إسرائيل تستهدف «رأس الأخطبوط» في إيران... وليس «مخالبه»

تصعيد وتيرة أنشطة الاستخبارات في المنطقة
حرب الاستخبارات بين إسرائيل وإيران أصبحت مفتوحة، براً وبحراً وجواً

بون: سنوات طويلة، وحرب الجواسيس بين إسرائيل وإيران، لم تخرج للعلن، ولكن خلال الأشهر الأخيرة اعترفت كل من إسرائيل وإيران بأنهما نفذتا عمليات ضد بعضهما البعض، لتنتقل المواجهة من الحرب «الخفية» أو «حرب الظل» إلى المواجهة الساخنة، بل توسعت، لتشمل الحروب السيبرانية.
خلال الأسابيع الماضية، شهدت القوات المسلحة الإيرانية ومراكز البحوث العسكرية عددًا مقلقًا منع عمليات الاغتيالات أو الوفيات الغامضة. واعترفت طهران مطلع شهر يونيو (حزيران) 2022، بعد أن ظلت صامتة طويلا، بوفاة اثنين من ضباط الحرس الثوري الإيراني، أحدهما برتبة عقيد، اغتيل يوم 22 مايو (أيار) على يد مسلحين بدراجات نارية، وآخر بعملية «انتحار» غامضة. أشادت إيران بـ«استشهاد» مهندس في موقع بارشين العسكري الذي يطور صواريخ وطائرات مسيرة، والمتهم بقيامه بأبحاث نووية عسكرية. كان المهندس ضحية هجوم بطائرات دون طيار صغيرة أواخر مايو (أيار) 2022. أخيرًا، أفادت وسائل إعلام محلية عن مقتل عالمين اثنين يوم 4 يونيو (حزيران) 2022، أحدهما تسمم في مدينة يزد.

سلسلة اغتيالات
يبدو أن سلسلة الاغتيالات هذه غير مسبوقة من نواحٍ عديدة، بادئ ذي بدء، طبيعة الأهداف: لم يكن لضابطي الحرس الثوري أي صلة على الإطلاق ببرنامج إيران النووي وبعده العسكري المحتمل، الذي لطالما استهدفته أجهزة المخابرات الإسرائيلية. وفوق كل شيء، أدت هذه الاغتيالات إلى تصريحات متعددة للصحافة من قبل مصادر أمنية «إقليمية» أو إسرائيلية صراحة، تشير إلى أنها مسؤولة عن بعض هذه العمليات.

موقع اغتيال محسن فخري زادة، أبرز العلماء النوويين الإيرانيين (أ. ب)


كان مهندس طيران إيراني عائداً إلى منزله من العشاء مع زميل له مساء يوم 31 مايو 2022 في مدينة يزد الإيرانية بوسط إيران، عندما شعر فجأة بالمرض وفقد الوعي، نُقل أيوب انتصاري إلى المستشفى، حيث توفي بعد عدة محاولات فاشلة لإنعاشه، بحسب وسيلة إعلامية إيرانية معارضة، ذكرت التقارير أن سبب الوفاة كات عملية اغتيال بالسم.


وتستمر «الدراما الجاسوسية» الإسرائيلية، ومع ذلك فمن المعقول أن يكون الموساد الإسرائيلي وراء مقتل انتصاري. استأنفت وكالة التجسس الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة، حملتها بتنفيذ عمليات اغتيال تستهدف الإيرانيين. حرب الاستخبارات بين إسرائيل وإيران أصبحت مفتوحة، براً وبحراً وجواً وفي الفضاء الإلكتروني ومن خلال وكلاء منذ عام 1982.

خلايا إيرانية في تركيا
خلية إيرانية تخطط لهجوم ضد إسرائيليين في تركيا: ذكرت وسائل إعلام تركية يوم 23 يونيو 2022 أن ثمانية مشتبه بهم، من بينهم مواطنون إيرانيون، كانوا يخططون لشن هجمات على مواطنين إسرائيليين في تركيا، تم اعتقالهم في عملية مشتركة للشرطة وجهاز المخابرات الوطني. أفادت وكالة أنباء (IHA)أن «الخلايا» التي تعمل لحساب المخابرات الإيرانية اعتقلت في عملية بمدينة إسطنبول في وقت سابق من تنفيذ العملية الإرهابية.
وفي هذا السياق، داهمت القوات الأمنية التركية، ثلاثة مساكن في أنحاء المدينة وفندق في حي بيوغلو بالمدينة، واعتقلت المشتبه بهم وضبطت أسلحة في وقت سابق من  شهر يونيو 2022. وفي أعقاب ذلك حثت إسرائيل مواطنيها على تجنب السفر إلى إسطنبول.


يقول الدكتور إيلي كرمون، باحث أول في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب في جامعة رايشمان في هرتسليا في وسط إسرائيل، أن تركيا لها تاريخ طويل كمنصة انطلاق لنشاط عدائي ضد أهداف إسرائيلية. على سبيل المثال، يُزعم أن عضوًا في الحرس الثوري الإسلامي، منصور رسولي، خطط لاغتيال دبلوماسي إسرائيلي بالقنصلية في إسطنبول في أبريل (نيسان) 2022، لكن استخبارات الموساد أحبطته. لم تكن هذه أول محاولة إيرانية لمهاجمة أهداف إسرائيلية على الأراضي التركية. كما يتذكر كارمون: «نعلم أن الإيرانيين حاولوا في الماضي اغتيال قنصلنا في إسطنبول. في التسعينات، ومؤخرًا، حاولوا اغتيال أحد أغنى رجال الأعمال اليهود، وهو أيضًا مواطن إسرائيلي».

جنازة العقيد حسن صياد خدايي الذي تعرض للاغتيال في وضح النهار في طهران (رويترز)


ورأى حازم سعيد، الباحث في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، في حديث لـ«المجلة» أن إسرائيل عازمة على إحباط مساعي إيران بالوصول إلى السلاح النووي، وتحت أي ثمن، الضغوطات الإسرائيلية كانت واضحة على الإدارة الأميركية أيضا، وهذا يعني أن إيران في أي حال من الأحول إن وصلت إلى اتفاق حول الملف النووي أم لم تصل، فإنها سوف لا تكون قادرة على الحصول على السلاح النووي. وبالتوازي مع ذلك سوف تصعد إسرائيل عملياتها المخابراتية داخل إيران بتنفيذ عمليات اغتيال لقادة الحرس الثوري الإيراني ولعلماء الطاقة الإيرانية.
إسرائيل تزيد من ضغوطها على إيران


 هذه هي سياسة إسرائيل المعلنة، حيث قال رئيس الوزراء نفتالي بينيت، إن إسرائيل ستلاحق رأس الأخطبوط الإيراني، بدلاً من مجرد محاربة المخالب. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تحارب المخالب. وشُنت مؤخراً غارات جوية على مطار دمشق الدولي، حملت وسائل إعلام سورية إسرائيل مسؤوليتها. لكن هل هذه استراتيجية ناجحة؟ هل الضربة الأخيرة لمطار دمشق، «ضربة خاسرة»؟ كون النظام السوري قام بالفعل بإصلاح ممرات المطار المتضررة. هذا يعني أن سوريا مستعدة للعودة إلى وضعها الطبيعي ولكن في نفس الوقت هذا يعني، من حيث الجوهر، أن سوريا لا تزال منطقة مفتوحة للضربات الإسرائيلية.

المفهوم الأمني ​​الإيراني: إبعاد أعدائها عن حدودها
المفهوم الأمني ​​الإيراني الأساسي هو إبعاد خصومها عن حدودها قدر الإمكان، في الواقع، استخدام إيران لـ«نموذج الوكيل»، الذي تعتمد بموجبه على الجماعات، والميليشيات المتطرفة من غير الإيرانيين كجزء من استراتيجيتها الدفاعية الأمامية. وعليه، تبذل طهران جهودًا كبيرة لإبعاد إسرائيل والولايات المتحدة عن القدرة على تهديد حدودها بشكل مباشر. ومن أهم مساعيها في هذا الصدد بناء «حلقة النار» التي تحيط بإسرائيل، من خلال حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، وحماس و«الجهاد الإسلامي» في غزة.

صورة أرشيفية لوصول جثامين 3 إسرائيليين قُتلوا إثر تفجير في منطقة سياحية بإسطنبول في مارس 2016 (غيتي)


عمليًا، أطلقت إيران خلال شهر مارس (آذار) 2022، وابلًا من الصواريخ الباليستية على العراق، وزعمت أنه هدف إسرائيلي. الآن، كما يقول المسؤولون، كان الهجوم ردا على غارة جوية إسرائيلية سرية في السابق على مصنع إيراني للطائرات دون طيار. تمثل الضربات المتبادلة تصعيدًا مقلقًا في حرب الظل الطويلة بين إسرائيل وإيران، حيث يدفع كلا الجانبين حدود الصراع الذي أربك أيضًا الولايات المتحدة والعراق الآن.


يعد الهجوم على منشأة الطائرات دون طيار الإيرانية جزءًا من نهج جديد لإسرائيل لمواجهة برنامج إيران المتنامي للطائرات دون طيار، وهو اعتراف ضمني بأنه من الأسهل تدمير طائرة دون طيار وقائيًا بدلاً من اعتراضها في الطريق. وقد تم نشر طائرات إيرانية دون طيار في العديد من الهجمات ضد إسرائيل، وكذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على قاعدة أميركية في سوريا، وفقًا لمسؤولي المخابرات.


بالنسبة لإيران، فإن الضربة الصاروخية في أربيل، العراق، تعكس سياسة أكثر عدوانية للرد على الهجمات الإسرائيلية وسياسة أكثر علانية: على عكس معظم الهجمات السابقة المنسوبة إلى إيران، أعلنت إيران، وليس أحد وكلائها، مسؤوليتها على الفور عن هذا، علامة على الثقة في أنه يمكن أن يفعل ذلك مع الإفلات من العقاب. كان استخدام إيران للصواريخ الباليستية بدلاً من الصواريخ أو الطائرات دون طيار تصعيدًا خطيرًا أيضًا.


يقول نفتالي بينيت، رئيس وزراء إسرائيل: «نحن نطبق مبدأ الأخطبوط. لم نعد نستهدف المخالب، مع وكلاء إيران؛ لقد أنشأنا معادلة جديدة باستهداف الرأس». وفي حديثه إلى «الإيكونوميست» بعد ما يقرب من عام في منصبه، يشرح كيف أن إسرائيل وخدماتها السرية تزيد من المخاطر في الحرب الغامضة التي خاضوها مع إيران منذ ما يقرب من أربعة عقود. وأضاف: في الماضي، وجهت إسرائيل هجماتها على إيران بشكل شبه حصري لبرنامجها النووي والعلماء المرتبطين بها. عندما ضربت إسرائيل أهدافًا إيرانية أخرى، مثل الحرس الثوري وفيلق القدس التابع له، كانت تميل إلى القيام بذلك في دول ثالثة، مثل سوريا.

توسع الحرب الإلكترونية بين إسرائيل وإيران
الهجمات الإلكترونية المتبادلة، لحد الأن يمكن وصفها بأنها محدودة التأثير، خاصة تلك التي تستهدف البنى التحتية لكلا البلدين. ومع ذلك، فكلا الطرفين لديهما القدرة والاستعداد، ولا سيما إسرائيل، لإحداث أضرار أكثر خطورة وإلحاق أضرار اقتصادية مع تزايد المخاوف الإسرائيلية بشأن برنامج إيران النووي.


وقد أصبح معروفا، أن إسرائيل وإيران تستهدفان بعضهما البعض على عدد من الجبهات، بما في ذلك الهجمات الإسرائيلية على وكلاء إيران في سوريا والهجمات الإيرانية على الشحن البحري في الخليج، إلى جانب استخدام الحرب الإلكترونية. تجعل الطبيعة السرية للحرب السيبرانية من المستحيل تحديد المسؤول عن هجمات معينة؛ لا تعترف أي من الحكومتين علنًا بدورها، وغالبًا ما يتم شن الهجمات من قبل مجموعات بالوكالة قد تكون أو لا تكون تابعة للحكومة، وغالبًا ما يُعتقد أن أطرافًا ثالثة مسؤولة عن بعض الهجمات على الأقل. ومع ذلك، كانت هناك زيادة ملحوظة في الهجمات الإلكترونية عبر الإنترنت التي تستهدف المدنيين في الأشهر الأخيرة.


هذا كان جزءا مما وصفته الحكومة الإسرائيلية، بـ«مبدأ الأخطبوط»، وهو توسع جديد ومحفوف بالمخاطر في حملتها ضد القدرات العسكرية والنووية لإيران. إذا كانت إسرائيل قد ضربت إيران في الداخل في السنوات الماضية، فقد تم ذلك سرًا- عادةً من خلال جواسيس وهجمات إلكترونية- واستهدفت دائمًا العلماء والمنشآت النووية الإيرانية. على مدار ما يقرب من عقد من الزمان أيضًا، لم تُخفِ إسرائيل حملتها من الضربات الجوية، في المقام الأول داخل سوريا، ضد الميليشيات المتحالفة مع إيران وشحنات الأسلحة. لكن الآن، يصف المسؤولون الإسرائيليون صراحةً «استراتيجية دفاعية جديدة»، كما أطلق عليها أحدهم تستهدف رأس الأخطبوط في إيران، وليس فقط مخالبه عبر المنطقة في أماكن مثل سوريا، لبنان وغزة والعراق.

النتائج
ـ انخرطت إسرائيل وإيران في حرب سرية إلى حد كبير ولسنوات طويلة، وأبقيا عملياتهما مختصرة ومحدودة، وإن لم تكن سرية تمامًا، على الأقل يمكن إنكارها، في محاولة لمنع حرب مباشرة واسعة النطاق لا يريدها أي من الطرفين. ولكن كما تظهر الضربات الأخيرة، فإن كل جانب على استعداد لاختبار تلك الحدود.


ـ تمكنت إيران من بناء قدرات استراتيجية بالقرب من حدود إسرائيل، لكن يبدو أن هذه المساعي الإيرانية قد تآكلت بشكل كبير في الآونة الأخيرة. من وجهة نظر طهران، سمحت سلسلة من الأحداث في السنوات الأخيرة، وأكثر من ذلك في العام الماضي 2021، لإسرائيل بتوسيع موطئ قدمها بشكل كبير بالقرب من حدود إيران، وهو تطور تسبب في قلق كبير للقيادة الإيرانية.


ـ يبدو أن حرب الظل التي خاضتها إسرائيل وإيران على مستويات متفاوتة  لعدد من السنوات قد توسعت إلى ساحة جديدة، حيث يبدو أن البلدين يتابعان بشكل متزايد هجمات إلكترونية على أهداف مدنية.


لقد خرجت الحرب الجارية بين إسرائيل وإيران عبر الشرق الأوسط من الظل وظهرت في العلن منذ فترة طويلة. ولكن الآن، على خلفية العديد من الهجمات الإسرائيلية المشتبه بها داخل إيران نفسها، يهدد الصراع المميت بالتصعيد، ربما خارج المنطقة.


بات متوقعا، أن تشهد حروب الجاسوسية، والاستخبارات بين إسرائيل وإيران توسعا، ومن المرجح أن تبقي إيران على استراتيجيتها، بنقل المواجهة خارج أراضيها وهذا يعني أن دول الجوار الإيراني سوف تشهد تصعيدا في وتيرة أنشطة الاستخبارات الإيرانية، من خلال تجنيد عناصر غير إيرانية تعمل بالوكالة، وهنا الحديث عن الميليشيات في سوريا والعراق ولبنان واليمن ومناطق أخرى. بالإضافة إلى أن تركيا وأذربيجان من الساحات التي من المرجح أن تشهد أنشطة أكثر للاستخبارات الإيرانية.