لبنان... لا حكومة قبل نهاية عهد عون والأنظار نحو الاستحقاق الرئاسي

استمرار تأخير الخطوات الإصلاحية والشلل والأزمات
قصر بعبدا.

بيروت: لم تستغرب الأوساط السياسية والاقتصادية انحسار الاهتمام بتشكيل الحكومة، حتى يمكن القول إن جميع الأطراف السياسيين غيبوا ذكر مسألة تشكيل الحكومة الجديدة من مواقفهم وإطلالاتهم الإعلامية، وكأنهم سلموا بأن مسألة تشكيل الحكومة الجديدة، لم تعد ممكنة، في ظل تمسك رئيس الجمهورية بمواقف تياره السياسي الرافض لمواقف الرئيس المكلف نجيب ميقاتي بعد أن سلمه تصوره لشكل الحكومة الجديدة وإصراره على إبعاد التيار الوطني الحر عن وزارة الطاقة والمياه.


كما استغربت هذه الأوساط اختفاء مسألة تشكيل الحكومة من المواقف والإطلالات الإعلامية لنواب وقيادات حزب الله، والدعوات لتسريع التشكيل خلافاً على ما كانت عليه مواقفهم سابقاً، مما يعني أن الحزب، لم يعد يولي تأليف الحكومة الجديدة الاهتمام المطلوب، في انتظار تبيان نتائج اللقاءات الإقليمية والتغييرات في أكثر من دولة ومنطقة.

رئيس الجمهورية ميشال عون

الحكومة لن تبصر النور
كل الدلائل تشير إلى أن الحكومة الجديدة لن تبصر النور قبل نهاية عهد ميشال عون فالرئيس المكلف نجيب ميقاتي بات على قناعة بأن رئيس عهد الفراغ لا يريد التأليف إلا إذا كان بشروطه هو، وإلا فلتبق حكومة تصريف الأعمال تدير البلاد، غير مبالٍ بالأوضاع المالية والاقتصادية والمعيشية في البلد. فالرئيس عون والتيار الوطني الحر يدفعان في اتجاه سيناريو من اثنين: إما زرع طريق ميقاتي بالعقبات والعراقيل كي يبقى بعيدا من زيارة القصر، وإما الضغط عليه ليؤلف الحكومة التي يرغب بها جبران باسيل.


من هنا، تحدث الرئيس المكلف عن «العصفورية»، قائلا خلال حفل إطلاق حملة «أهلا بهالطلة» التي تنظمها وزارة السياحة لحث السياح على زيارة لبنان: «اخترتم للحملة شعارات من أغنيات لبنانية، أول حملة كان عنوانها (بحبك يا لبنان، كيف ما كنت بحبك) لفيروز، واليوم (أهلا بهالطلة أهلا) لصباح. ونتمنى منكم جميعا أن تدعو معي إذا استمررنا في اختيار الأغاني كشعارات، أن لا نصل إلى أغنية (عالعصفورية)».


وجاء تصريحه بعدما تبين له أن زيارة القصر الجمهوري متأخرة، إذا لم يحمل معه صيغة جديدة لحكومة، ترضي الرئيس عون وصهره، وهو ما لن يفعله الرئيس المكلف ولن يخضع لشروط باسيل الذي يسانده رئيس الجمهورية ويقول لزواره إن حكومة آخر العهد، له رأي فيها ويراها سياسية بامتياز، لتملأ الفراغ الذي قد يحدثه عدم انتخاب رئيس للجمهورية، فهو كما اعتبر في أول عهده بعد انتخابه لرئاسة الجمهورية، أن الحكومة الأولى التي تشكلت، ليست هي حكومة العهد، فإنه لن يختم ولايته بحكومة تفرض عليه، أو لا يكون له حق الفيتو، متذرعاً بأن الدستور نص على التشاور بين الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية في الحكومة، لأن توقيعه على مراسيمها له قيمة دستورية وسياسية، ويقيم التوازن الطائفي والوطني.

رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي


من هنا السؤال المطروح اليوم: ما هي الأضرار السلبية اقتصاديا ومالياً واجتماعياً في حال فشلت الجهود لتشكيل حكومة جديدة؟


هذا السؤال طرحته «المجلة» على وزير الاقتصاد والتجارة ونواب من كل الاتجاهات السياسية وخرجت بالردود التالية:
 
سلام: الأهم هو الاتفاق مع صندوق النقد الدولي

وزير الاقتصاد والتجارة أمين سلام


وزير الاقتصاد والتجارة أمين سلام أكد أن التداعيات ستكون سلبية، لكن وبحسب المعطيات المتوفرة لنا فإن الوقت ضيق قبل استحقاق الانتخابات الرئاسية، وبالتالي فإن تشكيل حكومة جديدة لن يأتي بالنفع، والمهم في هذه المرحلة أن يقوم مجلس النواب بإقرار مشاريع القوانين المحالة إليه من الحكومة وتمثل الشروط المسبقة التي طلبها صندوق النقد الدولي، فالحكومة أنجزت الاتفاق المبدئي مع الصندوق الذي وضع شروطا مسبقة والحكومة أحالت إلى المجلس مشاريع قوانين منها موازنة العام 2022 ومشروع قانون إعادة هيكلة المصارف ورفع السرية المصرفية والكابيتال كونترول وغيرها من مشاريع القوانين، والمطلوب إقرارها حتى تستطيع الحكومة أن تستكمل المفاوضات مع صندوق النقد للوصول إلى اتفاق نهائي.


وتابع سلام: كما قلت فإن عدم تشكيل حكومة الآن له تداعيات، باعتبار أن الحكومة هي حكومة تصريف أعمال، وهي تأخذ قرارات استثنائية تحتاجها البلاد لأمور أساسية ولمواضيع حياتية، لكنها لا تستطيع أن توقع أو تأخذ قرارات فيها التزامات دولية أو التزامات أساسية، كونها حكومة تصريف أعمال. هذا الوضع أهم ما فيه أن نصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي وهذا الاتفاق يتطلب وجود حكومة فاعلة بكامل صلاحياتها لأن التطبيق والتوقيع يتطلب ذلك، وباعتقادي المحور الأساسي اليوم هو إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها وتشكيل حكومة جديدة حتى نكون فعلاً قد أنقذنا البلد، ولكن إذا تأجل الاستحقاق الرئاسي ولم تكن هناك حكومة جديدة فسنواجه مشكلة كبيرة لأننا لن نستطيع إنجاز الاتفاق نهائياً بالمنطق الدستوري مع صندوق النقد، مما سيؤدي إلى تداعيات كبيرة اقتصادية وسياسية وستنعكس طبعاً على الوضع اجتماعياً، لأن كل تأخير اليوم لإيجاد حلول اقتصادية وفي طليعتها الاتفاق مع صندوق النقد قد يكلف الدولة خسائر كبيرة وانهياراً زائداً بشكل يومي.

حاصباني: خشية من تفكك الدولة
نائب رئيس الحكومة السابق غسان حاصباني اعتبر أنه في حال فشل تشكيل حكومة جديدة، والبقاء في وضع تصريف الأعمال، سيؤدي إلى شللٍ في العمل الحكومي وتأخيرٍ في اتخاذ أي خطوة إصلاحية، مما يعني الاستمرار باستنزاف آخر ما لدينا من احتياطات ومن دون أي عمل لوقف الهدر في القطاع العام.

نائب رئيس الحكومة السابق غسان حاصباني


وقال: ذلك يعني تدهوراً إضافيا في سعر الصرف، وارتفاعاً خيالياً في الأسعار، وجموداً في الاقتصاد. كما أن البلاد ستكون بحال ترقب حذر مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، الأمر الذي يفاقم الوضع، خاصة أنه مع تقدم الوقت، تزداد الخشية من الفراغ الرئاسي في ظل حكومة تصريف أعمال، وهي حالة غير مسبوقة، مما يخلق حالة من الريبة لدى الناس والتجار تؤدي إلى جمود وتدهور اقتصادي إضافي.


ورأى حاصباني أن «ما نحتاج إليه اليوم هو حكومة فاعلة وقادرة على إنجاز اتفاقية مع صندوق النقد لأهميتها من ناحية استعادة الثقة، والبدء بتنفيذ إصلاحات جذرية في القطاع العام لوقف الهدر والتهريب والتهرب الضريبي والجمركي، من خلال ضبط الحدود والجباية وتقليص حجم القطاع العام ووقف الهدر في الكهرباء».


وأكد أنه «حتى لو شكلت الحكومة، فإنه لم يعد أمامها إلا أسابيع قليلة لوضع خطة واضحة لكل هذه الأمور، لذلك أخشى أن نكون قد وقعنا في المحظور وبات أملنا الوحيد هو انتخاب رئيس للجمهورية كي لا نقع في الفراغ الدستوري التام ويدخل لبنان في المجهول وتتفكك الدولة».

يزبك: الخطر على أبواب الشتاء

النائب غياث يزبك


من ناحيته، رأى نائب البترون غياث يزبك أن السؤال واسع ومتشعب لكن يمكن اختصاره بالآتي: «إذا كنا حالياً وسط كارثة حقيقية مجلجلة، فأي تعبير لن يفي بالوصف في حال ظلت البلاد من دون حكومة تستوفي شروط صندوق النقد، وأصدقاء لبنان وطموحات الشعب اللبناني وآماله».
ورأى يزبك أن «امتناع المنظومة عن تشكيل حكومة كهذه سيسقط لبنان على أبواب الخريف في مجاعة واضطرابات وانهيارات تامة، وإذا كان بقي مدماك واحد من الدولة صامداً فإن التلاعب بالاستحقاق الرئاسي أو الاتيان برئيس جمهورية يأتمر بحزب الله وإيران، فسيتحول لبنان إلى دولة فاشلة يهجرها شعبها ويدير لها أصدقاؤها ظهورهم، ولا ينخدعن أحد بالازدهار العابر الذي يمر فيه لبنان في موسم الاصطياف لأن الشتاء على الأبواب والناس من دون مازوت ولا كهرباء ولا دواء».

الصايغ: تأخر المعالجة يعني زيادة الانهيار


نائب بيروت الدكتور فيصل الصايغ اعتبر أن «الأضرار السلبية تتراكم، فكلما تأخرت المعالجات البنيوية الجوهرية الحقيقية، زاد الاقتصاد انهياراً، وهذا يعني أننا سنرى مزيداً من انهيار العملة ونسبة الفقر والتضخم تزداد، فالناس لا يزال مدخولهم على سعر صرف الدولار الرسمي 1500 ليرة، والمصاريف أصبحت كلها على سعر المنصة أي أكثر من 20 ألف ليرة، وبالتالي الحالة الاجتماعية كارثية ولا تتناسب مع مصروف الحد الأدنى. حالة التعثر التي وصلنا إليها مفتاحها صندوق النقد الدولي أي إقرار البرنامج الإصلاحي مع صندوق النقد. هذا لن يحصل دون وجود حكومة فاعلة وحقيقية وبالتالي تتأجل المعالجات». ورأى الصايغ أن السياسة المعتمدة اليوم هي سياسة ترقيعية بعيدة عن المعالجات. وقال: «الوقت ليس لصالحنا وهو يلعب ضدنا وكلما تأخرنا تزداد الضغوط صعوبة والانهيار يزداد أكثر. لذا الأضرار سلبية جدا وللأسف لا يوجد مؤشر لتشكيل حكومة، والواضح أنها غارقة في موضوع رئاسة الجمهورية وأصبحت الحكومة العنوان الفرعي».

الدكتور فيصل الصايغ


وتابع قائلاً: «نريد برنامج صندوق النقد الدولي، وتنظيم علاقاتنا الخارجية لا سيما مع دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، لأن هناك التضامن الحقيقي، وكل ذلك يتأجل بسبب يد المحور الإيراني. لذا قبل أن نحدد هويتنا السياسية والتي هي عربية، يجب أن نؤكد على علاقتنا مع الخليج وعلى رأسها السعودية وأن نؤكد انتماءنا لهذه المنظومة الدولية، وإلا لن تمتد يد العون إلى لبنان وستزداد أزمتنا الاقتصادية والاجتماعية».

الحشيمي: الحكومة لم تعد أولوية

الدكتور بلال حشيمي


بدوره، رأى نائب البقاع الدكتور بلال حشيمي أنه مع اقتراب موعد الدخول في فلك الاستحقاق الرئاسي، تتجه الأنظار إلى قصر بعبدا الذي بات واضحاً أنه طوى ملف تشكيل حكومة عهد الرئيس ميشال عون الأخيرة، وقال: «لا مؤشرات توحي بولادة قريبة للحكومة التي لم تعد بحد ذاتها أولوية خصوصاً بالنسبة إلى المجتمع الدولي، الذي بات المعيار الأهم لديه هو كيفية إدارة هذه المرحلة الصعبة والتركيز على التحضير للعهد الجديد. فهو على قناعة تامة بأن إخراج لبنان من الأزمات المتداخلة التي يتخبط فيها يبدأ مع انتخاب رئيسٍ جديدٍ يدفع بالعملية الإصلاحية قدماً ويسعى لاستعادة ثقة المجتمع الدولي بلبنان، ويعبد الطرق لتيسير الدعم العربي، مستنيراً بما دعت إليه قمة جدة بضرورة خروج لبنان من أزمته المالية الخانقة والتشديد على تطبيق اتفاق الطائف والدستور واحتكار الدولة وحدها للسلاح، وبالتالي ضمان عدم تكرار تجربة العهد الراهن».


وفيما تسير البلاد من انهيار إلى آخر ومن تردٍ في الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية وتفاقم لأزمة الكهرباء والمياه والطحين والأدوية والاستشفاء وارتفاع سقف الدولار وتعطيل للقرارات وإضراب متمدد للقطاع العام، يبدو أن اللبنانيين على موعد مع الاستمرار على هذه الحال في ظل حكومة تصريف أعمال تمتد حتى موعد الاستحقاق الرئاسي ولا سبيل لديهم سوى مزيدٍ من الصبر من باب مقولة «راح الكتير وما بقى إلا القليل».