لكي يعلم نصر الله

في العام 2006 قرر حزب الله أسر جنديين إسرائيليين، متوقعا أن حكومة أولمرت ستلتزم بـ«تفاهم نيسان». حصل ما لم يكن في الحسبان، وشنّت إسرائيل حربا شرسة شملت كل لبنان ودمّرت بناه التحتية معلنة بذلك انتهاء مفاعيل تفاهم نيسان الذي كان أرساه عام 1996 الرئيس رفيق الحريري بعد «عناقيد الغضب»على أساس تحييد الأهداف المدنية في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله. من هنا أتى تعبير أمين عام حزب الله: «لو كنت أعلم»غداة انطلاق حرب تموز. والمعنى أنه لو علم بنية إسرائيل لما كان أقدم على تلك المغامرة.

والسؤال: ماذا يعرف اليوم أمين عام حزب الله ليقرر إطلاق مسيراته نحو حقل كاريش بكل ثقة مع علمه المسبق بأن الحرب إن نشبت اليوم ستكون مكلفة جدا على لبنان عامة وعليه خاصة وحزبه ومناطقه وناسه من الناحية اللوجستية؟ مثلا في موضوع إعادة التسليح ثم صعوبة إعادة الإعمار بعد الدمار الهائل الذي ستخلفه تلك الحرب.

احتمال الحرب بين الطرفين قائم دائما والبعض يظن أنه حتمي، ولكن يعتقد حزب الله من خلال قراءته للواقع السياسي أن المسيرات التي أطلقها باتجاه إسرائيل لن تكون سببا في اشتعالها.

من دون أي شك، أمين عام حزب الله على علم بما يجري في فيينا وقطر، وحماسة روبرت مالي لإعادة تفعيل الاتفاق النووي، وتقديمه التنازلات الكبيرة لإيران من أجل حثّها على التوقيع. أمين عام حزب الله يعرف أيضا أن تلك الإدارة حذرت إسرائيل من الدخول في حرب مع أعدائها في المنطقة وهي قد عبرت باسم البيت الأبيض وقبل زيارة الرئيس بايدن لمنطقة الشرق الأوسط أن الدبلوماسية هي الطريق الوحيد للحل. وربما تكون السفيرة الفرنسية قد نقلت له فحوى رسالة ماكرون لرئيس وزراء إسرائيل بأن الحرب في هذه الظروف التي يمر بها العالم وأوروبا خصوصا جراء الأزمة الأوكرانية مرفوضة لأن من شأنها أن تزيد الأمور تعقيدا، خاصة فيما يتعلق بأسعار البترول المرتفعة أصلا.

يعرف أيضا أمين عام حزب الله أن إسرائيل لا ترغب في الحرب حاليا وأن إدارتها اليوم ضعيفة جدا وهي تخضع لإملاءات إدارة بايدن، ففي حين ينصح الجيش الإسرائيلي بوقف المسار التفاوضي مع لبنان تستمر الإدارة السياسية في إسرائيل بضغط أميركي للعمل به. وكانت إفادة بعض التقارير الصحافية بأن الوسيط الأميركي هوكشتين أخبر الإسرائيليين بأنه «قلق بشأن تصعيد محتمل»وبأنه يريد الاستفادة من «الفرصة عندما يكون لدى كلا الجانبين حافز للتوصل إلى صفقة وتجنب حدوث تصعيد»، وهم على هذا الأساس أبقوا نافذة المفاوضات مفتوحة.

يعلم أمين عام حزب الله أن حقل كاريش لا يمكن أن يخفف من أزمة الغاز في أوروبا وليس حلا لها، إذ إن هذا الحقل فقير نسبيا إذا ما قارناه مع حقلي تمار وليفيتان؛ إذ لا يحتوي على كميات يمكن أن تعوض النقص الذي تعاني منه أوروبا جراء انقطاع جزء من إمدادات الغاز الروسي لها. مما يعني التأخير في استخراج الغاز من هذا الحقل الذي لن يقدم كثيرا أو يؤخر لدى الإسرائيليين.

إذن يرتكز إطلاق مسيّرات حزب الله على حقل كاريش على السياق الآتي: إدارة أميركية متماهية مع إيران وتريد توقيع اتفاق معها يزيل عنها العقوبات ويغدق عليها مليارات الدولارات من دون ضمانة عدم امتلاكها السلاح النووي، إدارة إسرائيلية ضعيفة تجاه الضغوط الأميركية والأوروبية التي تدفعها في اتجاه قبول مطالب لبنان في خط 23 وحقل قانا خوفا من اندلاع حرب.

ولكن، هل يمكن أن تتغير الأمور؟ هل يمكن لهذا السياق أن يخرج عن مساره؟ وهذه النافذة المفتوحة اليوم والتي تحدث بها الوسيط الأميركي هوكشتين هل تبقى مفتوحة؟ هناك انتخابات في إسرائيل؛ ماذا إن عاد نتنياهو إلى الحكم؟ ثم هناك انتخابات نصفية في الولايات المتحدة، ماذا إذا ربح الجمهوريون الأكثرية في المجلسين؟ هل يبقى نصر الله على إصراره بخوض الحرب مع إسرائيل إن لزم الأمر أم تنقذه من مأزقه إدارة بايدن وتجبر إسرائيل على توقيع الاتفاق؟

إن كانت الرياح اليوم مواتية لإيران فقد يتغير الوضع قريبا وهذا يقال لكي «يعلم»نصر الله.