الحكومات في مواجهة الإعاقة المرئية وغير المرئية

يقاس انتشار الإعاقة بحجم تأثيرها. يعاني مليار شخص حول العالم من حالة مرضية بدنية أو نفسية تقيد من حركته أو حواسه أو قدراته، بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية.

إنه رقم هائل، يمثل حوالي 15 في المائة من عدد سكان العالم. ومن بين هذا المليار، يوجد 93 مليون طفل و720 مليون شخص بالغ يعانون من «صعوبات كبيرة في أداء مهامهم».

غني عن القول إن حياة المرء المصاب بإعاقة قد يكون لها تأثير هائل على حياته. فالتحديات الإضافية التي يواجهها متعددة ومرهقة. يمكن أن تكون المهام اليومية التي يسهل على أغلب الناس أداؤها مستحيلة على ذوي الإعاقة. أضف إلى ذلك القدر الكبير من التحيز والتمييز الذي تبديه بعض المجتمعات، وهو مزيج مؤذٍ.

وضعت منظمة الصحة العالمية تعريفاً للشخص المصاب بإعاقة بأنه شخص يعاني «من مشكلة في وظائف الجسد أو هيكله، و/أو تقييد لنشاطه، و/أو صعوبة في أداء مهمة أو حركة». بالإضافة إلى ذلك، يزداد عدد الأشخاص الذين يندرجون تحت هذا التعريف. ويرجع السبب إلى حد ما إلى ارتفاع متوسط أعمار السكان وتزايد انتشار الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض النفسية.

توجد أربعة أنواع من الإعاقة: فكرية (صعوبة التواصل وصعوبات التعلم وتذكر المعلومات)، وبدنية (العجز الدائم أو المؤقت في القدرات الجسدية و/أو الحركة) وحسية (تؤثر على حاسة أو أكثر من: السمع والشم والبصر واللمس والتذوق والوعي المكاني) ومشكلات الصحة النفسية (في التفكير والحالة المعنوية والسلوكيات). ويشار إلى أن أكثر أنواع الإعاقة شيوعاً بين من تقل أعمارهم عن ستين عاماً هو الاكتئاب.

 

حقيقة صادمة

يساعد تحسن فرص التشخيص في مختلف أنحاء العالم الأشخاص على فهم أنواع من الإعاقات مثل اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، وإصابات الدماغ الرضية، واضطراب كرب ما بعد الصدمة، واضطرابات طيف التوحد. وتلك بعض الأمثلة، فالقائمة ممتدة.

وبحسب ما ذكرته منظمة الصحة العالمية، يعيش أغلب من يعانون من الإعاقة حول العالم في الدول النامية. والنساء والأطفال هم الأكثر تأثراً، مما يجعلهم بدوره الأكثر عرضة للعنف والإساءة والاغتصاب. وفي بعض من أفقر دول العالم- الصومال ومالي وبوركينا فاسو وموزمبيق- يمكن أن تكون الإعاقة فرصة لمن يحملون نوايا خبيثة.

هذا صحيح بالنظر إلى أن ذوي الإعاقة يقبعون في أغلب الأحيان في أدنى درجات السلم الاجتماعي الاقتصادي في المجتمع. وتكشف الدراسة بعد الأخرى عن صلة قوية بين الإعاقة والفقر. فصاحب الإعاقة معرض أكثر من غيره للفقر بدرجة ما، نظراً لأنه غالباً ما يعيش في ظروف حياتية غير صحية ومحفوفة بالمخاطر، مثل السكن غير الملائم وعدم وجود مصدر للمياه النظيفة.

للأسف تلك مجرد بداية. يعاني هؤلاء أيضاً من عدم الحصول على التعليم- إذ أعلنت اليونسكو أن 90 في المائة من الأطفال المعاقين في الدول النامية غير ملتحقين بأي نوع من التعليم. ونتيجة لذلك يسقطون في براثن البطالة وحتى عندما يجدون وظيفة، غالباً ما يحصلون على أجر أقل بكثير من أقارنهم غير المعاقين. وبالمثل، لا يحصلون على علاج، حيث تفوق تكاليف الرعاية الصحية المرتفعة ببساطة إمكانيات كثير من أصحاب الإعاقة حول العالم. وكل ذلك يجعلهم عرضة للإصابة بأمراض أخرى. إنها دائرة مفرغة من أوجه عديدة. وبالحديث عن هذه الدائرة، تشير منظمة الصحة العالمية أنه في بعض الدول، ينشأ ربع العدد الإجمالي لجميع أنواع الإعاقة عن إصابات أو عنف. وليس غريباً أن تعتبر منظمة اليونيسيف 30 في المائة من الشباب المشردين بلا مأوى من ذوي الإعاقة.

كل هذا له أهمية على مستوى السياسات والمستوى الشخصي. في مرحلة ما من حياتنا، سوف نتعرض جميعاً لأحد أنواع العجز أو الإعاقة، سواء المؤقتة أو الدائمة. وقتها سوف نجرب بأنفسنا كيف ينظر المجتمع إلى هذا الوضع السيئ. حتى وقت قريب نسبياً لم يكن يُنظر إلى ذوي الإعاقة بصفتهم بشرا كاملين. كانوا مهمشين ومبعدين عن مجال الرؤية، وأحياناً ما وضعوا في بيوت رعاية مغلقة. وكانت حياة الكثيرين منهم منعزلة لأقصى حد.

ولكن اليوم بصفة عامة، اندمج ذوو الإعاقة كثيراً مع المجتمع، ولكنهم لا يزالون يواجهون احتمالات «النسيان»، ويظل كثيرون منهم يعانون من التمييز. ومن المؤسف أن احتياجاتهم في كثير من الأحيان تجد تجاهلاً من الحكومات ومنظمات المساعدات الدولية، مما يجعل ذوي الإعاقة يشعرون بإبعاد اجتماعي.

في الأعوام الأخيرة، حسنت بعض الدول من فرص حصول ذوي الإعاقة بها على خدمات الأماكن العامة، وذلك بتكلفة كبيرة. وذهب آخرون إلى تحقيق ما هو أبعد من ذلك بمساعدة ذوي الإعاقة على توصيل مطالبهم وعدم تجاهلها. ولكن تظل هناك مشكلات. على سبيل المثال، ليست جميع أنواع الإعاقة بادية للعيان، وليست جميعها معترفا بها. وهذا يؤدي حتماً إلى أن يعاني بعض الناس في صمت.

يجب أن يكون المؤشر على وجود مجتمع عطوف أن يشعر ذوو الإعاقة فيه بالاندماج، بغض النظر عما يستطيعون أو لا يستطيعون فعله، وبغض النظر عن خلفيتهم ومكانتهم. ويجب أن تعلم الحكومات أن الفئات الأضعف والأشد تأثراً تستطيع أن تعيش حياة مُرضية لا تنقصها الكرامة.

حياة الجميع مهمة. ولا يجب أن يكون الفقر سبباً للتمييز أو العزلة أو التدهور. ويرجع الأمر إلى كل منا في تلبية احتياجات ذوي الإعاقة. أما من يعزفون عن المساعدة، فعليهم أن يتذكروا أن الإعاقة قد تصيب أي شخص، في أي مكان وفي أي وقت. فقد ينفعكم الأمر يوماً ما.