ما يجب أن يقوله بايدن لرئيس وزراء العراق

الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي

لندن: عندما يجتمع الرئيس جو بايدن مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي نهاية هذا الأسبوع في القمة التي ستعقد في السعودية، سوف تتصدر علاقات العراق مع إيران جدول الأعمال. من المرجح أن يعرب الرئيس بايدن عن مخاوفه من الهجمات الإيرانية على القوات الأميركية ومن عمليات الميليشيات الموالية لإيران في العراق. بيد أن القضية الرئيسية التي يجب أن يثيرها بايدن هي القانون العراقي الذي صدر مؤخرا بتجريم أي تواصل بين العراقيين وإسرائيل. هذا القانون خطير نظراً لما يمثله من محاولة إيرانية لتقويض جهود حلفاء أميركا والمساعي الدبلوماسية الأميركية في العالم العربي والإسلامي، ولما يقدمه من نموذج لإصدار قوانين مشابهة في مناطق أخرى.


هذا قانون يجتهد في التطرف. قدمه السياسي الشيعي العراقي مقتدى الصدر، وشجعته إيران، لتجريم أي تواصل مع إسرائيل بسبب وجودها منذ عام 1948. هذا القانون ليس رداً على الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية أو مرتفعات الجولان الذي تلا حرب 1967 بين العرب وإسرائيل. يحظر التشريع، الذي تم إقراره في 26 مايو (أيار) 2022، بوضوح «كل فعل من شأنه أن يحقق مع الكيان الصهيوني أي صورة من صور التعامل أو يؤدي إليه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر». وحدد القانون نوع العلاقات بذكره «المؤتمرات أو التجمعات أو المؤلفات أو المطبوعات أو وسائل التواصل الاجتماعي أو أي وسيلة أخرى». ويطبق القانون على العراقيين ووسائل الإعلام العراقية داخل وخارج العراق، والأجانب داخل الدولة. والأسوأ من ذلك، تفرض المواد 6 و7 و8 من القانون عقوبة الإعدام على الأشخاص الذي يقيمون «أي نوع من العلاقات مع الكيان الصهيوني».


وكأن التهديدات التي يلوح بها هذا القانون ليست سافرة بما يكفي حتى تخرج المادة 9 منه لتشير إلى تطبيق عقوبة الإعدام على قائمة طويلة من المسؤولين العراقيين ومن بينهم الرئيس ورئيس الوزراء، إذا أجروا حداً أدنى من التواصل مع «الكيان الصهيوني». وحتى لا يظن أي شخص أن القانون لا يعادي السامية، تجرم المادة السابعة منه «الأفكار الماسونية»، وهو تعبير تقليدي يعبر عن معاداة اليهود. ويصل السوء إلى الفقرة الأخيرة بأن هذه الإجراءات التعسفية تهدف إلى الحفاظ «على المبادئ الوطنية والإسلامية والإنسانية للعراق وثوابت الشعب العراقي في الدفاع عن فلسطين».
حتى الآن جاء رد الفعل الأميركي دبلوماسياً وغير فعّال، حيث أعربت وزارة الخارجية الأميركية عن «انزعاجها الشديد». ولكن يؤدي ضبط النفس إلى نتائج عكسية. هذا القانون محاولة إيرانية لتقويض مساعي أميركا وحلفائها في العالمين العربي والإسلامي. وينصب هدفها على التقارب المتنامي بين إسرائيل والدول العربية المعتدلة في الخليج وشمال أفريقيا. بدأت إقامة علاقات رسمية بين هذه الدول وإسرائيل مع الاتفاقيات الإبراهيمية في أغسطس (آب) عام 2020 برعاية الرئيس دونالد ترمب.


يحقق القانون المطامع الإيرانية بمخاطبة مزيج من مشاعر معاداة السامية التي تنتمي إلى عصر صدام حسين والحنين إلى الماضي. ربما يبدو من الغريب استغلال هذه المشاعر، بعد أن شن صدام حرباً دموية استمرت ثمانية أعوام ضد إيران، وطالت آثارها الوحشية عائلة مقتدى الصدر ذاته. ولكن وفقاً لحسابات إيران، فهي تستطيع كسب الرأي العام الشعبي في الشرق الأوسط عن طريق اللعب على وتر كراهية اليهود وإسرائيل، وهي الكراهية التي يمكنها صرف أنظار العراقيين واللبنانيين وآخرين عن انقساماتهم العرقية والطائفية.


يستدعي التهديد بإعدام كل من يتعامل مع إسرائيل ذكريات مروعة من فترة نفوذ صدام في العراق. في 27 يناير (كانون الثاني) عام 1969، أعدم حزب البعث العراقي 14 شخصا شنقاً بزعم عملهم جواسيس لإسرائيل، من بينهم 10 يهود. حشد النظام العراقي حينئذ مئات الآلاف من العراقيين في حافلات لمشاهدة الضحايا وهم يتدلون على حبل المشنقة. لم يكن هؤلاء الرجال جواسيس، ولكنهم كانوا نموذجاً أمام غيرهم من العراقيين على ما يمكن أن يفعله البعثيون للتخلص من أعدائهم المتصورين، ناهيك عن أعدائهم الحقيقيين.


بينما يخاطب القانون غرائز أساسية، تشير شدته الضمنية إلى أن بعض العراقيين يسعون إلى استعادة ماضيهم المعادي للسامية. لقد جربت هذا بنفسي عندما فررت من قمع البعثيين في 1971. وفي عام 2003 عدت وشجعت على التآلف بين الأديان، واجتمعت مع كبار المسؤولين العراقيين ومواطنين عراقيين من جميع الطوائف. ما يراه العراقيون العقلانيون حواراً بين الأديان، تصوره إيران وحلفاؤها تهديداً استراتيجياً. وبالفعل حتى قبل تمرير القانون، «أخفت» الميليشيات التي تدعمها إيران في 2020 الناشر مازن لطيف والصحافي توفيق التميمي، وهما من مناصري الاعتراف بالتراث اليهودي في العراق. هذا القانون يعطي مثل هذه الجرائم موافقة رسمية.


عندما يجلس الرئيس بايدن مع رئيس الوزراء الكاظمي، يجب أن يفعل ما هو أكثر من الإعراب عن قلقه. يجب أن يدين القانون بصفته اعتداء على الولايات المتحدة وحلفائها ومحاولتهم لإحلال السلام في الشرق الأوسط. وفوق كل شيء، يستطيع أن يواجه بايدن رئيس الوزراء العراقي ويخبره بأن هذا القانون يمثل ماضي العراق الدموي وليس مستقبله.

نُشر بالتزامن مع مجلة «نيوز ويك»، للاطلاع اضغط هنا