غضب شعوب الإنترنت... هل تهدد الديمقراطيات في الشرق والغرب؟

لعبت دوراً هاماً في حشد المتظاهرين
خلال هجوم أنصار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الكونغرس الأميركي في يناير 2021

واشنطن: غطت كثير من وسائل الإعلام الأميركية التطورات الأخيرة في سريلانكا، حيث قام عشرات الآلاف من المتظاهرين، بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي، بمهاجمة واحتلال القصر الرئاسي، وإجبار الرئيس على الفرار من البلاد والاستقالة.


وقدمت وسائل الإعلام الأميركية هذه خبراء ناقشوا هذه الأحداث، خاصة دور وسائل التواصل الاجتماعي في الإنترنت فيها. في نفس الوقت الذي يغطي فيه الإعلام الأميركي، في كثافة، تحقيقات الكونغرس فيما حدث يوم السادس من يناير (كانون الثاني) عام 2021، عندما هاجم متظاهرون الكونغرس بعد أن حرضهم الرئيس السابق دونالد ترمب عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.


من بين الوثائق التي ناقشتها التحقيقات، رسائل أرسلها ترمب في حسابه في «تويتر»، ورسائل تبادلها قادة الهجوم على الكونغرس في «تويتر»، و«فيسبوك» ومواقع اجتماعية أخرى.


لهذا، ربط هؤلاء الخبراء بما يحدث في البلدين، وفي بلاد أخرى، في الشرق وفي الغرب، حيث صارت وسائل الإعلام الاجتماعي تلعب دورا كبيرا في حشد المتظاهرين. وبعضهم يلجأ إلى العنف. وتساءل الخبراء عن خطرها على الأنظمة الديمقراطية في الشرق وفي الغرب.


في سريلانكا، فر الرئيس غوتابايا راجاباكسا من البلاد، واستقال. غير أن الرئيس الجديد يواجه استمرار المعارضة الشعبية، خاصة لأنه كان رئيس وزراء في عهد الرئيس السابق. وفعلا، بدأت مظاهرات ضده مرة أخرى. وفعلا، استفاد المتظاهرون من وسائل الإعلام الاجتماعي، مرة أخرى.
فيما يلي آراء ثلاثة أميركيين (من تغريداتهم، ومواقعهم فى الإنترنت، وتصريحاتهم لوسائل الإعلام) حول هذا الموضوع:


أولاً، مثال من إسبانيا، كتبه ريتشارد بيلدس، أستاذ القانون الدستوري في جامعة نيويورك. ومؤلف كتب، من بينها: «قانون الديمقراطية».
ثانيًا، مثال من الولايات المتحدة، كتبته فرانسيس لي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة برينستون. ومؤلفة كتب من بينها: «ما وراء الآيديولوجيا».
ثالثًا، مثال من كولومبيا (في أميركا الجنوبية)، كتبه ديفيد فروم، كاتب خطابات الرئيس السابق جورج دبليو بوش. ومؤلف كتب من بينها: «صعود الشعبوية».

محتجون يلعبون الورق في القصر الرئاسي في سيريلانكا انتظاراً لظهور الرئيس وتنحيه رسمياً (غيتي)

بيلدس: إسبانيا
في الشهر الماضي، شهدت إسبانيا انتخابات انقسامية أخرى، بعد أن حكمتها أحزاب الوسط التي كانت تفوز في انتخابات متناوبة منذ نهاية عهد فرانكو. (فرانسيسكو فرانكو، الجنرال الذي قاد القوات الوطنية المحافظة، وهزم القوات الجمهورية المعتدلة، خلال الحرب الأهلية في ثلاثينات القرن الماضي. ثم حكم إسبانيا حكما دكتاتوريا ما بين سنتي 1936 و1975).


في سنة 2014، تشرذمت السياسة الإسبانية. نشأ حزب جديد «بوديموس» (على خطى شعار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، «يو كان»، تستطيع).  وبمساعدة مواقع التواصل الاجتماعي هز الحزب الجديد الوضع السياسي في البلاد...


بين سنتي 2015 و2020، أجرت إسبانيا أربعة انتخابات، في محاولة لإيجاد ائتلاف حاكم مستقر. وخلال تلك السنوات، تحطم نظام الحزبين السابقين بعد أن تقسما إلى خمسة أحزاب. وفي آخر انتخابات، اضطر الزعيم الاشتراكي، بيدرو سانشيز، إلى تشكيل أول ائتلاف (أكثر من حزب واحد) في تاريخ إسبانيا. وذلك ليقدر على تشكيل أغلبية ضئيلة في البرلمان تدعم وزارته.


وكشفت انتخابات الشهر الماضي مزيدا من الانقسامات وسط الأحزاب. وزاد الاستياء، والغضب في وسائل التواصل الاجتماعي...
في إقليم «أندلوسيا» (الأندلس) الأكثر اكتظاظًا بالسكان في إسبانيا، والذي ظل لفترة طويلة معقلًا للحزب الاشتراكي، فاز الحزب الشعبي المحافظ بأغلبية مطلقة في برلمان الإقليم...
لهذا، أعتقد أن ما حدث في أسبانيا واحد من أمثلة أخرى عما يحدث في دول ديمقراطية أخرى:
في جانب، يعجز السياسيون عن الاتفاق على حكم مستقر، وفعال.
وفي الجانب الآخر، تطور النقد وسط المواطنين إلى مظاهرات...
أسوأ من ذلك أن السياسيين والمفكرين والإعلاميين لم يدركوا تماما أبعاد ما يحدث. وما سيحدث. إذا ساعدت «تويتر» و«فيسبوك» وغيرهما على انتشار الغضب والعنف، ماذا سيكون دورها في المستقبل؟ هل ستكون «برلمانات إلكترونية»؟
طبعا، يجب أن يكون السياسيون خاضعين للمساءلة. وطبعا، يستحق السياسيون الفاشلون هذا الغضب. لكن، هل سيظل غضب الشوارع المستمر جزءا من النظام الديمقراطي؟ وهل سيعني ذلك حكومة بعد حكومة؟ وكيف ستكون الحكومات فعالة إذا لم تكن مستقرة؟...  

لي: الولايات المتحدة
حول العالم، تتخذ الاضطرابات السياسية التي تزيد نيرانها وسائل التواصل الاجتماعي أشكالًا مختلفة. في الولايات المتحدة، تسببت في شيئين:
أولا، صعود سياسيين مستقلين، يجمعون التبرعات، أو يصرفون من أموالهم، ثم يجدون أنفسهم حكاما.


ثانيا، ظهور صغار المانحين الذين يتبرعون بدولارات قليلة، خاصة في لحظات غضب. لكن، تتراكم هذه الدولارات...


هكذا صار الحزبان، الديمقراطي والجمهوري يحصلان على أغلبيات قليلة، وغير دائمة. وصار المسرح السياسي يشهد ممثلين غرباء.
في سنة 2016، في الحزب الديمقراطي، كاد شخص غريب، السيناتور بيرني ساندرز المستقل، أن يفوز بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة.  وفي الحزب الجمهوري، فعلا، فاز شخص غريب بترشيح الحزب، ثم برئاسة الجمهورية...


هذه الأيام، نشاهد نزاعات تحركها جماعات متضاربة داخل كل من الحزبين في الانتخابات التمهيدية (قبل الانتخابات العامة في نوفمبر/ تشرين الثاني). ونشاهد أعضاء فى الكونغرس يخططون لهزيمة مرشحين من داخل حزبهم يريدون استبدالهم في الكونغرس. ويستغل كل واحد مواقع التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات. لجمع دولارات الغاضبين...


مؤخرا، أظهرت استطلاعات الرأي أن الأميركيين غاضبون غضبا شديدا على الحزبين الرئيسيين. لهذا، ليس غريبا أن نصف الأميركيين تقريبا صاروا يصفون أنفسهم بأنهم مستقلون.


في العام الماضي، أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» أن 62 في المائة من الأميركيين يريدون حزبا ثالثا...

فروم: كولومبيا
تحكي الانتخابات الرئاسية الأخيرة في كولومبيا قصة مماثلة عن غضب شعوب الإنترنت على الحكام. ولكن في سياق أكثر حيرة. انهار الحزبان المهيمنان تقليديًا: الليبراليون، والمحافظون...


خلال السنوات القليلة الماضية، كان الكولومبيون، بصورة عامة، راضين عن الرئيس الحالي، إيفان دوكي، وهو محافظ معتدل. لكن، انتهت فترته، بعد أن حقق نجاحا سياسيا لا مثيل له في تاريخ أميركا الجنوبية الحديث.

أولا، توسع الاقتصاد بمعدل 9 في المائة سنويا في الربع الأول من هذه السنة.


ثانيًا، لم يسقط حكومته التدفق الهائل لمليوني لاجئ من فنزويلا المجاورة، والمنهارة اقتصاديا وسياسيا...


لكن، رغم ذلك، يترك الرئيس لدوكي منصبه وقد انخفض التأييد له إلى نسبة 20 في المائة فقط. لمواجهة صعوبات الميزانية بسبب فيروس كورونا، كان اقترح رفع الضرائب. وأثار ذلك مظاهرات في الشارع استمرت أشهر. حتى بعد أن ألغى الاقتراح.


وتحولت المظاهرات إلى غضب، ليس عليه فقط، ولكن، أيضا، على كل السياسيين.


وقُتل ما لا يقل عن 60 شخصًا، أكثرهم على أيدي رجال الشرطة...


مثل الحال مؤخرا في الديمقراطيات الأخرى، انقلب المواطنون ضد كل السياسيين. وفي الانتخابات الأخيرة، انتصر معارضو الحزبين الرئيسيين، الليبرالي والديمقراطي. ولم ينجح أي من الحزبين في الحصول على مرشح في الجولة الثانية والأخيرة من الانتخابات الرئاسية.


بدلاً عن ذلك، فاز مرشح نهائي، وهو شعبوي مستقل، وصاحب شركات عقارات، ولم يكن معروفًا كثيرا قبل الانتخابات، ولم يعقد تجمعات عامة. لكنه فاز بسبب استغلاله للإعلام الاجتماعي، خاصة «تيك توك».


نفس الشيء بالنسبة للمرشح النهائي الذي فاز برئاسة الجمهورية: غوستافو بيترو. كان مقاتلا في حرب العصابات التي اجتاحت كولومبيا مع بداية القرن. ووعد بأن يحول كولومبيا إلى دولة اشتراكية...