الدولار يعادل اليورو... قوة اقتصادية أم «كورتيزون» سيتلاشى تأثيره؟

الاقتصاد الأميركي ليس في أحسن حالاته
الدولار يعادل اليورو للمرة الأولى منذ سنوات

القاهرة: يكتسب الدولار الأميركي قوة بوتيرة مضطردة ومتسارعة منذ بدء الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) سياسة رفع الفائدة لمواجهة التضخم، لتصل العملة الأميركية إلى منطقة التعادل  مع العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) للمرة الأولى منذ عقدين.


الحفاظ على الدولار قوياً،  يخدم مخططات الاحتياطي الفيدرالي في استهداف التضخم بتقليل أسعار السلع وبالتالي نفقات الأسر الشهرية، لكنه يحمل في الوقت ذاته تداعيات سيئة على الاقتصاد العالمي بوجه عام أهمها  تباطؤ حركة التجارة العالمية، وإزكاء مخاوف الركود التضخمي الشبح الذي تخشاه الحكومات حالياً.


رفعت أميركا الفائدة  ثلاث مرات خلال العام الحالي مع توقعات بأربع زيادات أخرى قبل نهاية العام لخفض  التضخم من مستوى  9.1 في المائة حاليًا إلى المستهدف عند  2 في المائة، مما جعل الدولار ملاذاً آمناً  في عرف الكثيرين خاصة في ظل تضرر أوروبا بشكل مباشر من تداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية وحالة عدم اليقين التي تعتري اقتصاداتها.

الاحتياطي الفيدرالي متأهب لمكافحة التضخم


تؤكد لـ«رابوبنك»، وهي شركة خدمات مصرفية ومالية متعددة الجنسيات مقرها هولندا، أن أسعار الفائدة المرتفعة تؤدي عمومًا إلى عملة أقوى لأن المستثمرين يتحركون لمطاردة الاستثمارات المقومة بالدولار باعتبارها  تحقق عوائد أعلى، مقارنة بالأصول المقومة بعملات أخرى، علاوة على أن الدولار لا يزال العملة الاحتياطية المهيمنة في احتياطيات البنوك المركزية عالميًا مما يعطيها المزيد من الثقة.


«دويتشة بنك للأبحاث»، وهي مؤسسة مرموقة في الدراسات المالية، لا تتوقع مخاطر غير عادية من تكافؤ اليورو والدولار، لكنها ترجح حدوث تأثير عميق على الشركات التي تبيع منتجاتها في الخارج، أو تعتمد على المواد الخام الأجنبية في صناعتها، ويمكن أن يلعب أيضًا دورًا في أسعار السلع الأساسية.


يحمل ضعف اليورو، نظريًا ، إفادة للشركات الأوروبية التي تعتمد على التصدير للخارج  فبضاعتها أصبحت أكثر جاذبية باعتبارها أرخص مقارنة بالمنتجات الأميركية، وعملات الدول المستوردة في وضع أقوى بالنسبة لها على عكس الدولار، لكن من ناحية أخرى فإن ارتفاع التضخم بأوروبا الذي وصل في بعض الدول إلى 20 في المائة يبدد مكاسب هبوط اليورو علي مستوى التنافسية.


يضع اقتصاديو الولايات المتحدة، حاليا، أيديهم على قلوبهم بسبب أسعار العملة من ناحية تأثيرها على الركود، فرفع الدولار يمكن أن يضر الصادرات الأميركية في الخارج، بسبب ضعف القوة الشرائية للمشترين الأجانب كما يؤثر على الأرباح المحولة إلى الولايات المتحدة من قبل شركاتها في الخارج التي يتم توصيف كثير منها كمتعددة الجنسيات، لكن من ناحية أخرى فإن ارتفاع الدولار خفض تكاليف السلع الأساسية والوسيطة مثل الحبوب والمعادن والتي ارتفعت أسعارها منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
 
أرقام قياسية
تسببت أسعار الطاقة في ارتفاع التضخم في منطقة اليورو إلى مستوى قياسي بلغ 8.6 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، ومثلت أسعار الغاز والوقود وحدها نحو 40 في المائة من مكونات تلك الزيادة، وقد تواجه صناعات أساسية فيها مشكلات أكبر في توفير الغاز مثل الصلب وصناعة الزجاج والزراعة والسيارات.

البنك المركزي الأوروبي


وقد وصل اليورو إلى أعلى مستوى له على الإطلاق أمام العملة الأميركية عند 1.18 دولار بعد وقت قصير من إطلاقه مطلع يناير (كانون الثاني) 1999، لكنه بدأ في الهبوط بداية من فبراير (شباط) 2000 ووصل إلى مستوى قياسي بلغ 82.30 سنت في أكتوبر (تشرين الأول) 2000 قبل أن تحقق التكافؤ عام 2002، ومن منتصف العام المذكور لم يتم تقييم اليورو بأقل من الدولار إلا في الأيام الأخيرة.


ومن المتوقع، أن يكتسب اليورو قوة من عزم البنك المركزي الأوروبي رفع الفائدة للمرة الثانية في سبتمبر (أيلول) المقبل بنحو 50 نقطة أساس، لكن تحقيق تلك الخطوة مآربها في دعم العملة مرتبط بالفائدة الأميركية في التوقيت ذاته، وحال الاقتصاد بالمنطقة وإمكانية دخولها في حالة ركود.
تراهن أوروبا على إمكانية تعديل الاحتياطي الفيدرالي سياساته في تقوية الدولار عبر الفائدة، باعتبارها ستجعل المنتجات الأميركية أعلى تكلفة في الأسواق الخارجية وتزيد العجز التجاري وتقلل الناتج الاقتصادي بجانب منح المنتجات الأجنبية قدرات أعلى على منافسة المنتجات المحلية.


لكن بعض المحللين يرون أن اليورو سيعاني ركودًا حتى لو رفع المركزي الأوروبي الفائدة، فالاحتياطي الفيدرالي يرفع بوتيرة أسرع وأعلى، ويجذب الأموال الساخنة إلى الولايات المتحدة بقوة، وهي سياسة ترفع تكاليف الاقتراض في الدول الأضعف أكثر من نظرائها الأكثر ثراءً.


يثير ضعف اليورو مخاوف أخرى تتعلق بالسيطرة على التضخم في المنطقة التي تضم 19 دولة، فترك العملة تنخفض يرفع معدلات التضخم التي وصلت لأعلى مستوياتها بالفعل وترتفع عن مستهدفات البنك المركزي الأوروبي بنحو 6 في المائة، فانخفاض سعر الصرف بنسبة 1 في المائة يرفع التضخم بنسبة 0.1 في المائة،  خلال عام واحد فقط، ومنذ مطلع العام الحالي، تراجع اليورو أمام الدولار بنسبة 12 في المائة تقريبًا، أي إن هبوط اليورو أضاف بمفرده لتضخم  المنطقة نحو 1 في المائة خلال العام الحالي.

رابوبنك


محللو شركة «أليانز غلوبال» يتوقعون أن يستمر الدولار في الارتفاع مقابل اليورو على المدى القصير وإن كان ذلك بوتيرة أبطأ، فالحرب الروسية كلما طالت تؤثر  على الاستقرار السياسي والمالي بأوروبا وترفع معها من مخاطر اليورو لصالح الدولار الأميركي.


كما أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أكثر جرأة من البنك المركزي الأوروبي في رفع أسعار الفائدة، ما سيدفع  المستثمرين إلى الاستثمار بشكل أكبر في الدولار الأميركي، مما يزيد من قيمته مقابل العملات الأخرى خاصة اليورو والإسترليني.

تداعيات خطيرة
رغم ارتفاع الدولار، يعاني الاقتصاد الأميركي من مشكلات خطيرة، من بينها انخفاض مبيعات التجزئة بنسبة 0.3 في المائة خلال مايو (أيار)، ووصول ثقة المستهلك في يونيو (حزيران) لأدنى مستوى لها خلال 70 عامًا، بجانب انخفاض الطلب على العقارات وتباطؤ بناء المنازل الجديدة، وتسريح الشركات العقارية الموظفين تحاشيا لحدوث تراجع في سوق الإسكان.


يعاني الاقتصاد الأميركي أيضًا من تراجع الاستثمارات بالشركات الناشئة لأدنى مستوى في ثلاث سنوات، بعدما تراجع بنسبة 23 في المائة خلال الربع الثاني من العام الحالي لتصل إلى 62.3 مليار دولار، كما سجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500، الذي يقيس أداء الشركات العملاقة، أسوأ أداء نصفي (6 شهور) منذ عام 1970 بعدما انخفض بنسبة 19 في المائة  تقريبًا ليفصله نقطة واحدة فقط عن طور «الدب» وهو مصطلح يستخدم في البورصة الأميركية حينما  يهوي أي مؤشر بنسبة 20 في المائة.

العملات الخليجية لم تتأثر أمام الدولار


على مستوى السياحة يخدم تراجع اليورو أوروبا من ناحية تعزيز حركة السياحة، فالسفر إليها سيصبح أقل تكلفة، كما سيعزز من إنفاق السائحين في الوجهات التي يفضلون زيارتها مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا واليونان والعكس صحيح بالنسبة للسياحة الأميركية التي ستقل تنافسيتها بالنسبة للسائحين.

أزمات معقدة
يقول محمد رضا، المدير العام التنفيذي لمجموعة «سوليدير» الاستثمارية، إن أوروبا تعاني حاليا من حزمة مشكلات أثرت على عملتها بداية من أزمة الطاقة سواء في الغاز الروسي أو أسعار النفط والتي رفعت التضخم لمستويات قياسية في توقيت صعب، قلص بداية التعافي من تأثيرات جائحة كورونا على النشاط الاقتصادي.


ويضيف رضا، لـ«المجلة»، أن البنوك المركزية لجأت إلى السياسة الانكماشية لمواجهة التضخم لكن الاقتصاد الأميركي دائما ما يتحرك بجرأة، واتخذ قرارا عنيفًا برفع الفائدة وعلى مدى زمني طويل ما سبب صدمة للأسواق خاصة في ظل توقعات بإمكانية الرفع بنحو 100 نقطة جديدة خلال الشهور الأخيرة من عام 2022 الحالي، ما يعني أن أميركا تسعى لامتصاص التضخم وتصديره لباقي دول العالم.


ويوضح أن أوروبا هي المتضررة الأولى حاليا من ارتفاع الدولار خاصة أنه يفاقم التضخم داخلها في ظل ارتفاع أسعار الطاقة الذي يرفع تكاليف الإنتاج لجميع السلع، وذلك الملف يمثل تحديا خطيرًا قد يصل ببقاء منطقة اليورو بتشكيلها الحالي وكذلك الأمر بالنسبة لعملتها الموحدة.
بالنسبة لمصر والمنطقة العربية، يقول رضا إن ارتفاع الدولار حمل تأثيرًا عنيًفا على حجم الاستثمارات وسحبها من الأسواق الناشئة  إلى داخل الولايات المتحدة، وهو ما حدث بمصر التي فقدت  20 مليار دولار من الأموال الساخنة في شهور قليلة،  الأمر الذي ضغط على الاحتياطي النقدي وقلص قدرات البلاد على الاستيراد من الخارج، لا سيما أن تلك التطورات تزامنت مع ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية وصلت في بعض الأوقات إلى 120 دولارا للبرميل، وكذلك تضاعف أسعار الحبوب الذي سبب مشكلة للحكومة المصرية أكبر مستورد للقمح  في العالم.


لكن بالنسبة لدول الخليج، فإنها لن تتأثر سلبيًا بارتفاع الدولار، على العكس فإن العملات الخليجية ترتفع حاليا مع صعود الدولار، كما أن العوائد الجيدة لأسعار النفط حمت الاقتصاديات الخليجية من تداعيات الأزمة العالمية ومنحتها آفاقا أوسع للنمو الاقتصادي.

اقتصاديات الخليج لا تزال متماسكة

مخاطر جيوسياسة
أيمن فودة، المنسق العام للمجلس الاقتصادي الأفريقي، يقول إن اقتصاديات اليورو تعاني حاليا تحت وطأة الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات المتبادلة مع موسكو والمخاطر الجيوسياسية وكلها عوامل تؤثر على النمو الاقتصادي وعلى قيمة العملة، التي هبطت أمام الدولار والجنيه الإسترليني بشكل ملحوظ.


لكن فودة يرى أن الارتفاع الذي يشهده الدولار مؤقت لأن الاقتصاد الأميركي ليس في أحسن حالاته وباعتراف البيت الأبيض الذي قال إن البلاد تواجه رياحا اقتصادية غير مواتية،  فرغم  رفع الفائدة ثلاث مرات لا يزال التضخم مرتفعا فوق مستوى 9 في المائة مع توقعات بالدخول في مرحلة ركود، أي إن العملة الأميركية شبيهة حاليًا بمريض يتم حقنه بالكورتيزون، الذي يجعل جسده منتفخا من الخارج، لكن المرض يعيش داخله.


ويوضح لـ«المجلة»، أنه بمجرد توقف المركزي الأميركي عن رفع الفائدة قد يتراجع الدولار لمستوياته الحقيقية، خاصة أن مواطني الولايات المتحدة استنفدوا المدخرات المالية التي حققوها مع ارتفاع إيجارات المنازل وتذاكر السفر، والسيارات والشاحنات المستعملة، الجديدة وتكلفة الرعاية الطبية والمفروشات المنزلية والملابس، والغذاء الذي ارتفع بنسبة تتجاوز 10 في المائة.

التضخم المالي أرهق أكبر الاقتصادات


ويضيف فودة أن الاقتصاديات الخليجية قوية في خضم الصراع بين اليورو والدولار، فمعدل الفائدة فيها لا يزال حتى الآن عند مستويات تقل عن 3 في المائة، مع توقعات كبيرة لنمو اقتصاديات المنطقة، فـ«موديز» توقعت أخيرًا أن يبلغ  متوسط نمو السعودية حوالي 3.9 في المائة، خلال الأعوام من 2022 وحتى 2026، بجانب توقع وحدة المعلومات في «الإيكونوميست» بأن تسجل معظم دول الشرق الأوسط معدلات نمو تتجاوز 4 في المائة عام 2022.


وقالت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورجيفا، أخيًرا، إن توقعات الاقتصاد العالمي ساءت كثيرا منذ أبريل (نيسان)، ولا يمكن استبعاد إمكانية حدوث ركود عالمي العام  المقبل، لافتة إلى أن الصندوق بصدد تخفيض توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي للمرة الثالثة هذا العام.
العلاقة بين الدولار واليورو حاليا شبيهة بحسبة برما، المقولة المصرية المرتبطة بصعوبة المعادلات الرياضية واتساع مساحات الخيارات، فالأمر مرهون بحدود البنوك المركزية في رفع الفائدة ومسار التضخم، وفي الجانب الآخر تطورات الحرب الروسية الأوكرانية ومداها الزمني.