بين المزايدة والاستهلاك السياسي... عودة ملف النازحين إلى الواجهة في لبنان

دوافع البقاء ما زالت موجودة والعودة الآمنة غير مضمونة
شاب يحمل مظلة ويمشي تحت المطر في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

بيروت: اقتحمت دعوة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، المجتمع الدولي للتعاون مع لبنان بهدف إعادة النازحين السوريين إلى بلدهم، المشهد على الساحة اللبنانية، ولم تنجح محاولته بتعليل دعوته للتعاون «بعدم قدرة لبنان على تحمل كل هذا العبء، لاسيما في ظل الظروف الراهنة»، في حجب علامات الاستفهام حول التوقيت، ودوافع التلويح بأنه سيكون للبنان «موقف ليس مستحباً على دول الغرب وهو العمل على إخراجهم من لبنان بالطرق القانونية من خلال تطبيق القوانين اللبنانية بحزم».


لم تحمل دوافع ميقاتي أي جديد، سيما وأن الواقع السيئ الذي يعيشه البلد لم يولد فقط جراء وجود نازحين يشكلون أكثر من ثلث سكانه، بل جراء عطب واهتراء أصاب جسم الدولة منذ ما يقارب الثلاثين عاماً، حتى أصبح النازح أيضاً يعاني الأمرين جراء أسوأ أزمة اقتصادية وسط عجز المسؤولين عن تأمين الكهرباء والوقود والرغيف، بعدما اقتحم شبح العوز منازل اللبنانيين في غالبيتهم.

طفل سوري يقف بجانب بعض الماعز في سوق للماشية (أ.ف.ب)


دعوة ميقاتي هذه تزامنت مع إعلان وزير شؤون المهجرين اللبناني في حكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين، عن اتصالات مكثفة مع الجانب السوري «لتأمين عودة آمنة وكريمة للنازحين السوريين إلى بلادهم». وقال شرف الدين الذي بحث هذا الملف مع رئيس الجمهورية ميشال عون: «لمسنا تجاوباً كاملاً من الدولة السورية بتجهيز مراكز إيواء على قاعدة جغرافية، وهذا يعني تأمين قرية مقابل قرية، أو ضاحية مقابل ضاحية في سوريا، وبموجب الإحصاءات في لبنان من قبل وزارة الداخلية، سيصبح بإمكانهم العودة إلى قراهم بشكل تدريجي وممنهج، وكل شهر يخرج من لبنان عدد مقبول (15 ألف شخص)، وبهذه الطريقة نكون قد أمنا مراكز الإيواء مع البنى التحية وكل شيء يحتاجه اللاجئ، وبنفس الوقت يكون قد عاد إلى قريته وأرضه وعمله، ونحن متفقون على هذا المخطط مع الجانب السوري».


أزمة النازحين لم تغب عن زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط للبنان حيث شدد على أن «الجميع يؤيد مسألة إنهاء ضغط اللاجئين على أرضه، والنية والقرار موجودان لكن إرادة المجتمع الدولي لإنهاء الحرب لا تزال ضاغطة على الوضع السوري واللبناني»، إلا أنه وعلى أرض الواقع لا تزال غالبية هذه المواقف من دون خطوات عملية تحقق الهدف المطلوب.

ماذا يقول الدستور اللبناني والقانون الدولي؟
يعرج المحامي الدكتور بول مرقص رئيس مؤسسة JUSTICIA الحقوقية على قانون تنظيم الدخول إلى لبنان والإقامة فيه والخروج منه الصادر في 10 يوليو (تموز) 1962، والذي نص في المادة 17 منه على صلاحية المدير العام للأمن العام بإصدار قرارات بترحيل الأجانب في حالات استثنائية حيث يشكل الأجنبي خطراً على السلامة والأمن العام، والمادة 32 من القانون عينه، التي نصت على معاقبة الأجانب الذين يدخلون الأراضي اللبنانية بطرق غير قانونية بعقوبة الحبس من شهر إلى ثلاث سنوات والغرامة والإخراج من لبنان، قائلاً: «من يدخل إلى لبنان بصفة غير قانونية سعياً للجوء من الاضطهاد أو بصفة غير قانونية للغرض ذاته ويبقى في البلاد لفترات أطول من المسموح بها في تأشيرات الدخول، تتم معاملتهم على أنهم مهاجرين غير شرعيين ويتعرضون للاعتقال والسجن والغرامات والإخراج (الترحيل)».

المحامي الدكتور بول مرقص رئيس مؤسسة JUSTICIA الحقوقية


وفي حديث لـ«المجلة»، يضيف: «أي شكل من الدمج المحلي هو غير دستوري وبالتالي ليس خياراً متوفراً. فقد نصت الفقرة (ط) من مقدمة الدستور على ما يلي: أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين».


ويشير إلى «قرار المجلس الأعلى للدفاع الصادر في  15 أبريل (نيسان) 2019 والذي قضى بترحيل المواطنين السوريين الداخلين إلى لبنان دون المرور بالمعابر الرسمية»، ويقول: «يستند هذا القرار على اعتبارات بأنه لم يعد هناك من سبب للجوء السوريين إلى لبنان وأن أسباب الخوف من قمع السلطات السورية لم تعد قائمة بشكل عام».


ويضيف: «اتفاقية اللاجئين العالمية في العام 1951، وأعقبها بروتوكول العام 1967 التابع لها؛ والتي لم يوقع لبنان عليهما كما أنه ليس لديه قانون داخلي مطبق للاجئين، وبالتالي فإن لبنان متحرر من أي التزامات لمعاملتهم كلاجئين إلا أنه يبقى ملتزما بضمان الحفاظ على حقوقهم الإنسانية».
ويتابع: «بتاريخ 9/9/2003 صدرت عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتعاون مع وزير الداخلية والبلديات والمدير العام للأمن العام اللبناني مذكرة تفاهم حول التعامل مع المتقدمين بطلبات اللجوء لدى مكتب المفوضية في لبنان، حيث ورد فيها أن عبارة (طالب لجوء) وحيثما وردت في هذه المذكرة، تعني طالب لجوء إلى بلد آخر غير لبنان، مما يشير إلى أنه لا يمكن اعتبار السوريين في لبنان لاجئين، كما تنص الفقرة الأولى من هذه المذكرة على أنه لا يجوز لأي شخص دخل لبنان بطريقة غير شرعية أن يتقدم بطلب لجوء لدى مكتب المفوضية بعد انقضاء شهرين على دخوله إلى لبنان».


ويردف: «وفقاً للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين يحق للدول بموجب القانون الدولي طرد الأشخاص الذين يتبين أنهم ليسوا بحاجة إلى حماية دولية وأن من واجب بلدان الأصل أن تسترد مواطنيها، وينبغي أن تتم العودة بطريقة إنسانية مع احترام كامل لحقوق الإنسان و كرامته».


ويختم مرقص حديثه بالتحذير من أنه يجب التنبه إلى ما يلي عند ترحيل النازحين السوريين:
- إن السلطات اللبنانية ملزمة قانوناً بمنح أي مواطن سوري موضوع قرار الترحيل الوقت الكافي لتقديم الدفاع عن نفسه والاعتراض على قرار ترحيله وتوضيح أسباب عدم رغبته بالعودة إلى سوريا ومراجعة القضاء أو البحث عن بلد آخر للانتقال إليه، ذلك لأنه متعلق بالقواعد الإنسانية العامة والمحمية بموجب القانون الدولي حيث تنص في الفقرة (ب) من مقدمة الدستور اللبناني على أن «لبنان عربي الهوية والانتماء وهو عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء».
- نص المادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 1948 التي انضم إليها لبنان في العام 2000، والتي تنص على: «1- لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أى شخص أو تعيده (أن ترده) أو أن تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب.
2- تراعي السلطات المختصة تحديد ما إذا كانت هذه الأسباب متوافرة، جميع الاعتبارات ذات الصلة، بما في ذلك، في حالة الانطباق، وجود نمط ثابت من الانتهاكات الفادحة أو الصارخة أو الجماعية لحقوق الإنسان في الدولة المعنية».

المطالبة بالعودة من باب المزايدة
من جهته، يقول رئيس جهاز العلاقات الخارجية في «القوات اللبنانية» الوزير السابق ريشار قيومجيان لـ«المجلة» إن «الحكومة تأخرت كثيراً سيما أن الحكومتين الأخيرتين كانتا من لون واحد وعلى علاقة طيبة مع سوريا وعلى تحالف مع حزب الله، وعندما كنا كفريق سياسي في الحكومة، ويوم كنت أنا وزيراً للشؤون الاجتماعية طرحت خطة لإعادة النازحين على طاولة مجلس الوزراء إلا أن الخطة لم تناقش حتى. المزايدة في موضوع عودة النازحين ليست جديدة، والقول إن بعض الأفرقاء سيما 14 آذار لا يرغبون بعودتهم كذلك. ومنذ 3 سنوات الحكومة بأيديهم كلياً ولم يأخذوا أي خطوة، واليوم قبل انتهاء عهد الرئيس ميشال عون بثلاثة أشهر يطالبون بالعودة للمزايدة والاستهلاك السياسي».


أضاف: «نحن حتماً مع عودة النازحين، وما من طرف لبناني ضد بل هناك رغبة، ولكن العملية ليست واضحة. فماذا يعني اللجوء إلى الأساليب القانونية؟ فليكلموا حليفهم بشار الأسد لتسهيل عودتهم. فهل الحدود مفتوحة أمامهم؟ وهل هناك ضمانات أمنية وقانونية واجتماعية من حيث السكن، بعض السكان بيوتهم جُرفت سيما في المناطق المحاذية للحدود اللبنانية غرب الزبداني والقصير التي احتلها حزب الله، وهجر الأهالي منها، جزء كبير من النازحين ينتمي لتلك المناطق، لماذا لا يُفتح باب العودة ويقدمون لهم ضمانات بعدم التعرض للتحقيق والسجن؟ كلام الحكومة كثير، ولكن لا يمكن إجبارهم لا بالقانون الدولي ولا إنسانياً على العودة».

رئيس جهاز العلاقات الخارجيّة في «القوات اللبنانية» الوزير السابق ريشار قيومجيان


وتابع: «هناك مبدأ سيادي، ولا أحد مع بقائهم فالوضع في لبنان صعب والبنى التحتية استُهلكت بالكامل، حوالي مليون ونصف المليون نازح يأخذون المياه والكهرباء دون مقابل ولبنان لم يعد يستطيع أن يتحمل. نريد أن نرى خطوات جدية، ويجب أن تُفتح الحدود أمامهم وعلى النظام السوري غير المهتم إعادتهم إلى قراهم. كما أن هناك جزءا كبيرا من النازحين يوالي نظام الأسد فليبدأوا بهؤلاء، وأما المعارضون فيمكن إقامة مخيمات على الحدود داخل الأراضي السورية بضمانات دولية، فلتأخذ الحكومة خطوة جدية غير صورية بعيدة عن المزايدة وبمواكبة المنظمات الدولية».


ويؤكد أن «الخطوات المدروسة بعيداً عن القوة تجنب لبنان التوتر بين المواطنين اللبنانيين والسوريين عبر تأمين عودة كريمة بالحد الأدنى، فهناك مواطنون دون أوراق ثبوتية ووثائق عقارية لمنازلهم هذا عدا عن موضوع عدم الإعفاء من التجنيد الإجباري، وعلى النظام السوري اتخاذ خطوات عملية بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، لا حزب الله ولا النظام السوري يريد عودتهم ويمكن أن نشهد عودة شكلية. وما يؤخذ بعين الاعتبار أن في لبنان عمالا سوريين موسميين سيما في القرى، واللبناني لا يقبل بالقيام ببعض المهن كالبناء والزراعة وغيرهما، إذن فلتدخل وزارة العمل على الخط وتنظم أذونات العمل. تفضلوا أنتم في السلطة ووزراء الشؤون من فريقكم السياسية، لماذا لم نشهد عودة بضع مئات من النازحين؟  آمل أن تكون هناك خطة عملية ويصار إلى الكلام مع النظام السوري حليفهم عبر تأمين ضمانات ولننزع أي تبرير للبقاء. المسار بحاجة إلى وقت ولكن يجب البدء به».

تحويلات اللاجئين والاقتصاد اللبناني
يقول رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني لـ«المجلة»: «بالتأكيد التحويلات التي تصل للاجئين لها أثرها الإيجابي على الاقتصاد اللبناني من خلال دخول الدولار الفريش إلى البلد، كما أن المصرف المركزي يستفيد من هذا الأمر من خلال الحد من وتيرة انخفاض احتياطه من العملات الأجنبية وبالتالي التخفيف من الانهيار الكبير في سعر الصرف».

رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني


وأضاف: «التحويلات تساعد اللاجئ في الاستهلاك وبالتالي زيادة الطلب على السلع والخدمات اللبنانية ما يعطي مدخولاً إضافياً للبناني الذي يقدم تلك الخدمات والسلع، كقطاع التعليم مثلاً وإيجارات المنازل وغيرها من الأمور التي تتوزع على الاقتصاد اللبناني».


وتابع: «أما من ناحية الإنتاج، فعدد كبير من المؤسسات كان ممكنا أن تقفل أبوابها لولا وجود اليد العاملة السورية، سيّما مع تسريح عدد كبير من العمّال بسبب انخفاض قيمة الرواتب، فوجود اليد العاملة السورية ساهم في وقوف جزء من الاقتصاد اللبناني على رجليه».