الطائفية والنظام الديمقراطي

احتلت قضية التحقيق مع المطران الحاج من قبل الأمن العام اللبناني لحظة قدومه من إسرائيل حيث رعيته عبر معبر الناقورة، والحجز على الأموال التي كانت بحوزته، وجواز سفره، احتلت حيّزا كبيرا من النقاش السياسي في البلد، وتحولت بشكل أساسي في الإعلام وعند بعض المحللين وعلى لسان بعض السياسيين إلى قضية اعتداء على الطائفة المارونية بأكملها من قبل حزب الله، وذلك على خلفية مواقف البطريرك الماروني التي تدعو إلى تبني لبنان مبدأ الحياد كما عللوا.

 

وقد كان القضاء اللبناني عبر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي، طلب من الأمن العام توقيف المطران الحاج، وتفتيشه والتحقيق معه، بسبب ما يُشتبه بأنه مخالفة لقانون التعامل مع إسرائيل الذي يحظر «دخول البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية بأنواعها كافة إلى لبنان وتبادلها أو الاتّجار بها، وكذلك السندات المالية وغيرها من القيم المنقولة الإسرائيلية، وعرض هذه البضائع والسلع والمنتجات أو بيعها أو شراءها أو حيازتها والقيام بأي صفقة في شأنها ولو على سبيل التبرّع أو المقايضة». فيما اعتبرت الكنيسة المارونية أن هذا الإجراء من قبل المحكمة العسكرية والأمن العام هو اعتداء على الكنيسة خاصة وأنها ليست المرة الأولى التي ينقل فيها المطران الحاج أموالا وأدوية من إسرائيل إلى لبنان لأغراض إنسانية.

 

سريعا تحولت تلك القضية إلى نزاع طائفي كبير في البلد، ودعت الأحزاب المسيحية إلى تجمع شعبي في الديمان المقر الصيفي للبطريرك، مناصرة لهذه القضية، وقيل الكثير في هذا المجال، واستطرادا أصبح الحديث على أن الحرب الأهلية واقعة لا محالة وأنها ربما تكون الحل للتخلص من هيمنة حزب الله على البلد. هذا حديث قيل على مواقع التواصل الاجتماعي ودار بين العامة من الناس في الشارع. وهو ليس بجديد، خاصة بعد حادثة الليونة الأخيرة والتي اعتبر الفريق المسيحي حينها أنه وقف بوجه بلطجة حزب الله وهو يستطيع إذا ما توافرت الإمكانيات والدعم الخارجي من الوقوف مرة أخرى بوجهه.

على كل الأحوال ليس معروفا إن كان المطران خرق قانون التعامل مع إسرائيل أم لا، فالرجل دأب على إحضار المساعدات المالية والعينية من إسرائيل إلى لبنان وبمعرفة الأمن العام. فإن كان فعله خرقا القانون لماذا تغاضت الدولة اللبنانية عن هذا الأمر قبلا؟ من هنا كان ارتياب الكنيسة واعتبرته خروجا عن الأعراف والتقاليد اللبنانية التي لطالما وضعت خطا أحمر على رجال الدين تقف عنده كل القوانين مهما خالفوا أو ارتكبوا.

المؤسف في هذا الموضوع هو الطابع الطائفي الذي أخذته هذه القضية وتفاعل الناس معها واستجداؤها لحرب أهلية كحل لخلاصها من سيطرة حزب الله وهيمنته على البلاد وكأنها تناست ويلات الحرب التي عاشتها قبل أربعة عقود.

ولكن المهم أن هذه الأزمة برهنت من دون أدنى شك على تعارض النظام الطائفي مع قيام دولة القانون التي ينادي بها رجال الدين أنفسهم. فالنظام الطائفي يحمي الطوائف وأركانها مهما ارتكبوا تحت حجة الغبن والظلم الذي يمكن أن يطال مكونا طائفيا إن تعرض للمحاكمة، ما يجعل العدل والقضاء في مواجهة استثناءات كثيرة تجعل عمله شبه مستحيل. ناهيك مثلا عن التوظيفات التي تخضع لمنطق المناصفة وليس لمبدأ الجدارة مما يخلف نوعا من الظلم وينمي التملق لرئيس الطائفة من أجل مركز من هنا ومركز من هناك، فيكثر الفساد حينها، وتتعطل أعمال الدولة ويتضرر المواطن. النظام الطائفي يضع أيضا مقاييس ومعايير مختلفة وانتقائية لمواضيع متشابهة في الجوهر، فمثلا فيما كانت وقفت الكنيسة المارونية سدا منيعا في مطالبة فريق سياسي بإقالة القاضي بيطار المشرف على ملف تفجير المرفأ والتأكيد على أهمية الحفاظ على استقلالية القضاء، ها هي اليوم تطالب بتنحية القاضي فادي عقيقي، متهمة إياه بتسييس قضية المطران الحاج.

في الحالتين ستتم معالجة المشكلتين من خارج إطار القانون ووفق تسوية طائفية يرتبها أولياء الطوائف، ولكن هذا يعني أن لا أمل في أن ترى دولة القانون والعدالة النور إذ إن هناك استثناءات كثيرة ترتبط بالنظام الطائفي.

الطامة الكبرى أن هناك من يدعو لقيام دولة القانون والعدالة ويدعو لتطبيق مفاهيم الديمقراطية على نظام توافق ومحاصة ما يجعل الجميع يقع في تناقضات تنال من يوميات الناس وعيشهم واقتصادهم. فكيف يمكن أن تبنى دولة قوية موحدة في ظل وجود حزب يمنع سلاحه الدولة من تطبيق القانون بحقه إن تجاوزه؟ وهذا الأمر على سبيل المثال لا الحصر، فكل يوم تمارس الطوائف أعمالا تمنع من قيام الدولة التي ينادون بها.

للأسف، النظام الطائفي والديمقراطية لا يمكن أن يتعايشا.