حلف الأطلسي والمخاطر القادمة من شمال أفريقيا

في فورة عملية السلام التي انطلقت بين العرب وإسرائيل في مدريد سنة 1991 استطاع الإعلام الغربي تمرير وترويج مصطلح «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» للإيحاء بوجود نوع من الانصهار بين المنطقتين، وهو إيحاء انطلى على الكثيرين بما في ذلك عدة وسائل إعلام عربية صارت تتداول المصطلح دون التدقيق في مراميه، ولا البحث عن الغايات المرجوة منه.

إن استخدام هذا المصطلح وتعميم استعماله لم يكن يسعى إلى دمج إسرائيل في محيطها المباشر بالمشرق العربي فقط، وإنما كان يروم تسهيل انفتاحها على المحيط العربي الأوسع، وخاصة في بلدان شمال أفريقيا، حيث الكثافة السكانية العربية أكبر، وحيث للوجود اليهودي تاريخ يذكر. ومن أجل هذا الهدف ساد الاعتقاد بضرورة أن يتعود العالم على النظر إلى شمال أفريقيا كمنطقة مرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط دون الاكتراث للفوارق الكبيرة بينهما من جميع النواحي، بما في ذلك طبيعة المشاكل السياسية بين بلدان هذه المنطقة وتلك، وحتى داخل الكيانات القطرية لكلتيهما، ناهيك عن تباين تركيبتهما البشرية عرقيا ودينيا ومذهبيا أيضا.

ولكن اندلاع ثورات الربيع العربي واحتجاجاته، واختلاف المصائر التي انتهت إليها تلك التحركات الشعبية، كشف وجود الكثير من الخصوصيات التي تتميز بها الدول في شمال أفريقيا عن نظيرتها في الشرق الأوسط؛ الأمر الذي سيفرض إعادة النظر في موضوع دمج المنطقتين تحت مصطلح واحد، وبالتالي الشروع في الاهتمام بكل منطقة لوحدها، خاصة بعد أن ثبت وجود اختلافات وتمايزات في طبيعة التحديات التي تفرزها كل منطقة أمام دول أوروبا الغربية وحلف شمال الأطلسي.

والواضح أن التمايز في التحديات وفي درجة حدتها هو الذي سيحتم على مؤسسات القوى الغربية المشتركة، وفي مقدمتها حلف الناتو الفصل في التحليل بين المنطقتين، والتركيز أكثر في ظل المعطيات الراهنة على منطقة شمال أفريقيا التي باتت المخاطر القادمة منها ملموسة، متنوعة ومتجددة أيضا، كما أفصح عن ذلك صراحة الأمين العام للحلف في ختام القمة الأخيرة بمدريد في نهاية شهر يونيو (حزيران) 2022 حين تحدث عن المخاطر القادمة مما سماه «دول جنوب أراضي الناتو»، في إشارة واضحة إلى بلدان شمال أفريقيا، وامتدادها الجغرافي في منطقة الساحل، محذرا من إمكانية تضاعف هذه المخاطر مع توسع نفوذ كل من روسيا والصين هناك.

ولهذا، ورغم أن حلف الناتو ركز في قمته الأخيرة بالعاصمة الإسبانية على كيفية مواجهة التهديد الذي يتعرض له مجاله الجغرافي إثر الحرب الروسية على أوكرانيا، إلا أنه لم يغفل نهائيا المخاطر الآتية من الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط التي صنفها كمخاطر استراتيجية تتربص بدوله. وبالنسبة لقيادة الحلف، فإن هذه المخاطر تشكل مصدر قلق وإزعاج يتسم بالاستمرارية في الزمن، في غياب أي آفاق أمام إمكانية حل المشاكل التي تسببها.

وتتمثل هذه المخاطر الناجمة إما عن نزاعات محتدمة بين بعض دول المنطقة وإما عن هشاشة الأنظمة السياسية في دول أخرى فيما يلي:

* تنامي ظاهرة الإرهاب بالضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وخاصة في ليبيا وبلدان منطقة الساحل، إضافة إلى تكاثر ظاهرة الذئاب المنفردة في معظم أقطار المنطقة، واستمرار بؤر التوتر الصالحة للتجنيد والتدريب على السلاح في مجموعة مخيمات تابعة لحركات انفصالية أو انقلابية، كما هو الشأن بالنسبة للبوليساريو التي ترفض الانخراط في إيجاد حل سياسي متوافق عليه لمشكل الصحراء المغربية.

* تصاعد وتيرة الهجرة غير الشرعية عبر شواطئ المغرب والجزائر وتونس وليبيا، بل وحتى مصر في بعض الأحيان مع كل ما تحمله جحافل المهاجرين من مآسٍ اجتماعية ومشاكل ثقافية وتربوية، وما تتضمنه من حالات إنسانية، ناهيك عما تشكله من ضغط اقتصادي ومالي، بل وأخلاقي وحقوقي على الدول الأوروبية التي باتت تعترف على مضض بعدم كفاية دعمها الممنوح لدول جنوب المتوسط لمساعدتها على وقف زحف النازحين من كافة الأمصار.

* تزايد تدخلات عدة قوى دولية كبرى وأخرى صاعدة ترغب جميعها في استغلال الفراغ السياسي والأمني بالعديد من جهات المنطقة، وذلك سعيا إما إلى ترسيخ نفوذها أو إيجاد موطئ قدم هناك. والملاحظ أن تلك التدخلات تتم إما مباشرة عبر الإغراءات المالية والتنموية، أو بطريقة غير مباشرة من خلال تنظيمات مسلحة، كما هو حال ميليشيات فاغنر التي ترتبط عضويا بالدولة الروسية والمنتشرة بين جنوب ليبيا وشمال مالي، وميليشيات حزب الله إيرانية الهوى المتسربة إلى مخيمات البوليساريو لتدريب مسلحيها.

* احتمال توقف إمدادات الطاقة القادمة من بعض دول جنوب المتوسط، وخاصة من الدول التي تعاني من صراعات داخلية تغذيها التدخلات الأجنبية، وكذا من الدول التي لا تخفي نوعا من التعاطف مع المبررات الروسية لبدء الحرب على أوكرانيا، والتي حاول بعضها مقايضة ضمان الإمدادات بمواقف سياسية ضد دول مجاورة له.

ورغم أن أي معلومات لم تتسرب عن طبيعة الإجراءات العملية التي يعتزم حلف الأطلسي اتخاذها، إلا أن بعض المواقف الصادرة على هامش قمة مدريد أعطت مؤشرات ذات دلالة على الكيفية التي يعتزم الحلف نهجها لمواجهة هذه المخاطر.

في هذا الإطار كان لافتا للانتباه إعلان رئيس الحكومة الإسبانية أن بلاده التي استضافت القمة ضمنت أن لا يكون الجناح الجنوبي للناتو منسيا، وإشارة وزير خارجيته إلى أن فرضية تدخل حلف الأطلسي في مالي غير مستبعدة. غير أن التجسيد العملي لتصميم الحلف على التحرك لمواجهة ما يتهدده من مخاطر تمثل في قراره بدء تنفيذ خطة لدعم موريتانيا من أجل ضمان حدودها منعا لتمدد الحركات الإرهابية، ولخفض أعداد المهاجرين غير الشرعيين العابرين لأراضيها.