في الذكرى الثانية لانفجار المرفأ.. أهالي الضحايا يطالبون بلجنة تقصي حقائق دولية

النيران تفتك بـ«الشاهد الصامت» على الإهمال في مرفأ بيروت
الدخان يتصاعد من موقع الحريق في إهراءات المرفأ (د ب أ)

بيروت: ينبض مرفأ بيروت بـ«دخان الألم» الذي يتصاعد منذ أيام جراء الحريق المستمر في إهراءات القمح، وسط تحذيرات من انهيار «الشاهد الصامت» حيث تستعر ألسنة النيران في مشهد «مريب» يعيد صورة الانفجار الزلزال في مرفأ بيروت، تزامناً مع إحياء لبنان الذكرى السنوية الثانية للمأساة.

دقائق قليلة كانت كفيلة في الرابع من أغسطس (آب) عام 2020 في أن تهز العاصمة اللبنانية، وصولاً إلى جزيرة قبرص على بعد 200 كيلو متر، بمشاهد مروّعة لا تحدث إلا في الأفلام بعد انفجار في العنبر رقم 12 في المرفأ حيث كان يتم فيه تخزين نحو 2750 طناً من مادة نترات الأمونيوم لسنوات من دون إجراءات وقائية، ليتبيّن لاحقاً أن المسؤولين كانوا على دراية بمخاطر تخزين المادة ولم يحركوا ساكناً.

يحيي لبنان الذكرى السنوية الثانية للانفجار شبه النووي، والذي تسبّب بمقتل أكثر من مائتي شخص وإصابة أكثر من 6500 آخرين بجروح، وألحق دماراً واسعاً بعدد من أحياء العاصمة وأبنائها، الذين بدلاً من أن يلتمسوا تحقيقاً للعدالة في جريمة العصر، يتخوّفون من كارثة محتملة جرّاء إخفاق المسؤولين في معالجة الحريق في الإهراءات حيث التدخل المباشر لاستخراج كمية القمح المتبقّية صعبة جداً في ظلّ بنى تحتيّة غير ثابتة، وركاكة إجراءت الدولة لتدارك الأخطار والنتائج الوخيمة في حال امتداد الحريق المرجّح استمراره وفق الخبراء، إذ إن وجود بعض كميات القمح وارتفاع نسبة الرطوبة في المكان المحاذي للبحر، مع ارتفاع درجات الحرارة يُسرّع من عملية تخمير الحبوب ويؤدّي إلى انبعاثات لغاز الميثان.

بالتزامن مع الاستعدادات لإحياء اليوم المشؤوم، أطلقت جهات مدنية عدّة الشهر الحالي حملة تضامنية لحماية الإهراءات بهدف الوقوف في وجه أي قرار يهدف إلى هدم مبنى الإهراءات والتعديل في هوية الموقع بعد الجريمة، وطالبت بالاعتراف بالإهراءات كجزء من التراث الثقافي لبيروت عبر حمايتها والمحافظة عليها تكريماً للضحايا والمتضرّرين كـ«شاهد صامت» على مأساتهم، فيما كانت السجالات محتدمة بين النواب في أول جلسة للبرلمان الجديد التي تم رفعها على خلفية بند الإهراءات والتصويت على هدمها أو تدعيمها، وسط تقاذف الاتهامات والمسؤوليات من دون أي حلول ملموسة.

 

لا مساومة على العدالة!

يرفض أهالي الضحايا ما يعتبرونه خطوة تندرج في إطار محو آخر آثار الجريمة، فيما لا يزال مطلب العدالة والحقيقة في مهب مماطلة عن سابق إصرار وتصميم لحماية مرتكبين معروفين بحسب الأهالي الماضين في طريق النضال حتى الاقتصاص من القتلة، وهم يستعدون للقيام بسلسلة تحركات في ذكرى الفاجعة وفق ما أكده لـ«المجلة» وليم نون (شقيق جو نون أحد شهداء فوج الإطفاء) باسم أهالي شهداء وضحايا انفجار المرفأ، ولفت إلى أنها «ستتضمن وقفة في فوج إطفاء بيروت، بالإضافة الى تجمع أمام المرفأ ومسيرات في الأحياء التي تدمرت، إلى جانب قداس بمشاركة أهالي الضحايا والجرحى»، داعياً «اللبنانيين إلى المشاركة الكثيفة معهم من أجل دعمهم في مطالبهم».

وبخصوص وقف التحقيق في الجريمة منذ أشهر عدة، شدّد نون على أن «الأهالي يقومون بكل ما يستطيعون من أجل الضغط لاستمرار التحقيق ومعاقبة المتورطين. هناك مبادرة يتم العمل عليها مع النائب إلياس بوصعب، وفي حال تمت التشكيلات القضائية سيباشر بالتحقيق، مع التأكيد على أن مطلب الأهالي هو لجنة تقصّي حقائق دولية وليس محكمة دولية، باعتبارها أمراً ضرورياً لتحقيق العدالة».

وأوضح أنه «سيتقدّم في الأول من أغسطس (آب) بإخبار باسمه الشخصي ضد أشخاص مرتكبين ومقصرين».

وفيما يخصّ موضوع حريق إهراءات المرفأ، اعتبر نون أن «هناك من يُشعل القمح لكي ينفذ، وما يطالب به الأهالي هو بقاء تلك الإهراءات ليبقى الانفجار راسخاً في ذاكرة الناس، فهدمها يعني أن شيئاً لم يحصل وهذا مرفوض»، مؤكداً أن «الأهالي مع إعادة إعمار المرفأ، ولكن مع بقاء منطقة الإهراءات التي تخص فوج الإطفاء تحديداً موجودة لتبقى شاهدة على الجريمة كي لا تتكرر، من دون إغفال أن استمرار الدولة على نهجها الحالي سيؤدي إلى تكرار انفجار مشابه للذي حصل».

خلف الانفجار حفرة كبيرة في موقع المستودع الذي خزنت فيه نترات الأمونيوم (إ.ب.أ)

«عرقلة» في المسار القانوني للتحقيق

 يواصل لبنان تقاعسه عن الوفاء بالتزاماته الحقوقية في محاسبة مفتعلي انفجار مرفأ بيروت، بعد أشهر من المماطلة وغياب الإرادة السياسية وشكاوى عدّة أفضت إلى تنحية القاضي السابق فادي صوان والمزيد من التأخير في عمل القاضي الحالي طارق بيطار، فيما تتوالى فصول العرقلة في الملف الذي بلغ عدد المدّعى عليهم فيه 46 شخصاً أبرزهم رئيس الحكومة السابق حسان دياب والنائبان الحاليّان علي حسن خليل وغازي زعيتر (اللذان وُجّهت إليهما تهمة الإهمال الجنائي ورفضا التعاون مع التحقيق ويتمتعان بحصانة نيابية) والوزيران السابقان يوسف فينيانوس ونهاد المشنوق، بالإضافة إلى قادة أمنيين وقضاة ومدراء عامين سابقين في المرفأ والجمارك، لا يزال 17 منهم موقوفين، فيما دعاوى رد القاضي البيطار ونقل الدعوى من أمامه لا تزال عالقة أمام المحاكم بسبب عدم اكتمال الهيئة العامة لمحكمة التمييز للبت فيها، وذلك بسبب عدم توقيع وزير المالية يوسف خليل لمرسوم تعيين رؤساء محاكم التمييز التي تتألف منها الهيئة العامة للمحكمة.

جزم عضو مكتب الادعاء في نقابة المحامين عن انفجار مرفأ بيروت المحامي يوسف لحود عبر «المجلة» بأن «المسار القانوني سالك بطريقه الصحيح، ولكن يوجد عرقلة من بعض الذين تم الاشتباه بهم، لا سيما منهم الوزراء ورؤساء الوزراء الذين عندما وردت أسماء بعضهم في هذا الملف بدأت العرقلة من قبلهم».

وأكد أن «الوقت كفيل بإزالة تلك العراقيل، وستتحقّق العدالة بحق كل إنسان، لأنه أمام العدالة لا يوجد مراتب ولا صفات والناس سواسية».

وأوضح لحود بوكالته عن متضرري الانفجار، أنه «تم تقديم دعاوى لرد القاضي بيطار ونقل الدعوى من تحت يده، وقبل أن تتمكن المرجعيات القضائية من النظر في الطلبات المقدمة أمامها، أقدم المعرقلون على تقديم طلبات رد ونقل ضد المرجعيات القضائية التي تنظر دعوى رد بيطار، إذن هذه العرقلة المتعمدة هي لتأخير الفصل بدعوى تحقيق المرفأ».

واعتبر أن «من يعرقل يضرّ العدالة بشقّيها أي الطرفين سواء من المدّعين أو الموقوفين، وهناك احتمالان للحلحلة، الأول توقيع مرسوم تشكيل الهيئة العامة التي تتمكن من النظر في الدعاوى المقدمة ضد الدولة عن أعمال القضاة العدليين، والثاني يتوجب تعديل القانون في المجلس النيابي لمنع أي فريق من طلب كف يد أي من القضاة بأي دعوى وليس فقط بدعوى المجلس العدلي الحالية الخاصة بالمرفأ، فالنقطة الضعيفة في القانون تكمن في أنه بمجرد تقديم دعوى ضد قاضٍ يتم كف يده فوراً عن الدعوى، وبالتالي لا يعد بإمكانه النظر في الدعوى قبل إصدار القرار من قبل المرجع القضائي».

وقال لحود: «الأمور سالكة في مسارها القانوني، ولكن البطء الحاصل هو في عرقلة تشكيل الهيئة العامة لمحكمة التمييز وعدم إجراء التعديل القانوني المطلوب».

وأضاف: «هناك مرجعان، الأول متعلّق بتشكيل الهيئة العامة لمحكمة التمييز، وهي السلطة الإجرائية وتحديداً وزير المال الذي لم يوقع مرسوم التعديل المتعلق بتشكيل الهيئة العامة بعد أن وقعه وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى، أما الثاني فيتعلّق بتعديل القانون الذي ما زال عالقاً أمام المجلس النيابي».

ولفت إلى أن «هذين المرجعين تخالطهم السياسة، المرجع القانوني الأول وهو مجلس القضاء الأعلى وافق، وكذلك المرجع القانوني الثاني وهو وزير العدل الذي له صفة قانونية على الرغم من أنه سياسي أيضاً، ما يعني أن المراجع المعرقلة هي المراجع السياسية وليست القضائية».

وليم نون

وعن خطتهم القانونية كوكلاء عن متضرري المرفأ، قال لحود: «هناك دعاوى سنقدم فيها أجوبة، وهناك دعاوى نقدمها ضد المعرقلين لتحميلهم العطل والضرر وغيرها، ولكن الباب الرئيسي لتحريك الدعوى هو استكمال تشكيل الهيئة العامة بموجب مرسوم يجب توقيعه من وزير المال ومن ثم رئيس الحكومة وصولاً إلى رئيس الجمهورية ويتم نشره في الجريدة الرسمية، كما يجب على المجلس النيابي تعديل القانون ورفع إمكانية أحد الفرقاء أن يوقف عمل القاضي وحصر التوقيف بمرجع قضائي ثان».

واعتبر لحود أن «الجريمة غير المسبوقة تخطت الحرب العالمية الأولى والمجاعة التي ألمت بلبنان وهي دمرت الاقتصاد اللبناني وتردداتها ستبقى مستمرة في المستقبل، وغاية أهالي ضحايا المرفأ  ليست مادية أو انتقامية، ولكن هدفهم تحقيق دولة القانون التي لا تتحقق إلا بمحاكمة عادلة تستوجب محاكمة الجميع أمام القضاء العدلي».

وطالب لحود كل المدعّى عليهم «بعدم عرقلة التحقيق والمثول أمام القضاء، وأن يثبتوا براءتهم بالطرق القانونية وليس عبر اعتماد وسائل متعسّفة لعرقلة حسن سير العدالة لأن التاريخ  لن يرحم، فالمواطن اللبناني حالياً مشغول بمعيشته اليومية في ظل هذه الظروف السيئة، ولكن في المستقبل كل هذا سيتم توثيقه، وستكون هناك بصمة سوداء في سجل كل من يُعرقل سير العدالة في جريمة العصر».

 


مقالات ذات صلة