السعودية والمغرب تتجهان بقوة نحو تصنيع مركبات المستقبل... ومصر تراهن على التوطين

عقبات في طريق توطين السيارات الكهربائية عربيًا... لكن الآمال ممكنة
السعودية ستتخذ خطوات أسرع فيما يتعلق بتوطين السيارات الكهربائية

القاهرة: تسابق الدول العربية، حاليًا، الزمن نحو نشر ثقافة السيارات الأقل تلويثا للبيئة وشق طريقها نحو إنتاج المركبات الكهربائية، في إطار خطط لتوطين الصناعة والانطلاق نحو التصدير، وكذلك استغلال الاهتمام العالمي المحلي بمواجهة التغير المناخي وتقليل الانبعاثات الملوثة للبيئة.


من بين الدول التي قطعت شوطا في ذلك الملف المملكة العربية السعودية التي دخلت ذلك المجال عبر ذراعها صندوق الاستثمارات العامة الذي يمتلك حاليا ما يقارب 67 في المائة من أسهم شركة «لوسيد» الأميركية كما أنشأ شركة محلية لصناعة السيارات الكهربائية.


وحققت المغرب، التي باتت رقما في صناعة السيارات عالميًا، انطلاقة واسعة أيضًا بعدما أعلن رياض مزور، وزيرها للصناعة والتجارة، أن بلاده بدأت إنتاج 40 ألف سيارة كهربائية، وسيتضاعف العدد خلال الأشهر المقبلة، مؤكدًا أن المغرب لديه منصة قادرة على إنتاج 700 ألف سيارة سنوياً، وكل هذه السيارات يمكن تحويلها لتصبح كهربائية.


كما شهدت إمارة دبي الصناعية إطلاق أول سيارة كهربائية (الدماني) تحمل شعار «صنع في الإمارات» بتصنيع شركة «أم غلوري» الإماراتية، التي تتميز بمدى 405 كيلومترات بشحنة واحدة ويصل سعرها إلى 127.5 ألف درهم، فيما وضعت مصر أيضًا استراتيجية لتصنيع السيارات الكهربائية وحوافز على استخدامها وقطعت شركة النصر للسيارات التابعة للدولة شوطا في اتفاقيات شراكة مع مصنع صيني تمهيدا لبدء الإنتاج.

سيارة لوسيد المنافسة لتسلا والتي تبدأ تصنيع سياراتها الكهربائية في السعودية عام 2024 (رويترز)

المساعي مرتبطة بأوضاع دولية
لكن علاء السبع، عضو مجلس ًإدارة شعبة السيارات باتحاد الغرف التجارية ورئيس شركة «السبع أوتوموتيف»، يقول إن مساعي الدول العربية لتوطين صناعة السيارات الكهربائية ونشرها محليا، تواجه تحديات مرتبطة بأوضاع الصناعة عالميا.


ويضيف أن التوقيت يمثل أول العقبات، فالعالم يواجه حاليا أزمة الرقائق ونقص في أشباه الموصلات، بجانب تعقيدات في عمليات الشحن وارتفاع تكاليفه، الأمر الذي يخلق حالة تباطؤ لدى الشركات الأم التي يسعى العرب إلى التعاون معها.


وقال إن استراتيجية تنمية صناعة السيارات يتم الحديث عنها منذ فترة، وهدفها توطين الصناعة محليًا من خلال تدرج التحفيز وفق عدة محاور مستهدفة، وهي عدد السيارات المنتجة ونسبة المكون المحلي فيها وحجم الاستثمارات الكلية، بجانب حوافز خاصة للسيارات الكهربائية والصديقة للبيئة.


وقال السبع إن المنطقة الصناعية لشرق بورسعيد تتمتع بمزايا استثنائية أولها موقعها الجغرافي في قناة السويس الذي يجعلها قريبة من المناطق اللوجستية والموانئ، مما يسهل إقامة المصانع بالمنطقة وحركة البضائع ومستلزمات الإنتاج منها وإليها، كما تتضمن مشروعات لتصنيع السيارات وكذلك الصناعات المغذية، ومن المتوقع أن تجذب استثمارات كبيرة خاصة من قبل الشركات ذات الخبرة الطويلة في التصنيع.


واشتركت 3 شركات سيارات عالمية في إعداد الاستراتيجية الوطنية لصناعة السيارات في مصر التي استغرق إعدادها 6 أشهر، وأبدت اهتماما للتحول من مرحلة الدراسات إلى المشاركة بجدية في المشروع الذي يتم حاليًا بمنطقة قناة السويس الذي يتمثل في إنشاء مجمع صناعي للسيارات يضم أكثر من شركة.

سيارات كهربائية محلية الصنع تجوب طرقات المغرب لتوزيع البريد


ويقول السبع إن المعايير اللازمة لنجاحها التي نتمنى تحقيقها لمصر والدول العربية تتضمن سرعة التطبيق على أرض الواقع دون بيروقراطية، وإزالة أي عوائق تمنع تطبيق الحوافز، وحل التحديات التي تواجه صناعة السيارات عالميًا وأبرزها توافر الرقائق وتكلفة الشحن، وتوافر مكونات السيارات.

تحديات أمام صناعة السيارات
وتعاني دول العالم حاليًا من التأثيرات الخارجية لصناعة السيارة بداية من كورونا والرقائق وأخيرا الحرب الروسية الأوكرانية، لكن في مصر يضاف إليها بعض التحديات فيما يتعلق بفتح الاعتمادات المستندية بالقطاع المصرفي.


يتوقع السبع أن تعاني السوق المصرية نقصا في المعروض من السيارات المستوردة حتى شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) المقبلين، فالسيارات تمثل سلعة ترفيهية، وليست أساسية بالنسبة لأولويات فتح الاعتمادات المستندية، لكنه قال إن الاستراتيجية كان يجب تطبيقها لوضع حجر الأساس والبيئة اللازمة لحين استقرار صناعة السيارات عالميا.


ومنذ خروج قطاع من المستثمرين الأجانب أو ما يعرف بالأموال الساخنة من سوق أدوات الدين الحكومية (أذون وسندات الخزانة) والتي بلغت 20 مليار دولار، تعرض الاحتياطي النقدي لمصر لانخفاض واضح، وبدأت الدولة تقلص الاستيراد وتجعله محصورا على السلع الغذائية والمواد الخام والسلع الوسيطة، وبالتالي على حجم الاستيراد، مما أثر على توافر السيارات المستوردة في السوق.


وبالنسبة للموقف في الخليج، يقول السبع إن الأمر في كل دولة مرهون بسرعة الإجراءات التي يتم اتخاذها محليا لدفع التصنيع لكن المشكلة في حالة تباطؤ التصنيع عالميا في الشركات الأم ويختلف حجم التحديات بحسب الوضع على الأرض أي إنه كلما كانت الدولة تبدأ من الصفر في توفير البنية التحتية كانت التحديات أكبر.

من حفل التوقيع الرسمي لمجموعة اتفاقيات لإطلاق عمليات بناء منشأة AMP-2 لتصنيع مركبات «لوسِد» الكهربائية عالمية المستوى داخل المملكة

السوق السعودية
وتوقع السبع أن تتخذ السوق السعودية خطوات أسرع فيما يتعلق بتوطين السيارات الكهربائية على مستوى الاستخدام والتصنيع، لكنها ستواجه أيضا تحديا يتعلق بالتباطؤ العالمي، مضيفا أن الدول العربية تسعى لتوطين الطاقة الكهربائية حاليا لأن الهيدروجين الأخضر لا يزال تقنية جديدة فيما يتعلق بتوليده واستخدامه في السيارات، وفي مصر على سبيل المثال تم توقيع مذكرات تفاهم على مشروعات في هذا الصدد، والأمر يحتاج إلى وقت للحكم على سرعة تحويل تلك المذكرات إلى عقود تتضمن جدولا زمنيا للتنفيذ، والإجراءات والعقود والتدشين على أرض الواقع.


ويؤكد الخبير الاقتصادي نادي عزام أن الدول الأقرب لتحقيق الانطلاقة القوية في سوق السيارات الكهربائية هي المغرب والسعودية والإمارات لأنها قطعت أشواطا سريعة في ذلك المجال بجانب توافر الفوائض المالية الكبيرة من جراء ارتفاع أسعار النفط يساعد المملكة تحديدا على اتخاذ خطوات واسعة نحو الانطلاق في سيارات المستقبل.


ورغم جائحة كورونا، استطاعت المغرب إنتاج أكثر من 700 ألف سيارة في 2020، ووفرت الصناعة أكثر من 180 ألف وظيفة، كما استطاعت تحقيق عوائد صادرات، في العام قبل الماضي، بقيمة 7.2 مليار دولار أميركي، واستقبلت 74 دولة سيارات صنعها المغرب في العام ذاته، لكنها تواجه مثلها مثل باقي دول العالم تحديات فيما يتعلق بأشباه الموصلات.


ويقول عزام إن التقارير الدولية تشير إلى أن المستقبل واعد أمام مصنعي السيارات الكهربائية لإضافة نحو مليون مركبة بشكل شهري خلال النصف الثاني من عام 2022، وهذا يعادل مركبة واحدة تقريباً كل 3 ثوان، بينما شهد يونيو (حزيران) الماضي حركة 20 مليون مركبة كهربائية على الطرق عالميا مقابل مليون مركبة كهربائية فقط عام 2016.


وساهم ارتفاع أسعار النفط منذ الحرب الروسية الأوكرانية في زيادة الإقبال على السيارات الكهربائية وتوجه الشركات العالمية بقوة لتلك الصناعة، خاصة أن 66 في المائة من المنتجات النفطية يتم استهلاكها من قبل قطاع النقل عالميًا، ونصفها تقريباً في النقل البري أي السيارات والمركبات الماضية على الطرق حول العالم.


ويقول اللواء حسين مصطفى، خبير السيارات والمدير التنفيذي السابق لرابطة مصنعي السيارات، إن الحكومة المصرية تدعم وجود السيارات الكهربائية في السوق المحلية عبر الجمارك الصفرية بجانب فرض جمارك بسيطة على مكونات محطات الشحن لا تتعدى 2 في المائة، وكذلك إلغاء ضريبة الترخيص على السيارات الكهربائية مع حافز أخضر للسيارات المزمع إنتاجها محليًا.

شركة «المنصور» المصرية للسيارات أعلنت عن إبرام اتفاق مع شركة «جنرال موتورز» الأمريكية حول دراسة التصنيع المشترك للسيارات الكهربائية في مصر (رويترز)

100 ألف سيارة سنوياً
تنتج مصر حوالى 100 ألف سيارة سنوياً، حيث يوجد فى مصر حوالي 18 مصنعاً للسيارات و80 مصنعًا رئيسيًا للصناعات المغذية و300 مصنع فرعى للصناعات المعاونة للصناعات المغذية، ويتم تصدير جزء من منتجاتها للخارج، كما وقعت مذكرة تفاهم بشأن إنشاء مجمع تصنيع السيارات المشترك بالمنطقة الصناعية بشرق بورسعيد بقدرة استيعابية لتصنيع 75 ألف مركبة سنوياً كمرحلة أولى.


ويضيف مصطفى أن صناعة السيارات الكهربائية من المزمع أن تبدأ في 2023 سواء في النصر للسيارات أو في مصانع القطاع الخاص، خاصة أن استيراد السيارات الهجينة والمستعملة متوقف منذ فترة طويلة أيضًا انتظارًا للسيارات المصنعة محلًيا، ونتمنى أن نصل إلى صناعة السيارات الكهربائية في 2023، وتدعيم البنية التحتية من مراكز الخدمة الخاصة بها.


وأكد أن الاجتماع الأخير الذي عقدته الحكومة المصرية مع ممثلي البنوك الكبرى وشركات السيارات بمصر، أسفر عن إنشاء لجنة دائمة في مجلس الوزراء لتسهيل الإفراج عن السيارات الموجودة بالموانئ وتشكيل لجان مماثلة في الوزارات المعنية لتنفيذ التعليمات الأمر الذي من شأنه تعويض النقص الحاد في المعروض من السيارات بالسوق وتلبية الطلب الذي يتجاوز المعروض وأدى لارتفاع الأسعار إلى درجة غير مسبوقة.


وقال إن الدولة حريصة على توطين صناعة السيارات خاصة غير الملوثة للبيئة ورفع نسبة المكون المحلي في التصنيع، بما يقلل الاستيراد من الخارج ويعمل على تلبية احتياجات المواطنين وحل مشاكل قطاع السيارات الذي عانى الكثير من الصعوبات خلال السنوات الأخيرة، بداية من جائحة كورونا، ثم أزمة نقص الرقائق الإلكترونية، وأخيرًا الحرب الروسية الأوكرانية، والتي سببت نقصًا في الإنتاج العالمي من السيارات الكاملة.