الدولة العاقلة والتحديات الراهنة: السعودية نموذجاً

قيادة واعية للمسؤوليات والتهديدات والاستفادة من الموارد
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان

باكو: تعددت الأوصاف التي انتقلت من البشر إلى الدول، وكأن الدولة كائن بشرى ينطبق عليه ما ينطبق على الفرد من صفات وسمات جيدة أو رديئة، فكما أن هناك فردا عاقلا وآخر مجنونا، وأن هناك فردا حسنا وآخر سيئا، وأن هناك فردا ناجحا وآخر فاشلا، فقد انتقلت تلك السمات لوصف الدول، انطلاقا من أن الدولة هي مجموع الأرض والشعب والحكومة (القيادة)، وأن القيادة هي صاحبة القرار والتوجيه فيما تتبناه الدولة من توجهات وما تنتهجه من سياسات وما تتخذه من إجراءات وخطوات عملية. وحينما تعطى للدولة صفة ما، فإنها تنطبق بصورة كبيرة على تلك القيادة التي تتولى إدارة شؤونها وتسيير أمورها وتحديد توجهاتها بما يحقق مصالحها وأهدافها وطموحات شعبها وحماية أرضها.

السعودية... ريادة إقليمية وأهم وجهة عربية للاستثمار الأجنبي


وعليه، أضحى إسباغ هذه السمات والأوصاف على الدول ليس من قبيل الخيال بقدر ما هو تعبير عن واقع هذه الدولة ومواقفها وسياستها، فكما أننا نواجه الشخص المجنون بضوابط وقيود تحد من جنونه حتى لا يؤذي الآخرين ويدمر حياتهم، فإننا أيضا يجب أن نواجه الدولة الموصوفة بالجنون بالقيود والضوابط التي تحد من اندفاعها حمايةً للعالم وضمانا للأمن والاستقرار. وعلى المنوال ذاته يكون التعامل مع الشخص العاقل، حيث يجب أن يفسح له المجال للإدلاء برأيه، بل الاستئناس بنصيحته وخبرته ومعارفه وقدراته لضمان العبور الآمن من مخاطر وتحديات تواجه الشخص في حياته، فإن هذا هو ما ينطبق على الدولة العاقلة التي لديها رؤية دقيقة وواقعية في التعامل مع التحديات ومواجهة التهديدات وبناء التصورات القادرة على تحقيق الإنجازات والنجاحات، إذ يجب على الجميع أن ينصت إلى رؤيتها ويستمع إلى خطابها ويسير على نهجها.

لحظة إطلاق الطرح الأولي لشركة أرامكو في سوق المال السعودية (رويترز)


وغني عن البيان أن وصف دولة ما بأنها دولة عاقلة يستوجب توافر حزمة من الشروط فيمن يتولى قيادتها، تميزها عن الدولة الموسومة بالدولة المجنونة التي يفتقر قيادتها إلى مثل هذه الشروط، ومن أبرزها: وجود قيادة شرعية تتولى المسؤولية برضاء شعبي، وجود قيادة واعية بحجم التحديات ومستوى التهديدات، وجود قيادة لديها رؤية للتعامل مع تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل، وجود قيادة قادرة على إدارة الملفات الوطنية الداخلية بحكمة واقتدار، وإدارة ملفاتها الخارجية بخبرة وافتنان، وجود قيادة قادرة على اختيار العناصر الناجحة الفاعلة وإبعاد العناصر الضعيفة غير المؤهلة للمعاونة في تولى المسؤولية، وجود قيادة قادرة على تعظيم الاستفادة من الموارد والإمكانات المملوكة للدولة دون هدر أو اهدار.  
في ضوء ذلك، يمكن القول أن المملكة العربية السعودية تمثل نموذجا متميزا من الدول العاقلة التى تتحمل مسؤوليات جسام في تحقيق الأمن والسلام العالمي والإقليمي والوطني، يدلل على ذلك ثلاثة مؤشرات ذات أهمية، وهي:

على المستوى العالمي
إذ تملك المملكة العربية السعودية رؤية واعية لمستقبل النظام العالمي، رؤية تنطلق من أدوار تاريخية لعبتها المملكة في تحقيق الأمن والاستقرار العالمي سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو السياسي. فالدور الإنتاجي للمملكة في سوق الطاقة منذ اكتشاف النفط يؤكد على محوريتها في ضمان الاستقرار في هذه السوق دون أن يكون ذلك على حساب أحد طرفي المعادلة (المستهلكين والمنتجين)، ففي كل أزمة عالمية على غرار الأزمة الأخيرة (الروسية الأوكرانية) لا يستطيع أحد أن يُنكر الدور الرئيسي الذي لعبته المملكة في المحافظة على الاستقرار في سوق الطاقة رغم صعوبة التحديات وجسامتها. الأمر ذاته ينسحب على مجال الأمن العالمي ودور المملكة المشهود في مجال محاربة الإرهاب والتطرف وتأكيد قيمة الحوار العالمي كسبيل لتصحيح المفاهيم وبناء المشتركات بين أصحاب الأديان والمذاهب المختلفة. وفي المجال السياسي والاجتماعي، كان للمبادرات السعودية دور مشهود في تحقيق الاستقرار وحل الأزمات السياسية وتأثيراتها الاجتماعية على أمن الشعوب واستقرارها، فالتاريخ مليء بعديد المبادرات على غرار ما حدث في اتفاق الطائف في لبنان، وما حدث في مبادرة السلام في الشرق الأوسط، هذا إلى جانب عديد المبادرات الإنسانية التي هدفت إلى مواجهة تداعيات الأزمات العالمية كما حدث في المبادرات الداعمة للدول الفقيرة في مواجهة جائحة كوفيد-19.

السعودية تمتلك قوة عسكرية تحتل مراكز متقدمة تستثمرها في محاربة الإرهاب

على المستوى الإقليمي
إذ تمثل المملكة نقطة الارتكاز في إدارة شؤون منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة والمنطقة العربية/ الخليجية على وجه الخصوص. إذ إنه من الصعوبة بمكان أن تغيب المملكة عن أزمات الإقليم، فمنذ تأسيسها الحديث في ثلاثينات القرن الماضي، كان للمملكة وقيادتها دور ملموس في جميع قضايا المنطقة بدءا من القضية المركزية وهي قضية الصراع العربي الإسرائيلي، مرورا بقضايا التنمية والصراعات الداخلية، وصولا إلى تهديدات الدولة الوطنية التي ساندت فيها المملكة دول المنطقة في مواجهة هذه التهديدات، ولعل الموقف السعودي مما حدث في مصر في 30 يونيو (حزيران) 2013 يؤكد على هذا التوجه. الأمر ذاته ينسحب على الموقف السعودي من الأزمة اليمنية وتأكيدها على حماية الشعب اليمني من جماعات تحاول أن تخطف الدولة لصالح أطراف إقليمية حاملة أجندات ضد مصالح شعوب المنطقة وأمنها. هذا فضلا عن الموقف المتميز للمملكة في مواجهة التغول الإيراني في شؤون المنطقة ومحاولاتها المستمرة في خلق خلايا سرطانية في جسم الدولة الوطنية بهدف تفكيكها بما يسهل السيطرة على مقدراتها وإذلال شعبها، وهو ما يتعارض كلية مع توجهات المملكة بضرورة احترام سيادة الدولة واستقلاليتها وحرية شعبها.

على المستوى الوطني
لا يمكن لأية عين ناظرة أن تغفل ما حققته المملكة على مدار السنوات القليلة الماضية منذ أن انطلقت رؤية المملكة 2030 والتي وضعها ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، تلك الرؤية التي حملت في جوهرها أبعادا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية، هدفت إلى بناء المملكة السعودية الجديدة والتي اتخذت لنفسها شعارا بعنوان «رؤية طموحة لأمة طموحة»، تلك هي خلاصتها وهدفها، بأن تبني مملكة جديدة تأخذ في اعتبارها الحفاظ على أصالة الماضي وقيمته، وفي الوقت ذاته تنهض بالحاضر، وتستقرئ متطلبات المستقبل، حفاظًا على حقوق الأجيال القادمة في مكانة حققتها المملكة على مدار العقود الماضية. واليوم تعيش المملكة بمنطلقات جديدة قادرة على تعظيم الاستفادة من الموارد والإمكانات المتاحة على نحو شعر به مواطنوها كافة، وهو ما مكّنها من إعادة ترتيب توجهاتها الخارجية إقليميا ودوليا.

خلال أول لقاء بين الملك سلمان ورئيس المجلس الرئاسي باليمن رشاد العليم، جدّدت السعودية دعم كافة جهود السلام في اليمن


في ضوء هذه المؤشرات على المستويات الثلاثة، نخلص إلى التأكيد على أن المملكة العربية السعودية مثلت نموذج الدولة العاقلة التي لا يمكن الاستغناء عنها في إدارة شؤون المنطقة بل والعالم بأسره، نظرا لمكانتها الروحية، وقدراتها الاقتصادية، وموقعها الجيواستراتيجى، وقيادتها الواعية بكل هذه الأبعاد والقادرة على توظيفها بما ينعكس إيجابا على حياة المواطنين السعوديين الذين يجددون بيعتهم لقيادتهم السياسية، إذ يرون فيها سمات القيادة الناجحة العاقلة البعيدة عن الاندفاع في اتخاذ القرارات، بل تتسم قراراتها بالرشادة والعقلانية والحكمة والحساب الدقيق لتداعيات هذه القرارات وانعكاساتها على مصالح الدولة السعودية. وفي هذا الخصوص يجدر التأكيد على نقطة محورية، تلك المتعلقة بدور القيادة السعودية في تحقيق كل تلك النجاحات والإنجازات، إذ إن هناك من يدعي أن العامل الرئيسي فيما تحقق يعود إلى توافر الإمكانات والموارد الكبيرة من النفط الذي مثل السلعة الرئيسية في رفد الاقتصاد الوطني بالعملات الأجنبية وفتح المجال لجذب الاستثمارات، وهو قول يحمل في طياته جزءا من الحقيقة بأن توافر الموارد الطبيعية وخاصة النفط كان عاملا مهما فيما حققته المملكة من نجاح، إلا أنه ليس كل الحقيقة، يدلل على ذلك أن هناك بلدانا أخرى عربية وغير عربية تملك ثروات كبيرة من النفط والغاز إلا أنها لم تحقق أية تنمية لشعوبها بل أضاعت هذه الموارد والإمكانات على مغامرات فاشلة وطموحات واهية، أدخلت شعوبها في دوامات الحروب والصراعات بل وصل الأمر إلى وقوعها تحت الاحتلال على غرار ما جرى في العراق سابقا، وما يجرى في ليبيا حاليا، بل يظل النموذج الإيراني في إدارة الدولة نموذجا لدولة ليست عاقلة في كيفية إثارتها للنزاعات والحروب في جوارها الإقليمي من ناحية، وإخفاقاتها المستمرة في توفير الحد الأدنى من المعيشة لمواطنيها الذين يئنون من الفقر والعوز والحاجة من ناحية أخرى، رغم امتلاك طهران لثروات من النفط والغاز، إلا أن قيادتها الدينية والسياسية يضيعونها على طموحات فارسية وأحلام تمددية على حساب دول المنطقة وشعوبها، ومن يدفع الثمن الحقيقي هو الشعب الإيراني.

الأهداف الاستراتيجية لرؤية 2030 (المصدر موقع رؤية 2030)


نهاية القول إن العالم مليء بعديد النماذج والصور من الدول التي تتمايز ما بين دول عاقلة وأخرى مجنونة، ودول ناجحة وأخرى فاشلة، ويظل العامل الرئيسي الحاكم على هذه الدول هو قيادتها السياسية الواعية بتحديات الحاضر الراهن ومتطلبات المستقبل القادم، وهو ما تمثله المملكة العربية السعودية كنموذج لدولة عاقلة لا يمكن أن تغيب عن إدارة شؤون العالم بأسره، وهذه هي الحقيقة التي أثبتتها الأحداث الأخيرة في الزيارة الأولى للرئيس الأميركي جو بايدن إلى المنطقة، فكانت المملكة هي المحطة الرئيسية في مناقشة القضايا العالمية في ظل الأزمة الروسية الأوكرانية، وكذلك القضايا الإقليمية في ظل تصاعد التوترات وتفاقم الأحداث، تقديرا لدور المملكة وحكمة قيادتها وثقل مكانتها إقليميا وعالميا.