أوكرانيا: عندما يكون الوطن أكثر من مجرد مكان

أتساءل: ما هو «الوطن»؟ أهو المكان الذي يولد فيه المرء، أم هو مكان في القلب يحمل معنى خاصا؟ أو ربما هو مكان يمثل الأمان، حتى وإن افتقد جميع المشاعر العاطفية؟ عندما لا يكون «الوطن» خيارا، هل يتم اختيار وطن لأسباب تتعلق بالنجاة؟...

 

إن الآثار المدمرة للحرب على بلد ما وعلى سكانه لا يمكن أن تعبر عنها الكلمات. بينما يجتمع قادتنا السياسيون محاطين بحراستهم الأمنية المشددة، تواجه الغالبية العظمى من شعب هذا البلد المستحيل لكي يؤدوا مهامهم اليومية.

 

وهنا أود أن أروي قصة شخصية واحدة فقط، مرت مؤخراً بمأساة تعكس ما يعنيه أن يعيش المرء في خوف بعد أن أصبح في مواجهة الحرب.

اسمها ليوبوف وعمرها 48 عاماً، وهي في الأصل من أوكرانيا. تبدو عيناها البنيتان متعبتين ويمكنك أن تلاحظ فيهما حزناً جلياً. تربط شعرها القصير بعناية إلى الخلف. وعلى الرغم من الذعر الذي مرت به في الشهور السابقة، تبدو لطيفة متمسكة بالأمل بكل ذرة من جسدها الصغير.

جاءت ليوبوف في الأصل من بلدة تشيركاسي الصغيرة، التي تبعد عن كييف ثلاثمائة كيلومتر. قبل اندلاع الحرب، كانت تعمل في متجر نسائي كمنسقة أزياء وبائعة. أحبت ليوبوف حياتها في أوكرانيا. وعلى الرغم من تواضعها واجتهادها الطموح في العمل، كانت دائماً ما تتبنى نظرة مدروسة وعازمة وعطوفة في الحياة. كانت تشيركاسي تحب وطنها، حيث أمضت أغلب سنوات حياتها، وحلمت بحياة مُرضية في سلام. هناك شعرت بأول معاني الحب. البعض يقول: «ما أحلى الديار»، فقد أرادت ان تكمل حياتها هناك وأن تستمتع بتقاعدها فيها فيما بعد محاطة بعائلتها. ولكن كل شيء تغير. وتحولت حياتها فجأة، كما هو الأمر مع الجميع في هذا البلد الجميل في الشهور الأولى من عام 2022.

في الرابع والعشرين من فبراير (شباط) عام 2022، غزت روسيا أوكرانيا في تصعيد كبير للحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت عام 2014. في نهار أحد أيام فبراير الباردة، وفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء، أصدر فلاديمير بوتين أوامره بشن «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا، بهدف «منع عسكرة ونازية» أوكرانيا. وأطلقت القوات الروسية الهجمات الصاروخية والمدفعية لتصيب مدنا أوكرانية كبرى بما فيها كييف.

عند سؤال ليوبوف عن مشاعرها في أثناء الأسابيع السابقة للغزو في الرابع والعشرين من فبراير، قالت إنه كان لديها هاجس بأن شيئاً ما سوف يقع. تحدث الناس عن الأمر كثيراً، وكانت رائحة الحرب تملأ الأجواء، ولكنهم لم يرغبوا في تصديقها حتى آخر لحظة. وكان الجميع يتمسكون بالأمل، على الرغم من أن حشد القوات كان يجري منذ نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2021. قالت ليوبوف في حزن بالغ: «لم يرغب أحد أن يصدق الأمر».

تسبب الغزو الروسي في أكبر أزمة لاجئين إلى أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وتشير البيانات التي كشفت عنها «رويترز» في 23 يوليو (تموز) عام 2022 إلى إحصائيات مفزعة، حيث قتل 47.000 شخص على الأقل، بالإضافة إلى 13.000 مدني تعرضوا لإصابات غير قاتلة. وفر أكثر من 9.8 مليون شخص من الدولة، وهو ما يعادل ثلث سكانها الذين تحولوا إلى نازحين.

ليوبوف واحدة من هؤلاء النازحين. لحسن الحظ لها ابنة، وزوج ابنة، وحفيدتان، يقيمون في إنجلترا، ويستقرون بها منذ أكثر من أربعة أعوام. وبالتالي استطاعت التقدم بطلب الانضمام إلى برنامج العائلة الأوكرانية. وكما أعلنت الحكومة، يسمح هذا البرنامج للمتقدمين بالانضمام إلى أفراد عائلتهم أو مد فترة إقامتهم في المملكة المتحدة. وسوف يتمكنون من الإقامة والعمل والدراسة في بريطانيا والحصول على نفقة من الحكومة.

سألتُ ليوبوف ما الذي جعلها تقرر مغادرة أوكرانيا والمجيء إلى بريطانيا. كان ذلك الشعور بالقلق والخوف وصافرات الإنذار هو ما دفعها في النهاية إلى الهرب من بلدها الذي تحبه بشدة. قالت إن كل شيء هناك غارق في الذعر والخوف.. «لقد بدأنا نسمع انفجارات بالقرب من البلدة، وكانت الطائرات تحلق فوق المنازل باستمرار. كان الوضع يزداد سوءاً كل يوم عن سابقه».

كانت اللحظة التي قررت فيها الفرار خوفاً على حياتها أكثر المواقف صعوبة على الإطلاق. كان الاعتراف بأن عليها الهروب أصعب من أسوأ القرارات التي يتخذها المرء. لم يكن لديها وقت لتفكر في خضم الذعر الذي انتابها، ولم يكن لديها وقت لتجهيز أغلى مقتنياتها أو ذكرياتها قبل الرحيل.

كل ما استطاعت فعله هو أخذ بعض الملابس الثقيلة وزجاجة مياه وشطيرتين ووثائق وحذاء رياضي «في حالة كان عليها السير لفترة طويلة»، على حد قولها. كانت تلك الأشياء القليلة التي حملتها في حقيبتها كل ما امتلكته وقتها. أجبرت على ترك أعوامها الثمانية والأربعين خلفها في أوكرانيا. كان عليها اعتناق المجهول، وأن تودع حياتها في ذعر، كما هو الحال حتى تلك اللحظة.

بدأت رحلتها الطويلة من تشيركاسي إلى إنجلترا بقرار غريزي. واستقلت حافلة صغيرة مباشرة من أمام منزلها. أوصلتها الحافلة إلى الحدود البولندية في 16 ساعة. وتقول عن رحلتها: «كنت محظوظة، لأني عبرت الحدود سريعاً في ساعة تقريباً. وأنا ممتنة للمتطوعين الذين قابلتهم عند الحدود، فقد أطعموني وقدموا لي الشاي الساخن ووفروا لي حافلة أوصلتني إلى كراكوف. وفي كراكوف، مكثت بضعة أيام في فندق، ثم سافرت بالطائرة إلى إنجلترا».

لا أحد يستطيع أن يعرف بالفعل ما الذي شعرت به في اللحظة التي عبرت فيها الحدود. قالت ليوبوف: «رغبت في العودة ملايين المرات»، شعرت بذعر شديد وكانت تعيش في خوف مستمر. واستطردت: «نظراً لأني لا أعرف أي لغة أجنبية، ولم أكن أعرف كيف سأفهم الناس وأتواصل معهم، وكيف سأصل إلى إنجلترا وهل سأصل إلى هناك من الأساس؟».

كذلك يوجد شعور واضح بعدم معرفة ما إذا كانت ستتمكن من العودة إلى الديار ومتى؟ تستطيع أن تلاحظ شعورها بيأس هائل وهي تقول: «أشعر بغصة في قلبي» لأنها لا تعرف متى ستتمكن من العودة إلى وطنها مرة أخرى.

كان عليها أن تترك شقيقتها وبناتها الثلاث في أوكرانيا. وعلقت: «نأمل جميعاً في أن تنتصر أوكرانيا قريباً وأن نتمكن من العودة إلى بلادنا. يقدم كل شخص مشاركته الصغيرة في النصر، هذا أفضل ما في وسعنا على الرغم من الخوف والألم».

تحاول ليوبوف وعائلتها البحث عن طرق للتأقلم مع الوضع، ولكن «الأمر صعب للغاية على الجميع في الوقت الحالي». وتتذكر ليوبوف بامتنان أنها وجدت ترحيباً في إنجلترا حيث الود والتفهم والتعاطف.

والآن استقرت حياتها في إنجلترا، بعيداً عن وطنها. وعندما سألتها عن شعورها قالت: «استغرقت فترة طويلة كي أعتاد على الهدوء وأدرك أن الطيارات التي تحلق في السماء مجرد طائرات ركاب وليست عسكرية. استوعبت أني لا أحتاج إلى انتظار صوت الصافرات في الليل حتى أهرع إلى مكان آمن. كان من الصعب عليَّ أن أعتاد على تحدث الجميع باللغة الإنجليزية، ولا أستطيع أن أفهم أو أقول أي شيء. ولكن جميع من حولي متعاونون ويهتمون بي. والآن أشعر بثقة وارتياح أكبر هنا. وأخطط للعثور على وظيفة، وأريد بالفعل أن يحرر جيشنا أوكرانيا وأن أتمكن من العودة إلى الوطن في أقرب وقت ممكن».

ولكن هل يمكن أن تصبح المملكة المتحدة وطناً بالفعل لليوبوف؟

إنها ممتنة للاستقبال الذي لاقته في هذه البلاد، وقد أنقذت حياتها، وكانت إجابتها: «أحب الوجود هنا بالفعل، حيث الطبيعة الجميلة وأناس متعاطفون طيبون، ولكن وطني هو أوكرانيا».

إنها تعيش مع ابنتها وأسرتها في بلدة صغيرة في الريف في إحدى ضواحي لندن. وتوضح أن هناك جالية أوكرانية صغيرة تستطيع أن تلجأ إليها في أي مشكلة وأن تندمج مع بيئتها. ولكن لا تمر دقيقة من دون أن تفكر في بلادها. وتضيف أنها تفتقد منزلها وشقيقتها وبنات شقيقتها بشكل لا يستوعبه شخص.

وعندما سئلت عما تحلم بأن تكون عليه حياتها بعد خمس سنوات، أجابت: «أن تكون أوكرانيا مزدهرة وقوية ومستقلة. أحلم أن أعيش مرة أخرى في منزلي وأن أستمتع بالأمور الصغيرة في الحياة».

وما هي أكبر أمنياتك؟ أمنية واحدة فقط- قالت: «السلام لأوكرانيا».

استطاعت ليوبوف في الفترة الأخيرة التعافي من مرض السرطان الخبيث، ولكن تعرضها للنزوح من وطنها إثر الحرب أكثر إيلاماً بكثير من أي شيء آخر في الحياة. وهي بالتالي تخطط لرحلة خطيرة تعود فيها إلى بلادها في أي وقت قريب، حيث لا تستطيع تحمل مشاعر التخلي عن أكثر شيء تحبه: حياتها في تشيركاسي، حتى وإن كان هذا يعني أن تتخلى عن الشعور بالأمان.

الوطن هو الوطن. حتى وإن لم يظل الوطن الملاذ الآمن الذي اعتدناه. ولكن لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تحل محل الوطن.

يملك الإنسان قدرة على الصمود تفوق تصورنا، ولكن الوطن لا يصبح وطناً إلا إذا كان ذلك القابع في أعمق مكان بقلوبنا.