقاطع الفيديو التي تعود لعام 2013، ونُشرت قبل أسابيع، عنصراً من قوات النظام يطلب من أشخاصٍ قُيدت أياديهم وعُصِبت أعينهم أن يركضوا، ليتم إطلاق النار عليهم مع وقوعهم في حفرةٍ تكومت فيها الجثث في حي التضامن الواقع في جنوب ريف دمشق. وعلى أثر ذلك بات يعرف هذا الفيديو الذي وثق الجريمة بـ«مجزرة التضامن».

 

 

 

 


مقالات ذات صلة