تفاقم أزمة المياه في مصر... انخفاض نصيب الفرد وتأثر الزراعة والصناعة

خسائر اقتصادية فادحة وإجراءات لمواجهة الآثار السلبية لسد النهضة
انخفاض نصيب الفرد من المياه في مصر إلى 600 متر مكعب

القاهرة: فتح تقرير المساهمات الوطنية المحدث، وهو تقرير حكومي مصري مقدم إلى سكرتارية الأمم المتحدة لتغير المناخ، والذي أكد على انخفاض حصة الفرد في مصر من المياه سنويا إلى 390 متر مكعب بحلول عام 2050، الكثير من المخاوف من التأثيرات السلبية لعجز حصة المياه المصرية على الاقتصاد المصري، وعمليات الاستثمار، سواء الاستثمار الزراعي، أو الصناعي القائم على الزراعة، أو الصناعي بشكل عام، في ظل النمو السكاني المضطرد، وفي ظل انخفاض حاد في موارد المياه العذبة المتاحة للفرد.


لقد  تقلصت الحصة السنوية من 1972 متر مكعب سنويا في العام 1970، إلى 570 متر مكعب في عام 2018، مما دفع البلاد إلى الاقتراب من عتبة ندرة المياه الشديدة، وذلك حسب التقرير الذي أكد على أن نهر النيل هو المصدر الرئيسي للمياه في مصر والذي يزود البلاد بحوالي 55.5 مليار متر مكعب سنويا من المياه، ويتم توفير كميات إضافية من مصادر أخرى منها، خزانات المياه الجوفية العميقة غير المتجددة 2.1 مليار متر مكعب، وهطول الأمطار بواقع 1.3 مليار متر مكعب تحلية المياه بواقع 0.35 مليار متر مكعب، كما تعتمد مصر على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، ومياه الصرف الصحي المعالجة، بما يعادل 21 مليار متر مكعب ليبلغ إجمالي حصص مصر المائية إضافة إلى حصة مياه نهر النيل بإجمالي 80.25 مليار متر مكعب ليكون العجز المائي في مصر حوالي 33.75 مليار متر مكعب سنوياً.


وما زاد الأمور تعقيدا هو بدء الجانب الإثيوبي في عملية الملء الثالث لخزان سد النهضة، وما تلاه من انفجار المحطة التحويلية لسد الروصيرص السوداني، والذي قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات المائية، والاقتصادية، والتأثيرات السلبية على الاقتصاد المصري والسوداني، والذي يتطلب توافر الجهود المصرية السودانية لمواجهة مخاطر الملء الثالث لخزان سد النهضة، وما إذا كان سيتطرق هذا التنسيق إلى القيام بإجراءات ثنائية لمواجهة هذا الخطر، وهل تتطور هذه الإجراءات إلى القيام بإجراءات سياسية خشنة في مواجهة إثيوبيا؟

زراعة الأرز من الزراعات التي تتأثر بأزمة المياه

 

تأثر الزراعة والصناعة والبحث عن مصادر لتغطية العجز
لا بد من متابعة حالة نصيب الفرد من المياه في الفترة الحالية نتيجة للآثار السلبية لسد النهضة، وهناك تقديرات مستقبلية حول ثبات حصة مصر من المياه في ظل الزيادة السكانية، مما يعني انخفاض نصيب الفرد من المياه، وهناك توقعات حسب أستاذ الاقتصاد والاستثمار الدكتور إبراهيم مصطفى، في تصريحات خاصة لـ«المجلة» بتأثر حصة مصر نتيجة السد الإثيوبي «لذا فنحن نقاتل من أجل الحفاظ على حصة مصر المائية، مع البحث عن مصادر أخرى لتغطية العجز المائي مثل إنشاء محطات التحلية، وإنشاء وادٍ جديد، ونحن ننظر للأمن المائي على أنه أمن قومي لمصر، والمياه تدخل في جميع الصناعات، كما أنها شيء أساسي للمواطن وصحته، لذا لا بد من الحفاظ على أمن المواطن، وأمن البلاد، والحفاظ على مصادر المياه المهمة للصناعات، والزراعة، القائمة على المياه، وهذا يعني أن جميع القطاعات الزراعية، والصناعية قائمة على المياه، ونحن ننظر للمسألة من منظور تأمين مصادرنا من المياه حتى لا تتأثر في الوقت الحالي، وتنويع البحث عن مصادر أخرى لتأمين احتياجاتنا من تحلية، وآبار، وتبني سبل ري حديثة مرتبطة بالري، وإدخال تكنولوجيا جديدة».


وتابع قائلاً: «كلها أدوات مهمة تنوع من مصادر المياه، ولو تأثرت حصتنا من المياه في ظل تزايد الطلب على المياه في ظل انخفاض نسبة الفرد من المياه وازدياد عدد السكان، بدون التفكير في ترشيد استهلاك المياه والبحث عن مصادر أخرى فسوف نتأثر سلبا، خاصة في قطاع الزراعة، والذي يعد أكبر قطاع يعتمد على المياه، ويأتي بعده قطاع مياه الشرب والصرف الصحي وهو أحد الأفرع الرئيسية والذي يدخل جميع البيوت في مصر، فالمواطن بكافة قطاعاته سوف يتأثر والأمن المائي خط أحمر، لذا تقوم الدولة بتنويع استثماراتها في مجالات المياه الأساسية المتعلقة بالمياه والصرف الصحي، وتحلية المياه من خلال محطات التحلية، وعرضها على المستثمرين بنظام الشراكة، وفي إطار بناء المدن الجديدة فنحن في حاجة لتنويع مصادر المياه لتغطية احتياجات هذه المدن الجديدة مثل العلمين والعاصمة الإدارية الجديدة لذا تم إنشاء محطة تحلية بالقرب من العين السخنة، وكذلك محطة تحلية كبيرة في العلمين، لتخفيف الضغوط عن مصادر المياه التقليدية. كما تتأثر صناعات الصباغة، والغزل والنسيج والتي تقوم أساسا على المياه، وصناعات العصائر، والمياه المعدنية القائمة على مياه الآبار، وكل الصناعات الكبيرة تقوم على المياه، إضافة إلى قطاع الزراعة، وهو ما دفع الدولة لتحديد أماكن زراعة بعض المحاصيل مثل الأرز والقمح من أجل ترشيد استهلاك المياه، كما أن الاستصلاح الزراعي في المناطق الصحراوية قائم على المياه لذا تحاول الدولة خلق مصادر مياه متنوعة، باستخدام تكنولوجيا حديثة في الري، من أجل المحافظة على تشغيل القطاعات الاقتصادية، وسد النهضة وعملية الملء الثالث تمثل تحديا، لو تأثرت حصة المياه وكل القتال الذي تقاتله الدبلوماسية المصرية في هذا الاتجاه يأتي من أجل الحفاظ على حصة مصر من المياه، وهناك خطط مصرية بدأت لمواجهة الأزمة منذ خمس سنوات مثل محطات التحلية، ومحطات المعالجة، وتبطين الترع. والعمل في إطار التنمية المستدامة، والاقتصاد الأخضر القائم أساسا على ترشيد الموارد الطبيعية والتي تعد موارد ناضبة».

قبول بالأمر الواقع.. ولا مستجدات في ملف السد
لن تكون هناك تغيرات سوف تطرأ على مواقف دولتي المصب مصر والسودان في هذه المرحلة، سواء ظهور بعض المؤشرات، أو بروز مستجدات هنا أو هناك في ملف مفاوضات سد النهضة، خاصة تلك التي تجري برعاية أبوظبي، وذلك حسب الباحث السوداني عباس محمد صالح، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، مؤكدا أنه «رغم انسداد أفق التفاوض لجهة تحقيق مطالب وشروط دولتي المصب، فمع ذلك ليس أمامهم سواء الدبلوماسية لحمل إثيوبيا على تليين مواقفها أو تقديم تنازلات لصالحهما، وأتوقع أن تقبل دولتا المصب بالأمر الواقع الذي فرضته إثيوبيا طوال فترة المفاوضات الثلاثية، والعمل على إيجاد استراتيجيات وبدائل مائية للتخفيف من تأثيرات سد النهضة والمشروعات المائية التي ستتبعه في إطار الاستراتيجية الإثيوبية لاستخدام مواردها المائية وبالتالي كسر مبدأ (الحق التاريخي) الذي تقوم عليه مواقف مصر والسودان».

الجانب الإثيوبي بدأ في عملية الملء الثالث لخزان سد النهضة

فرصة كبيرة للتنسيق بين القاهرة والخرطوم
الآن هناك فرصة كبير لكل من القاهرة، والخرطوم للتنسيق فيما يتعلق بالإجراءات المتعلقة بسد النهضة والسدود الأخرى المقامة على النيل وصولا للمصب، وذلك حسب الكاتب الصحافي والمحلل السوداني خالد الفكي، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، مؤكدا أن «إثيوبيا الآن تسعى في اتجاه الملء الثالث وقد شرعت في ذلك، وهي الآن تركل تماما اتفاقية المبادئ الموقعة في العام 2015، والتي تتضمن بنودا عشرة واضحة بضرورة الملء المشترك وعدم اتخاذ أي خطوة أحادية، وفيما يتعلق بسد الروصيرص وانفجار المحطة التحويلية ، وهذا الانفجار تمت معالجته ولن يؤثر على المياه والطاقة في السد. وعلى القاهرة، والخرطوم، التنسيق المشترك، والذهاب في تفعيل الكثير من الإجراءات المتعلقة بحماية حقوقهما المائية سواء كانت هذه الحقوق دبلوماسية، أو قانونية، أو سياسية، وتوسيع الاتصالات مع المجتمع الدولي، والإقليمي للضغط على إثيوبيا لعدم اتخاذ أي خطوة أحادية فيما يتعلق بالمرحلة الثالثة من الملء خاصة أننا على مشارف شهر أغسطس (آب)، حيث المياه الغزيرة في الهضبة الإثيوبية، وعلى إثيوبيا مسؤولية كبيرة وضرورية لإنهاء الهيمنة، لأن نهر النيل والنيل الأزرق هو نهر دولي».   

الموارد المائية المصرية واستخداماتها
يعد نهر النيل المصدر الرئيسي للمياه في مصر حيث تبلغ حصتها المائية من النيل 55.5 مليار متر مكعب، تمثل 79.3 في المائة من الموارد المائية، وتغطي 95 في المائة من الاحتياجات المائية الراهنة، كما تقدر المياه الجوفية بحوالي 6.1 مليار متر مكعب سنويا، دون تعريض المخزون الجوفي للخطر، إضافة إلى 1.3 مليار متر مكعب من مياه الأمطار، كما يعاد استخدام حوالي 5.7 مليار متر مكعب من مياه الصرف الزراعي والتي تقدر بحوالي 12 مليار متر مكعب سنويا، وبذلت جهودا وصلت بها إلى 9 مليارات متر مكعب في العام 2017 تمت الاستفادة بها في مشروعات التوسع الزراعي، كما يعاد استخدام حوالي 1.3 مليار متر مكعب من مياه الصرف الصحي من إجمالي كمية تبلغ حوالي 2.5 مليار متر مكعب، بعد معالجتها وذلك في مشروعات استزراع الأراضي الصحراوية.
كما يمثل الاستخدام الزراعي للمياه الجزء الأكبر من استخدامات المياه حيث بلغ حوالي 65.61 مليار متر مكعب سنويا، من إجمالي الاستخدامات عام 2017- 2018، كما قدرت احتياجات القطاع الصناعي من المياه بنحو 4.5 مليار متر مكعب، عام 2018، أما بالنسبة لاستخدامات مياه الشرب، والأغراض الصحية فقدرت بحوالي 10.75 مليار متر مكعب بنسبة 4.13 في المائة من إجمالي الاستخدامات عام 2018، حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2019، ويقدر متوسط نسبة الفاقد في مياه الشرب النقية بحوالي 9.27 في المائة من إجمالي المياه على مستوى الجمهورية.

تمت معاجلة انفجار محطة سد الروصيرص التحويلية

أضرار متعددة نتيجة الملء الثالث
هناك أضرار متعددة لقيام إثيوبيا بالملء الثالث لسد النهضة، حسب أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة الدكتور عباس الشراقي الذي أفاد في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، بأن أي مياه تخزن هذا العام، أو في الأعوام القادمة هي مياه مصرية- سودانية، وهي الخسارة الأولى المباشرة، وهي تتسبب في خسائر في القطاع الزراعي تقدر بحوالي مليار دولار لكل مليار متر مكعب، إضافة إلى التكاليف الباهظة في إنشاء محطات معالجة المياه لإعادة الاستخدام، وتبطين الترع، وتطوير الري الحقلي والتوسع في الصوب الزراعية وغيرها، وبالنسبة للسودان هناك ارتباك في تشغيل السدود، ومستقبلا قلة الإنتاجية الزراعية نتيجة حجز الطمي في سد النهضة، وارتفاع منسوب المياه الجوفية، وزيادة التكلفة الإنتاجية للمحاصيل الزراعية للتوسع في استخدام الأسمدة.

كما تستهدف مصر زيادة مواردها المائية عن طريق العديد من المشروعات في أعالي النيل، مثل مشروع قناة جونجلي في جنوب السودان، والذي يمكن أن يوفر حوالي 4 مليارات متر مكعب من المياه سنويا في مرحلته الأولى، و3 مليارات متر مكعب في مرحلته الثانية تقسم مناصفة بين مصر والسودان، ومشروع بحر الغزال الذي يوفر 7 مليارات متر مكعب، ومشروع مستنقعات موشار جنوب السودان الذي يوفر حوالي 4 مليارات متر مكعب. كما تعد مشروعات تحلية مياه البحر من المشروعات المستقبلية لزيادة الموارد المائية، خاصة مع تناقص تكلفته باستخدام التقنيات الحديثة، وقد وصلت موارد مصر المائية من تحلية مياه البحر لحوالي 2929 مليون متر مكعب سنويا عام 2020، كما تهدف الدولة لتوفير 1.5 مليار متر مكعب من المياه سنويا عن طريق إحلال زراعة البنجر محل قصب السكر، وتخفيض المساحة المزروعة أرز من 1.3 مليون فدان إلى 950 ألف فدان، وتقليل الفواقد المائية بحوالي 35 في المائة من إجمالي المياه المنصرفة من السد العالي أي حوالي 19.4 مليار متر مكعب، والتي تفقد بالتسرب، والبخر، كما يمثل الفقد في قنوات الري  بنحو 2.3 مليار متر مكعب سنويا، وتهدف استراتيجية تطوير الري إلى رفع كفاءة نظم الري، وصيانة الموارد المائية بالتخلص من الحشائش والنباتات المائية والتي يبلغ الفاقد بسبب نموها حوالي 0.75 مليار متر مكعب سنويا. كما أعلنت مصر في مايو (أيار) 2021 تحويل نحو 285 ألف فدان لنظام الري الحديث، وجاري تحويل 85 ألف فدان أخرى، كما تم تبطين حوالي 8226 كيلومتر من الترع في إطار المرحلة الأولى في 2022، بتكلفة 18 مليار جنيه.