مهرجانات السينما الثلاثة الأولى تتنازع على الريادة

منافسة صعبة وحرب خفية
قفز «شكل الماء» من فنيسيا إلى الأوسكار

هوليوود: حسب الباحث ستيفن فيلوز، هناك قرابة 3000 مهرجان سينمائي فاعل (أي غير متوقف) حول العالم. كلمة «قرابة» تعكس صعوبة تحديد الرقم فعلياً. قد يكون أكثر من 3000 قليلاً أو أقل قليلاً- لا يهم. المهم أن هناك 365 يوماً في السنة وفي كل يوم منها هناك 8 مهرجانات وثلث تقع في فترة زمنية واحدة.


كثير من المهرجانات توقفت خلال الخمس عشرة سنة الماضية وإلا لارتفع الرقم من 3000 إلى أكثر من 6000 حسب تقديرات. 75 في المائة من المهرجانات النشطة حالياً بدأت نشاطها في السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة. ومن المصدر نفسه أن 39 في المائة من المهرجانات غير الفاعلة (أو المتوقفة عن النشاط) اكتفت بدورة واحدة.


ولو جمعنا ما أقيم وتوقف خلال العقدين الماضيين، منذ بداية هذا القرن، لزاد العدد متجاوزا الـ9000 مهرجان. في الواقع تتضمن قائمة موقع IMDb  ما يصل إلى 9547 مهرجانا من مختلف الأنواع والأحجام والاهتمامات. معظمها أصغر شأناً من أن يُثير حوله أي نشاط فعلي، لكن هذا الرقم، في الواقع، أعلى عدداً من باقي أنواع النشاطات والفاعليات (كالرياضات البدنية على أنواعها وفنون ومعارض كتب.. إلخ...) بأضعاف.

أرقام أخرى
إنه من الغريب إلى حد بعيد إذن أن ثلاثة مهرجانات فقط- من بين كل هذا العدد- هي التي تتمتع بالمكانة الأولى وتتربّع على القمّة. هذه المهرجانات، حسب ورودها كل سنة، هي برلين (فبراير/ شباط) وكان (مايو/ أيار) وڤنيسيا (سبتمبر/ أيلول). هناك شهران ونصف بين برلين وكان، وثلاثة أشهر وبضعة أيام بين كان وڤنيسيا. ثم أربعة أشهر ونصف بين ڤنيسيا وبرلين. خلال هذه الأشهر الفاصلة تتبارى هذه المهرجانات في مجال الاستحواذ على الأفلام الأفضل من بين كل ما ينتجه العالم من أفلام.

عرضه كان ثم التقط أوسكارات أخرى


عدد الأفلام المنتجة حول العالم يتراوح بين 4000 و4200 فيلم مختلف الأطوال والفورمات (أنيميشن، روائي حي وتسجيلي). وهذه يمكن تقسيمها إلى غالبية من الأفلام التي تعرض في صالات السينما، قبل أن تتحوّل إلى عروض أخرى (DVD وOn Line.. إلخ). ونسبة الثلث منها الذي يتوجه مباشرة إلى العروض المنزلية على النت أو تُطرح كاسطوانات.


لكن لا نتوقع أن كل مهرجان من هذه المهرجانات الأولى يستعرض كل هذه الأفلام للاختيار منها. نسبة الأفلام المشغولة بهدف عروضها المهرجاناتية يقترب من 40 في المائة (حسب تقديري الشخصي) والمهرجانات تتنافس على استحواذ أفضلها. هذا يعني أن المهرجانات الرئيسية تستحوذ على نحو 18 في المائة من هذه الأفلام وتترك الباقي لمهرجانات الصف الثاني (10 مهرجانات) والصف الثالث (25 مهرجانا). الباقي غالباً يعرض ما تعرضه مهرجانات الصفين الأول والثاني.


الحال هكذا، فإن التنافس بين المهرجانات الثلاثة الأولى حاد ومستمر. حقيقة أن الأشهر الفاصلة بين كل مهرجان وآخر قد تتجاوز الأربعة أشهر لا يعني أن المهرجان الواحد لا يعمل بجهد إلا ضمن هذه الفترات. سر المهرجان المستمر تألقاً ومستوى هو العمل الدؤوب 11 شهراً في العام وهذا يتضمّن متابعة النشاطات السينمائية عموماً والوقوف على أعمال كبار المخرجين التي إما التي دخلت مرحلة التصوير أو وهي في سبيلها المؤكد لذلك، ومتابعة أخبار الصناعة ذاتها ولا بأس من التعرّف على نشاط المهرجانات الأخرى الأساسية، ومتابعة اتجاهاتها وما تقوم به من أجل الاستمرارية والبقاء.


هذا التنافس ينجلي دوماً عن استقطاب المواهب البارزة. من ذا الذي يستطيع تفويت فرصة عرض فيلم لترنس مالك أو مارتن سكورسيزي أو لباولو سورنتينو أو بدرو ألمودوفار أو هاياو ميازاكي أو تاكيشي كيتانو أو موريس بيالا أو فيم فندرز؟ حال قيام أحد هؤلاء أو سواهم من أساتذة  أو مشاهير الإخراج اليوم بالعمل على فيلم فإن كل مهرجان سيسعى لكي يستقطبه ويدخل في منافسة غير معلنة في سبيل ذلك.

مايكل كيتون، قاد بطولة «ذَ بيردمان» إلى الأوسكار


المسألة سهلة أحياناً. فهناك مخرجون مُتيّمون بمهرجان مُعين يعودون إليه، مثل الأخوين البلجيكيين لوك وجان- بيير داردين اللذين يداومان على اختيار مهرجان كان لعرض جديدهما. مثلهما في ذلك الياباني كوري- إيدا هيروكازو والروسي كيريل سيربينيكوف والفرنسي جاك أوديار والإيطالي ناني موريتي والعشرات سواهم. بذلك أنشأ المهرجان الفرنسي زبائن من بعض أهم فناني اليوم يؤمّونه كلما انتهوا من فيلم جديد.


لكن هناك من ينقل فؤاده حيث شاء من الهوى. هو في «كان» مرّة وفي فنيسيا مرّة أو في برلين مرّة أخرى. وكوننا، نحن معشر النقاد والإعلاميين، لا نعرف من الخفايا وما الورائيات إلا القليل، فإنه من الصعب معرفة ما إذا كان اختيار مهرجان ما لأفلام مسابقته تمّ تحديداً حسب رؤية لجنة اختياره ومديره الفني أو ببعض التنازل نسبة لأن اسم المخرج من الثقل بحيث لا يمكن إلا الاستحواذ على فيلمه بصرف النظر عن قيمة هذا الفيلم أو مستواه.
كذلك لا يمكن إلا التكهّن بتفاصيل قبول أو رفض أفلام من مخرجين أقل شهرة. نعم، هناك حشد كبير من صانعي الأفلام الجدد الذين يشهدون فرصهم الكبرى في تلك المهرجانات، واهتماما فعليا لعرض أعمالهم، لكن لماذا يبدو دوماً أن من بين الأفلام التي أحيلت لعروض التظاهرات الجانبية ما هو أفضل شأناً من أفلام عُرضت في المسابقة الرسمية؟

الأوسكار كغاية
هناك الكثير مما يمكن إضافته على ما سبق في نطاق البحث عن كيفية العمل على انتقاء الأفلام التي يريد كل مهرجان، من بين هذه المهرجانات الأساسية الثلاث، عرضه في كل دورة. ذلك لأن المسألة لا تتم بعيداً عن تنافس حاد بين كل مهرجان وآخر.


عملياً، هناك أكثر من وسيلة لقياس المهرجان الرائد بين الثلاثة المذكورة. والرائد هنا تعني الأكثر أهمية والأكثر نجاحاً في تحقيق غايته. والحاصل عادة أن مهرجاناً ما يتمتع بفترة ذهبية ثم يتأخر عن المواكبة لأسباب إدارية أو لأن عضد المهرجان المنافس اشتد. هذا ما حدث مع مهرجان برلين الذي يمكن ملاحظة تراجعه في السنوات العشر الأخيرة من المركز الأول إلى الثاني ثم إلى الثالث بين منافسيه الآخرين.


عنصر النجاح الأول هو الاستقطاب وهذا يعتمد على قيمة الجائزة التي يتنافس الفيلم للاستحواذ عليها، وقيمة المهرجان كاحتفال سينمائي واسع وبالتالي حجمه على أصعدة الإعلام والفن والمحيط الإنتاجي بكامله ونجاحه في حشد الأفلام التي تستقطب النجوم والإعلام وتعرض ما يرضي النقاد الذين سيكتبون لصحفهم حول العالم بما عُرض عليهم سلباً أو إيجاباً.


يعتمد كذلك على فيلم الافتتاح ومكانته، وفي السنوات الأخيرة على نجاح الأفلام المشاركة في المسابقة، وخصوصاً تلك الفائزة بالجوائز الأولى على شق طريقها صوب ما بات يُعتبر بمثابة الامتحان الأخير: الأوسكار.

 

فيلم زياد دويري اللبناني- الأميركي «الإهانة»


نجد، في السنوات العشر الأخيرة، ارتفاع مستوى العلاقة بين من يفوز بجائزة أي من هذه المهرجانات الثلاث وبين من يفوز بأوسكار أفضل فيلم أو أفضل فيلم أجنبي أو أفضل إخراج. ولو عمدنا إلى التفاصيل سنجد التالي:
• عدد الأفلام التي عُرضت في مهرجان فنيسيا وفازت بأوسكار أفضل فيلم أو أفضل فيلم أجنبي أو أفضل مخرج: 9
• عدد الأفلام التي عُرضت في مهرجان «كان» وفازت بأوسكار أفضل فيلم أو أفضل فيلم أجنبي أو أفضل مخرج: 5
• عدد الأفلام التي عُرضت في مهرجان برلين وفازت بأوسكار أفضل فيلم أو أفضل فيلم أجنبي أو أفضل مخرج: 2
• عدد الأفلام التي عُرضت في مهرجان فنيسيا ورُشحت- لكن لم تفز- بأوسكار أفضل فيلم أو أفضل فيلم أجنبي أو أفضل مخرج: 17
• عدد الأفلام التي عُرضت في مهرجان «كان» ورُشحت- لكن لم تفز- بأوسكار أفضل فيلم أو أفضل فيلم أجنبي أو أفضل مخرج: 18
• عدد الأفلام التي عُرضت في مهرجان برلين ورُشحت- لكن لم تفز- بأوسكار أفضل فيلم أو أفضل فيلم أجنبي أو أفضل مخرج: 2
أبرز الأفلام التي انتقلت من فنيسيا إلى الأوسكار The Shape of Water لغويلرمو دل توروو Birdman لأليهاندرو غونزالِز إيناريتو وRoma لألفونسو كوارون وكلها خرجت بأوسكارات. تلك التي عرضها «كان» وانتقلت بعده إلى الأوسكار تتضمن The Great Beauty للإيطالي باولو سورنتينو و«ابن شاوول» للمجري نيميش لازلو، وParasite للكوري بونغ جون هو وهي قطفت أوسكارات كذلك.
أما الفيلمان اللذان عرضا في برلين وقطفا أوسكارات فهما The Grand Budapest Hotel للأميركي وس أندرسن وFantastic Woman للتشيلي سيباستيان ليلو.

نسق كلاسيكي
سيتطلب الأمر عدة أيام انصرف فيها لمراجعة هذه القوائم من ثلاثينات القرن الماضي وإلى اليوم، لكن ما هو منشور هنا يفيد بالمنافسة الشديدة بين مهرجاني فنيسيا ومهرجان كان، التي ازدادت وتيرتها في السنوات الأخيرة.


ما يجعل مهرجان فنيسيا، الذي سيطلق دورته التاسعة والسبعين في الحادي والثلاثين من شهر أغسطس المقبل، يتميّز بعدد مرتفع من الجوائز، وشبه مساو من الترشيحات، يعود إلى أن المهرجان يُقام في فترة قريبة من بدء موسم الجوائز الذي يقود في مطلع العام إلى سباقات الأوسكار والغولدن غلوبز والبافتا بين أخرى. هذا هو السبب في أن عدد ترشيحات وجوائز برلين تكاد لا تذكر كونه يُقام في مطلع العام بعدما أسدل الستار على معظم الترشيحات الرسمية للجوائز الموسمية.


وهناك سبب آخر، ينظر صانعو السينما إلى مهرجان فنيسيا على أنه مهرجان يُقام فعلياً للفن وعلى النسق الكلاسيكي الذي كانت تقام به معظم المهرجانات الأخرى. وهو، كتأكيد لذلك، ينأى بنفسه عن «البزنس» في السينما إذ امتنع عن إقامة سوق لبيع وشراء وترويج الأفلام كما الحال في برلين، و- خصوصاً- في كان. هذا العام سيقيم نوعاً من السوق المحدودة فوق جزيرة ليست بعيدة عن جزيرة الليدو، في مقاطعة فنيسيا، وذلك بهدف تنشيط هذا القطاع.


حجم السوق الموازية لمهرجان كان أكبر من حيث عدد المشتركين فيه كما من حيث المساحة الكبيرة الموزعّة أمام وخلف قصر المهرجانات وداخله.
واللافت أن عدداً من الأفلام التي توجّهت من مهرجان فنيسيا إلى الأوسكار مثل Gravity لألفونسو كوارون وBirdman لأليهاندرو غونزالِز إيناريتو و«لا لا لاند» لداميان شازيل، افتتحت المهرجان الإيطالي رسمياً في سنوات عروضها.


في المقابل، افتتاحات مهرجان كان غالباً ما تمر من دون أن تتجاوز الاحتفال الفرنسي وذلك لسبب مهم أثّر وما يزال يؤثر سلباً على المهرجان الفرنسي وهو أن الغالبية الكبرى من الأفلام المعروضة (سواء كأفلام افتتاح أو أفلام متسابقة رسمياً) هي أفلام فرنسية إما بتمويل كامل أو جزئي ما جعل المهرجان الفرنسي يبدو فرنسياً لا بالموطن فقط، بل باختياراته من الأفلام.

من «عمر» للفلسطيني هاني أبو أسعد


ولا بد من الإشارة إلى أن الأفلام العربية التي تسللت إلى مهرجان فنيسيا وكان استفادت كذلك من بعض الوهج الأوسكاري. فمعظم الأفلام العربية التي وصلت إلى سدّة الترشيحات الرسمية في قسم أوسكار أفضل فيلم عالمي (أجنبي) كانت وصلت عبر أحد هذين المهرجانين.


هذا حال الفيلم الأردني «ديب» لناجي أبو نوار (عروض فنيسيا) والفيلم اللبناني «الإهانة» لزياد الدويري (فنيسيا) و«عمر» للفلسطيني هاني أبو أسعد (كان) و«كفرناحوم» للبنانية نادين لبكي (كان) ثم- آخرها «الرجل الذي باع جلده» للتونسية كوثر بن هنية (فنيسيا).


حين يصل الأمر إلى برلين، نجده ما زال واقفاً بصلابة في المركز الثالث. هذا ليس سهل التحقيق (من بين ألوف المهرجانات الأخرى) وسببه يعود إلى أنه نجح عاماً بعد عام في استقطاب ذات المستوى من الأفلام الكبيرة التي يعرضها كان أو فنيسيا. في بعض الأحيان، كما كان الحال ما بين 2010 و2018 عرض أفلاماً أفضل من العديد مما تم عرضه في المهرجان الفرنسي.