«دبلوماسية الحبوب» والأزمة الأوكرانية... خطوة للحل أم استراحة مقاتل؟

الأمل أمام وضع بدايات لنهاية المعركة
خلال توقيع الاتفاقية برعاية الأمم المتحدة وتركيا (رويترز)

باكو: تعددت الأوصاف التي يطلقها البعض على الدبلوماسية كأداة من أدوات إدارة العلاقات الدولية في أوقات السلم وفى مسار البحث عن حلول لحالة الحرب، ويستمد كل وصف من هذه الأوصاف اسمه من طبيعة العملية التي يجري بشأنها العمل الدبلوماسي، وهذا ما ينطبق على اتفاق الحبوب الموقع في الثاني والعشرين من يوليو (تموز) 2022 في العاصمة التركية أنقرة، تحت رعاية الأمم المتحدة، بين طرفي الأزمة (روسيا وأوكرانيا). صحيح أن ما تم التوصل إليه هما اتفاقيتان وليس اتفاقا واحدا، رغم وحدة الموضوع الذى تنظمه هاتان الاتفاقيتان، وهو ما يجد تفسيره في ضوء المواقف المتشددة من طرف الأزمة، ورفضهما التوقيع على وثيقة مشتركة بينهما، فوقع كل منهما وثيقة مستقلة مع الأطراف الراعية للمفاوضات التي وضعت حدا لعملية تصدير الحبوب والزيوت إنقاذا للاقتصاد العالمي الذي بدأ يدخل في أزمة جديدة مركبة الأبعاد ومتعددة التداعيات والتأثيرات، خاصة وأنها جاءت تالية لأزمة عالمية سابقة ارتبطت بتفشى حائجة فيروس كوفيد-19.


في خضم تلك الخطوة الدبلوماسية التي تعد بمثابة حل وسط بين المواقف المتشددة من جانب أطراف أزمة، وبين محاولة إنقاذ العالم من أزمة غذائية تتفاقم بصورة سريعة، يستعرض هذا التقرير الاتفاق الموقع بين الأطراف ودوره ومستقبله، وذلك من خلال محورين على النحو الآتي:
بنود محددة وردود فعل محدودة


اكتسب اتفاق الحبوب أو ما يطلق عليه البعض «ممر الجنوب» اهتماما دوليا وإقليميا ومحليا واسع المدى، حيث جرت عقب توقيعه، نقاشات واسعة ونُشرت عنه أخبار عديدة وسُطرت في تحليله كتابات متعددة، رغم أن بنوده محدودة العدد، حيث شمل الاتفاق خمسة بنود رئيسية، هي:
تمكين أوكرانيا من تصدير 25 مليون طن من الحبوب والسلع الزراعية الأخرى خلال 120 يوماً من تاريخ توقيع اتفاق الحبوب.
يتولى الأوكرانيون قيادة السفن المحملة بالحبوب عبر قنوات آمنة وسط المياه المليئة بالألغام إلى ثلاثة موانئ، هي: أوديسا وتشيرنومورسك، ويوزني، على أن تخرج السفن بعد ذلك من المياه الإقليمية الأوكرانية في البحر الأسود وتعبر مضيق البوسفور إلى ميناء تركي للتفتيش ثم تتجه بعد ذلك إلى وجهاتها.

قال مسؤولون من الأمم المتحدة إن استئناف صادرات الحبوب من موانئ البحر الأسود قد يستأنف في غضون أسابيع بموجب الاتفاق (غيتي)


كل الممرات البحرية من الموانئ الأوكرانية الثلاثة وصولاً إلى مضيق البوسفور ستكون آمنة تماماً ليس بسبب نزع الألغام البحرية منها بشكل كامل وإنما بعدم القيام بعمليات عسكرية فيها.
السماح لروسيا أيضا بتصدير الحبوب والأسمدة، إذ إنه في مقابل السماح لأوكرانيا بالتصدير، سيتم وقف العقوبات على صادرات روسيا من القمح والأسمدة، حيث يقدر حجم صادراتها طبقا للتقديرات الروسية ما يقرب من 50 مليون طن، وهو ما يعني أن كل المناطق الروسية حول بحر أزوف ومضيق كيرتش وميناء سيفاستوبول ستكون مناطق آمنة.
إنشاء مركز تحكم فى إسطنبول، يعمل به مسؤولون من الأمم المتحدة وتركيا وروسيا وأوكرانيا، من أجل مهمة تنسيق وإدارة صادرات الحبوب، كما أنه سيتم تفتيش السفن للتأكد من أنها تحمل الحبوب والأسمدة وليس الأسلحة.


ورغم أهمية هذا الاتفاق إلا أن ردود الفعل الدولية لم تكن على مستوى هذه الأهمية، بل غلب عليها الحذر ودعوة الطرفين للالتزام ببنوده، بدءا من الأمم المتحدة راعية الاتفاق، حيث اعتبر الأمين العام أنطونيو غوتيريش أن: «اتفاق الحبوب الروسي الأوكراني سيفتح طريقًا للصادرات الغذائية التجارية من كييف عبر البحر الأسود، وأن الاتفاق بين البلدين سيساعد على تجنب كارثة نقص الغذاء للملايين في جميع أنحاء العالم». وفي السياق ذاته، اعتبر الاتحاد الأوروبي على لسان الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيف بوريل، أن الاتحاد الأوروبي يعتقد أن توقيع الاتفاق الخاص بصادرات الحبوب الأوكرانية يعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، للتغلب على الأزمات الحادة التي اجتاحت أسواق الغذاء العالمية منذ عدة أشهر»، كما طالبت الولايات المتحدة، موسكو بتنفيذه، فقد ذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس بترحيب بلاده: «بإعلان هذا الاتفاق من حيث المبدأ، ولكن ما يهمنا الآن هو تحميل روسيا مسؤولية تنفيذ هذا الاتفاق والسماح للحبوب الأوكرانية ببلوغ الأسواق العالمية».

مسارات المستقبل المحتملة
إذا كان صحيحا أن اتفاق الحبوب يمثل خطوة في مسيرة حلحلة المواقف المتشددة بين الطرفين، من خلال السعي لضمان التزام الطرفين بما ورد في الاتفاق، فإنه من الصحيح أيضا أن توقيع هذا الاتفاق في هذا التوقيت على وجه الخصوص يثير تساؤلا لا يقل أهمية عن التساؤل عن المسارات المحتملة لمستقبل هذا الاتفاق بأبعاده الغذائية والإنسانية، فهل سيكون قاطرة سياسية لتشجيع الأطراف على بدء الانخراط في حل سياسي مقبول منهم؟ وتأتي الإجابة على هذا التساؤل لتحمل مسارين محتملين، هما:
المسار الأول، يرى أن الاتفاق يمثل خطوة للتخفيف من حدة الصراع، بمعنى أن الاتفاق قد يكون هو البداية لتسوية أوسع، تشمل وقفاً للنار والبدء في مفاوضات جدية بين الطرفين، مع إمكانية التوسع في إبرام المزيد من الاتفاقات التي من شأنها تخفيف حدة انعكاسات الأزمة على الأوضاع الاقتصادية عالميا بصفة عامة وقطاعات النفط والغاز والحبوب على وجه الخصوص، يدلل على ذلك بعض المؤشرات، منها:
التعهد الذي أطلقه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، على هامش توقيع الاتفاق، بأن: «موسكو لن تستغل إزالة الألغام وفتح الموانئ الأوكرانية في إطار اتفاق توسطت فيه الأمم المتحدة لاستئناف صادرات الحبوب الحيوية... روسيا أخذت على عاتقها الالتزامات المنصوص عليها بوضوح في هذه الوثيقة. لن نستغل حقيقة أن الموانئ سيتم تطهيرها وفتحها. لقد قطعنا هذا الالتزام».

سفن الشحن كانت غير قادرة على تصدير القمح الأوكراني منذ فبراير الماضي (غيتي)


عدم قدرة الأطراف كافة، الروسية والأوكرانية والغربية، على استمرار الحرب، وتحمل تأثيراتها الاقتصادية على الأطراف كافة. فعلى الجانب الروسي، الذي حقق بعض المكاسب سواء على الأرض أو على المستوى الاقتصادي إلا أنه تكبد خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد منذ بدء الحرب، مع عدم قدرته على حسم الموقف بسرعة أكبر على الأرض. كذلك الجانب الأوكراني، حيث يتعرض اقتصاده للتدمير بوتيرة لن تكون المساعدات الغربية مهما كانت سخية، بقادرة على تعويض الخراب الذي يلحق بالبنى التحتية للبلاد. كما أن الجانب الغربي وخاصة الأوروبي أصبح غير قادر على تحمل أعباء حرب طويلة تستنزف الكثير من موارده لدعم أوكرانيا بالسلاح والمال، ويتم ذلك على حساب الاقتصادات الغربية ونموها، فضلا عما تنتظره الدول الأوروبية من شتاء قاسٍ بفعل تدني منسوب الغاز المتدفق من الأنابيب الروسية، وصعوبة تدبير بدائل عن الطاقة الروسية التي تضررت بها الصناعات الأساسية ومن موجة ركود اقتصادي، بدأت معالمها تظهر تدنياً لسعر اليورو إلى أقل من دولار للمرة الأولى منذ 2002، وأن التعليمات التي تصدرها مختلف الدول الأوروبية للتقنين في استهلاك الطاقة خير دليل على ما ينتظر هذه الدول من صعوبات في الأشهر المقبلة.


المسار الثاني، لن يؤدي الاتفاق إلى تراجع العملية العسكرية أو وقفها، بل من المحتمل أن لا يشهد الاتفاق تجديدًا له إذا ما قدر أن استمر حتى انتهاء المدة المحددة له، يدلل على ذلك بعض المؤشرات، من أبرزها:
استمرار المعارك بين الطرفين (الروسي- الأوكراني)، أكد على ذلك القصف الروسى الذى استهدف ميناء أوديسا الرئيسي في 23 يوليو (تموز) 2022 أي بعد يوم واحد من توقيع الاتفاق إذ ذكر المتحدث باسم الإدارة العسكرية للمدينة سيرهي براتشوك، أن: «صاروخين ضربا البنية التحتية للميناء في حين نجحت الدفاعات الجوية الأوكرانية بإسقاط اثنين آخرين»، في إشارة إلى التصعيد الذي تشهده ساحات المعركة رغم توقيع الاتفاق، وهو ما أكد عليه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بقوله إن: «هذه الضربة كانت تستهدف البنية التحتية العسكرية في الميناء، وإنه لا يوجد في اتفاق الحبوب الذي وقعته روسيا ما يمنعها من مواصلة مهاجمة البنية التحتية العسكرية في أوكرانيا»، وقد دفع هذا الموقف الروسي الجانب الأوكراني إلى التشدد فيما يتعلق بملف إزالة الألغام من المياه الأوكرانية خشية أن تستغل روسيا هذا الموقف، وهذا ما ذكره المتحدث باسم الإدارة العسكرية للمدينة بأن: «أوكرانيا لن تزيل الألغام بالكامل من منطقة الميناء رغم اتفاق تصدير الحبوب مع روسيا الذي تم توقيعه الجمعة الماضي.. لأن فتح الميناء لتصدير الحبوب الأوكرانية رغم القصف الروسي الأخير للبنية التحتية للميناء لا ينطوي على إزالة الألغام بالكامل». ومن الجدير بالذكر أن ما حدث كان متوقعا من جانب بعض السياسيين الأوكرانيين كما تنبأ بذلك لي هريهوري نمريا، النائب السابق لرئيس الوزراء، الذي يشغل الآن منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني، بأن الأوكرانيين يخشون احتمال استخدام روسيا هذه المحادثات ليس للمماطلة فحسب (وإعادة تنظيم صفوفها) بل، مثلاً، لشن هجوم على أوديسا. وقد أدان هذا القصف كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ووزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، وذكر بيان صادر عن الأمم المتحدة: «إن الأمين العام أنطونيو غوتيريش، يدين بشكل لا لبس فيه الضربات على ميناء أوديسا الأوكراني».


تعاظم حجم الخلاف وحدته وتضارب الأجندات الدولية المتصارعة في أوكرانيا، يؤشر على ذلك ما شهدته عملية توقيع الاتفاق ذاتها، إذ تجنب الوزيران الروسي والأوكراني الجلوس على طاولة واحدة أو التصافح خلال مراسم التوقيع على الاتفاق، حيث وقع الاتفاق من الجانب الروسي وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بشكل منفصل مع نظيره التركي خلوصي أكار، وبعد ذلك وقع وزير البنى التحتية الأوكراني ألكسندر كوبراكوف على الاتفاقية مع الوزير التركي بإشراف الأمين العام للأمم المتحدة. هذا فضلا عن تعددية الملفات والمشكلات المعقدة الأخرى التي لا تزال عالقة بينهما، منها على سبيل المثال تلك المتعلقة بالطاقة والمعادن، ومنها ما هو متعلق بحجم العقوبات الغربية المفروضة على روسيا.

آثار الدمار الذي خلفه القصف الروسي لميدان الحرية في مدينة خاركيف (غيتي)


وبقطع النظر عن تأثيرات هذا الاتفاق عن مسار العملية العسكرية، إلا أنه حمل بعدا إنسانيا مهما في الحد من تفاقم أزمة الغذاء العالمية، إذ إن استعادة أوكرانيا لدورها في سوق الحبوب والزيوت العالمية من شأنه أن يخفف من ارتفاعات الأسعار التي تركت تأثيرها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عديد البلدان، إذ سرعان ما صحب توقيع هذا الاتفاق تراجع أسعار القمح العالمية بنسبة 3 في المائة في بورصة شيكاغو، كما تراجعت أيضا أسعار الذرة وفول الصويا لتصل إلى أدنى مستوياتها في نحو 8 أشهر.


في ضوء ما سبق، نخلص إلى القول إنه من الصعوبة بمكان أن يختلف اثنان على أهمية توقيع مثل هذا الاتفاق الذى يُعد الأول من نوعه بين البلدين منذ بدء العملية العسكرية في فبراير (شباط) الماضي، في تخفيض أسعار الغذاء في العالم، ولكن من غير المتوقع أن يضع هذا الاتفاق نهاية لتلك الحرب ما لم تدرك الأطراف المنغمسة فيها كلفتها المرتفعة التي يدفع ثمنها العالم بأسره وليس فقط مواطنو الدولتين المتحاربتين، وهو ما بدأت تدركه هذه الأطراف بما قد يفتح الأمل أمام وضع بدايات لنهاية هذه المعركة خلال فصل الخريف القادم على أقل تقدير، شريطة أن يتوافق الأطراف على إعادة هيكلة مسارات علاقاتهم من ناحية، ووضع خريطة طريق قادرة على أخذ تطورات الواقع الجديد وأبعاد التهديدات القادمة في الاعتبار من ناحية أخرى. وأنه من دون هذا الإدراك ستظل الأزمة مفتوحة على مختلف السيناريوهات التي لا يمكن أن تحقق استقرارا أو هدوءا في المنطقة والعالم بأسره بل يمكن أن تجر الجميع إلى حرب يدفع ثمنها الباهظ وتكاليفها المتزايدة، ليست فقط أطرافها المباشرين وإنما بقية دول العالم، فهل ينتظر الجميع هذه النهاية المأساوية أم سيفيق قبل فوات الأوان؟