أبطال السوبر هيروز: بلا آباء ولا أبناء

تيار الكوميكس لا يتوقف وجديده مثل قديمه
الجزء المقبل من «بلاك بانثر»

هوليوود:  ثمانية من الأفلام العشرة التي تتبوأ قائمة أعلى إيرادات العام الحالي هي أجزاء من أفلام سابقة. أربعة منها هي مسلسلات كوميكس.
الترتيب يأتي على النحو التالي:


الخمسة الأولى هي «توب غن: مافيريك» وهو جزء جديد من «توب غن» قبل قرابة 30 سنة وأنجز في الولايات المتحدة وحدها 602 مليون دولار. يليه في المركز الثاني «Doctor Strange in the Multiverse of Madness» وهو تابع لمسلسل كوميكس بعنوان «دكتور سترانج» وأنجز 411 مليون دولار، ثم «باتمان» بـ369 مليون دولار، وهو أيضاً من سينما الكوميكس كحال Spider-Man: Now Way Home في المركز الخامس بـ232 مليون دولار. بين الفيلمين الثالث والخامس يكمنJurassic World Dominaion بـ353 مليون دولار وهو جزء سادس من السلسلة الشهيرة.


فيلم الكوميكس الآخر في هذا الترتيب يكمن في المركز الثامن مسجلاً 170 مليون دولار في العروض الأميركية. هذا الوضع- بالنسبة لهذا الفيلم- مؤقت لأن الفيلم جديد يواصل جمع ملايينه خلال كتابة هذا التقرير.

تحذير سكورسيزي
في المقابل، هناك أفلام كوميكس جديدة في مراحل مختلفة من الإنتاج: جزء ثان من «بلاك بانثر» انتهى تصويره في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) هذا العام. وجزء جديد من سبايدر مان (بعنوان: Spider-Man: Lotus) انتهى تصويره في بريطانيا للعرض مع نهايات هذه السنة أيضا.
في التصوير «حراس الغلاكسي 3». وفي مرحلة التحضير للبدء بالتصوير Fantastic FourوBlade وCaptain America 4 وVenom 3 من بين أخرى.

«سبايدرمان: لوتوس» في التصوير


هذا الكم الكبير من أفلام الكوميكس بات، بدلالة الإقبال عليها كما أشرنا أعلاه، يؤكد سطوة هذه الأفلام على الإنتاجات كافة، علماً بأن الأفلام المسلسلة غير المقتبسة عن شخصيات مجلات الكوميكس الشعبية، لا تقل عدداً وتحتوي على كل فيلم برهن عن جدواه تجارياً في السنوات الخمس الأخيرة على الأقل.


لا عجب أن المخرج مارتن سكورسيزي وآخرين حذروا من مغبة هذه الهيمنة كونها تمنع ظهور الأفلام الأخرى غير المنتمية إلى هذه النجاحات وتمنح الجمهور نوعاً واحداً من الإنتاجات.


ليس أن أفلام الكوميكس بدعة القرن الحادي والعشرين أو حتى السنوات العشر الأخيرة من القرن الماضي، فهي واكبت السينما منذ العشرينات كإنتاجات رخيصة مقتبسة عن مجلات الكوميكس الشعبية. أفلام طرازان في العشرينات من القرن الماضي تعددت واستمرت عقوداً متوالية. وشخصية «بوباي» (Popeye) شهدت ثلاث دورات في الثلاثينات كذلك شخصية «بلوندي» (1938). أول فيلم سوبرمان ورد سنة 1941 وهو كذلك مقتبس عن شخصية الكوميكس الأشهر حينذاك. «سوبرمان» ظهر في فيلمين آخرين في الخمسينات كذلك «باتمان» الذي ظهر على الشاشة أول مرّة سنة 1966.


العديد من هذه الأفلام كانت مسلسلات شعبية ظهرت في العقد الأول من القرن العشرين. مسلسلات ذلك الحين، وحتى الخمسينات، كانت عبارة عن حلقات أسبوعية تسبق الفيلم الرئيسي مدة كل منها نحو 12 دقيقة باستثناء الحلقة الأولى التي كانت تصل إلى 20 دقيقة. كل حلقة كانت تكمل مشهداً خطيراً تم التوقف عنده في الحلقة السابقة. «نك كارتر» (1908) كان أول مسلسل من هذا النوع وتم إنتاجه في فرنسا كحال مسلسل «فانتوما» (1913) و«مصاصو الدماء» (Les Vampires) سنة 1915 وكلاهما للمخرج لوس فويلاد.


أميركياً، حظى الجمهور هناك بمسلسلات كوميكس من بينها «فلاش غوردون» (أولها سنة 1936) و«زورو» (1939) و«مغامرات كابتن مارفل» (1941). قبل ذلك، وفي عصر السينما الصامتة، كانت هناك أفلام مسلسلة أبطالها ظهروا على صفحات الكوميكس والروايات الشعبية الرخيصة (Pulp Fiction) مثل «ذا فانتوم» و«طرازان» و«ملك الكونغو» وعشرات أخرى.

«فلاش غوردون» تقنيات 1936


حين نطقت السينما ازداد إنتاج هذه الأفلام وكان منها The Shadow وThe Phantom of the Air و The Phantom Empire وThe New Adventures of Tarzan ثم Flash Gordon وThe Shadow ، ومئات أخرى في تيار استمر حتى توقفت تلك المسلسلات في منتصف الخمسينات.

كلهم يتامى
حب الجمهور الأميركي (وحالياً العالمي) لشخصيات الكوميكس لم ينقطع. هو تعبير عن الحاجة إلى بطل استثنائي قادر على الطيران من دون عناء والانتقال من مكان لآخر في ومضة عين ومواجهة الأشرار وتحقيق العدالة الأميركية ونصرة الضعفاء.


ولإضفاء هذه الصفات كان لا بد من أقنعة ورداءات: سوبرمان بالأزرق وباتمان بالأسود وسبايدر مان بألوان متعددة. كان لا بد من جعله غريباً عن هذا الكون قدر الإمكان. في بعض التحليلات هو «المسيح المنتظر» وقد عاد بقدرات خارقة وغير طبيعية. وما يؤكد ذلك أن العديد من أبطال الكوميكس المتحولين إلى أفلام (قديمة وحديثة) لا آباء لهم.


المشترك بين باتمان وسوبرمان وإيرونمان وسبايدرمان ثلاث خصائص. الأولى تشابه الأسماء والثانية كونهم أبطال مجلات الكوميكس في الأساس إذ ليس من بينهم شخصية كتبت خصيصاً للسينما. الخاصية الثالثة هي أنهم بلا آباء.

شخصية سوبرمان السوبر هيرو


هؤلاء، وكابتن مارفل وكابتن أميركا وكل شخصيات «ذا أفنجرز»، يتامى. حتى الشرير «جوكر» يتيم إلى حد ما على الرغم من أنه، في الفيلم الماثل أمامنا هذه الأيام، تعرّف على من قالت له أمه إنه أبوه لكن هذا (متمثل بسياسي بالغ الثراء اسمه توماس واين) ينفي معرفته به.


توماس واين، حسب الكتابة، أنجب بروس واين وبروس واين هو من عضته طيور الوطاويط صغيراً فانقلب إلى «باتمان». حين كان بروس صغيراً شهد مقتل والده توماس واين ما فرض عليه لأن يعيش يتيماً.


هذا الوضع القائم على سؤال «أنا ابن من؟» لا يمت إلى باتمان وجوكر فقط بل ينتشر كقاسم مشترك بين العديد من شخصيات السوبرهيرو بما فيها شيخها الكبير «سوبرمان».


تقول الأسطورة إن سوبرمان وُلد فوق كوكب اسمه كريبتون. هذا ورد في العدد الأول من المجلة التي سُمّيت باسمه (Action Comics) سنة 1938 وأن والده أنقذ حياته عندما بعث به إلى الأرض بعدما بات محتماً دمار ذلك الكوكب. والده بالتالي مات في ذلك العالم البعيد.


المركبة التي حملت سوبرمان الصغير إلى الأرض حطت في الريف الأميركي حيث اكتشفه رجل وزوجته لم يرزقا بأولاد. أخذاه وبدآ العناية به. لكن الحكاية لم تشأ لبطلها أن يعيش في كنف أب عطوف فمات الأب بالتبني كذلك وسوبرمان ما زال شاباً.


الأب الغائب والتبني هما خلفية «ايرون مان» أيضاً الذي ظهر مطبوعاً لأول مرة سنة 1963 ومثل باتمان وسوبرمان وجوكر له اسم آخر يُكنّى به هو توني ستارك. وهو ولد لأب ثري (كحال توماس واين) لكن حادثة سيارة تقضي على والده خلال عمله في أفغانستان، فينشأ توني يتيماً لينصرف لمتابعة أعمال والده. بعد حين سيكتشف أن والده لم يكن أباه بالفعل بل تبناه طفلاً.


لو أوردنا هنا باقي الشخصيات ذات القدرات البطولية الفائقة من سبايدر مان إلى «ذا فانتوم» و«فلاش غوردون» و«كابتن مارفل» سنجد أنهم جميعاً ينتمون إلى نادي اليتامى ذاته. شخصية كابتن مارفل بدورها (وقد ظهرت أول مرة سنة 1939) هي شخصية مزدوجة بدورها. هو كابتن يتمتع بقوّة خارقة (كالعادة). لكنه نشأ يتيماً منذ أن كان في الرابعة عشرة ويعيش حياته العادية تحت اسم وليام بيلي باتسون لكنه سينقلب، بعد سنوات قليلة، إلى محارب قوي في سبيل المظلومين بمجرد نطقه الكلمة السحرية «شازام».

روبرت داوني جونيور بالبذلة في «آيرون مان»


إلى كل ذلك، هو بالتأكيد بلا أبناء. الصحافية واقعة في حب سوبرمان (الذي هو زميلها في الجريدة) لكنه لن يتزوّجها. آيرون مان لديه بعض العلاقات لكنه لا ينجب. باتمان لا ميول جنسية مؤكدة عنده. سبايدرمان لن يتزوّج الفتاة التي يحبها وينجب منها أو يؤسس بيتاً وعائلة.

إنقاذ البشرية
ما يدفع بالسؤال عن السر في ذلك. لماذا كان على ذلك «السوبر هيرو» أن يبلور شخصيته وطاقاته وقدراته الفائقة فقط بعد رحيل الأب؟ الجواب يؤكد التحليل القائل بأن صورة السوبر هيرو هذه رُسمت بوحي ديني في الأساس تتمتع بكل القدرات على صنع الأعاجيب.


نجد بعض الإجابات في المرجعيات الدينية الغربية. في حكايات عيسى وموسى على وجه التحديد. المسيح وُلد بلا أب يرعاه وموسى تم إلقاؤه طفلاً في سلة تطفو على وجه النهر. هذا الغياب المعتمد انتقل إلى حكايات أدبية كثيرة كما حال بطل روايتي تشارلز ديكنز «ديفيد كوبرفيلد»، و«توقعات عظيمة». نلاحظ الغياب نفسه في روايات «الملك آرثر» وصولاً إلى حكايات حديثة العهد مثل حكايات «هاري بوتر» الذي لا نرى له أباً بل يعيش في كنف عمّه القاسي.


علم النفس يتدخل في وصف هذه البطولات. ينفي عقدة أوديب كوننا لا نرى أمهات لهؤلاء الأبطال. ما نراه- لجانب قدرات غير محدودة ولا يمكن تطبيقها في الواقع- شخصيات تؤم المخاطر لكي تنقذ حياة الناس. في كل فيلم من أفلام هذا التيار الحديثة The Avengers, Batman v. Superman,Captain America وسواها مثل Thor: Love and Thunderstorm

هناك من يريد قتل الحياة على الأرض والبطل الخارق (أو مجموعة من الأبطال كما الحال في «ذَ أفنجرز» و«كابتن مارفل») سيمنعون هذه القوى الشريرة من تحقيق ما تصبو إليه. سيتعرض الأبطال إلى نكسات. سيكتشفون أن الأشرار يتمتعون بذات القدرات الخاصة، لكن لا يمكن ترك الأفلام بنهايات تُظهر سيطرة أعداء الحياة على هؤلاء الأبطال فإذا بهم يقاومون ثم ينتصرون ولو بانتظار معركة أخرى في جزء لاحق.
في حديث مع المخرج سام رايمي، الذي أعاد تقديم «سبايدرمان» سنة 2002 قال لي:
السوبر هيرو مطلوب جماهيرياً في عالم لم يعد آمناً. إنه عالمنا اليوم. هذا الربط غير مباشر جداً. أفلام الكوميكس تعتمد على أن يربط المُشاهد بين ما يراه على الشاشة والحياة في عالمنا اليوم. حيال مخاطر كالحروب والأوضاع الأمنية يتطلع الناس إلى منقذ وهذا المنقذ هو «سوبر هيرو»، بلا ريب.

ابتداع الخوف
هذا الكلام صائب تماماً لكنه يعتمد في فحواه على فلسفة البيع المسبق لحالة محتملة. ليس أن الأوضاع الأمنية حول العالم (بالأمس واليوم) لا تستدعي توق الناس إلى خلاص متمثّل بشخصية «سوبر هيرو»، بل على العكس، إنما هذا المخلوق غير الطبيعي ينجلي عن أنه المخلّص والمنقذ. بذلك يتبع مبدأ معمولاً في مجالات عديدة: اخلق احتمالاً خطراً. حوّله إلى واقع. أثر عبره الخوف ثم عالجه بالحل.
هذا نجده ممارساً في حالات كثيرة تبدأ بالإعلانات التلفزيونية (أسرع بشراء هذا المنتج وتخلّص من حب الشباب إلى الأبد أو هل تخشى سقوط شعر رأسك؟ عليك بـ.... إلخ) وتنتهي بالعديد من ضروب الحياة الأخرى، مثل الوضع الذي وجد العالم نفسه فيه عندما انتشر وباء كورونا فانتقل الخوف بالبشر لسماع تعليمات أثبتت عجزها.


في هذا الشأن، أقبل الناس على الفاكسين (الذي يبدو كما لو كان صانعوه حاضرين حتى من قبل انتشار الوباء) على أساس أن حقنة واحدة منه كافية. فجأة بدأ الحديث عن حقنتين ثم ثلاثة. وفي بعض الأخبار أن الفاكسين تسبب في وفيّات غير مُعلنة.
الخوف يثمر ابتكار حل لأن الناس تريد أن تعيش. شخصيات الكوميكس هي الحل. وهمي بالطبع لكنه ملاذ نموذجي. المُشاهد الجالس على كرسيه لا يستطيع أن يوقف قطاراً بيده، ولا أن ينقذ حياة امرأة سقطت من الدور التسعين ولا إعادة توجيه صاروخ نووي وإلقاءه حيث تعيش أسماك البحر، ولا حتى الطيران على ارتفاع متر واحد. لذلك ما يشاهده هو افتقاده لتلك القدرات وتمنياته بأن ينجح أبطاله بإنقاذ الحياة على الأرض من الدمار خلال ساعتين من العرض على الأقل.