عصر التنين الصيني

يبدو أن العالم أصبح يعاني من الشيخوخه المبكرة أو الجنون المطبق. فبعد أن تمتع العالم بفترة طويلة من السلام البارد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى سبعينات القرن الماضي عندما زار ريتشارد نيكسون الرئيس الأميركي وقتئذ الصين، بنصيحة من هنرى كيسنجر، الذي جمع بين منصب وزير خارجيته ومستشاره للأمن القومي، ليدشن لعصر الوفاق والاسترخاء العسكري منذ بداية السبعينات، رداُ على جميل الصين السياسي لأميركا ومساعدتها على الخروج من مستنقع فيتنام الذي استنزف أميركا وعرى القيم الأميركية من آخر ورقة توت، لتظهر سوءاتها، ولأن الدول لا تدفع شيكات على بياض ولا تكتفي بالمجاملات الفارغة، فقد اشترطت الصين الحصول على التكنولوجيا الغربية والاستثمارات الضخمة، فكان ثمنا باهظا دفعه الغرب لتحييد الصين عن الاتحاد السوفياتي لينهار الروس أواخر ثمانينات القرن الماضي، ويبدأ العصر الأميركي ونظريات نهاية التاريخ، وتبدأ الصين نهضتها الحديثة. ولأن الصين صاحبة حضارة عريقة فقد استغلت هذه الفرص لتصبح المنافس الأول لأميركا.

 

ولأن الإمبراطوريات شأنها شأن الأفراد لها أعمار ولها مراحل تطور من بناء وازدهار وتخلف وسقوط ثم التلاشي، وكلما أوغلت الإمبراطوريات في التقدم الحضاري امتدت أعمارها، ولأن الأيام دول فإن الحضارات لا تدوم وتتسارع في الاضمحلال كلما كان بناؤها هشاً وتحل محلها حضارات أخرى وإمبراطوريات جديدة. ولا أحسب أن أميركا بمعزل عن ذلك، ولكنها تختلف عن باقي الإمبراطوريات بأنها ارتفعت بسرعة، لذا فإنها ستسقط بمعدل أسرع، خاصة مع صعود التنين الصيني الذي بدأ اقتصاديا وسينتهي حضاريا، ولو باستدعاء واستعارة الماضي التليد، فالحضارة الصينية هي الأقدم بعد المصرية وقد حافظت على نقائها بعزلة اختيارية وراء سور الصين العظيم، مما جعل الشعب الصيني شعباً متجانساً وجعل الصين جغرافياً بمثابة بوتقه تصهر جميع مكوناته وعناصره فى منظومة هارمونية خاصة بهذا الشعب، جعلته رغم عزلته يعطي للعالم أطول طريق تجاري عرفه العالم، وهو طريق الحرير، الذي احتفظت الصين بسر صناعته لأكثر من ألفي عام، مما جعل ملابس فقراء الصين من الحرير، لأنهم احتكروا هذه الصناعة التي أهدوها للعالم فيما بعد مع الأوراق النقدية ونظام الجمارك.

 

وهذا الطريق عبره الإسكندر الأكبر وجنكيز خان وتيمورلانك ومارك بولو، ورسل الخليفة عثمان بن عفان والرحالة العربي محمد بن عبد الله بن إبراهيم اللواتي، المشهور بابن بطوطة، وعن طريقه أعطت الحضارة الصينية الكثير للعالم ولم تأخذ منه إلا القليل، ومع ذلك استطاعت الصين أن تنهض من كبوتها ويتخطى اقتصادها اليابان ليصيح الاقتصاد الثاني بعد أميركا.

وهناك عاملان يرشحان ويؤثران عل صعود الصين وإزاحة العم سام من على قمة العالم؛ أما الأول فيخص أميركا، والآخر يخص الصين.

أما بالنسبة لأميركا فقد تراجع العصر الأميركي بانتهاء الحلم الأميركي الذي تحول إلى سراب ليكون أسرع إمبراطورية في الاضمحلال مقارنة بالإمبراطورية الرومانية التي أخذت قرابة أربعة قرون لتتلاشى، وبمقارنة الأحوال الأميركية الحالية بنظريات تلاشي الإمبراطورية الرومانية التي فسرها العالم أوزوالد شنغلر بدورة الحياة من ضعف إلى قمه ثم شيخوخة. ونظريات آرنولد توينبي من عدم وجود تحديات حقيقية واجهت الإمبراطورية مما جعلها تخلد للدعة والراحة ويتم التدهور ثم التلاشي ومع ذلك تظل نظرية ابن خلدون عالم الاجتماع المسلم الفذ الذي سبق كل هؤلاء العلماء بأن قال إن انقراض الملك في أي أمة ينتج من إتيان هذه الأمة المذمومات واستحلال الرذائل، أي بلغه العصر: افتقاد الإمبراطورية للقيم الأخلاقية والمبادئ السامية، وهو ما فقدته أميركا منذ زمن بعيد فأصبحت تكيل بمكيالين وأصبح الدولار هو الإله المقدس وأصبح أفضل رجل أسرعهم في استعمال سلاحه وأشهر امرأة هي أسرعهن فى خلع ملابسها، أي إن القوة هي الغاية وما صاحب ذلك من خواء روحي يعجل بشيخوخة الحضارة الأميركيه التي لم يزد تأثيرها في العالم عن القيم الاستهلاكية وعبادة كروت الائتمان.

أما ما يخص الصين ليساعدها على تبوأ المركز الأول على العالم فهو المعتقدات القديمة الراسخة في وجدان الشعب الصيني، الذي لا يؤمن بالثقافة لذاتها بل للوصول إلى الحكمة «فأن تعرف ليس إلا أن تفعل»، وإلا تتحول الثقافة إلى ثرثرة، كما ذُكر في الترانيم التاوية شبه المقدسة التي وضعها «لوتسو» مرافق كونفيشيوس حكيم الصين قبل 2500 عام، الذي اهتم بالحياة اليومية وقال إن معرفة الآخرين حكمة، ومعرفة النفس جرأة، وقيادة الآخرين تتطلب قوة، وقيادة النفس تقتضي القدرة، وأن الذي ينكمش لا بد أن يتمدد، وقبل الأخذ لا بد من العطاء، وهذا هو سبب إعطاء الصين العالم سر صناعة الحرير عن طيب خاطر.

فلا غرو أن تتألق الصين بعد ثورة ماو تسي تونج، الذي أنقذ الصين من الجهل والمرض والفقر. ويكفي أن تعلم أن حرب الأفيون التي شنها الإنجليز على الصين أسفرت عن إدمان وفقر وانتشار للدعارة في المدن الكبرى مثل شنغهاي وبكين، وكان ذلك حتى عام 1949 عند دخول الجيش الأحمر الشيوعي بكين وإعلان جمهورية الصين الشعبية ونفض تراب التخلف عن الجواهر الصينية صاحبة الحضارة القديمة. فلا غرو أن تقفز الصين لتحتل المرتبة الاقتصادية الثانية في العالم بعد أن تبنت نظرية الدولة الواحدة لنظامين أحدهما شمولي والآخر رأسمالي. وهذا ما حفظ الصين من الانهيار كما حدث للاتحاد السوفياتى لوجود حزب شيوعي قوي يطبق رأسمالية الدولة.

أما ما ينقص الصين فهو انتشار لغتها حول العالم مثلما فعلت بريطانيا وأميركا لنشر الإنجليزية بالإضافة إلى افتقارها للقوة الناعمة مثل هوليوود، وفشلها حتى الآن في خلق الحلم الصيني وترويجه كما فعلت أميركا من قبل، والافتقار إلى الحريات مع سوء صحيفة سوابق حقوق الإنسان وعدم الانفتاح الاجتماعى على العالم. وقد تكون الحرب الأوكرانية هي القشة التي ستقسم ظهر البعير الأميركي كما فعلت معارك السويس 1956 في قطع ذيل الأسد البريطاني. ولأن الصين تملك الموارد العسكرية فإن الاعتقاد بأن تصل الصين إلى القوة الأكبر في العالم بحلول عام 2030- 2050، وتكون أوكرانيا هي معبر الصين إلى عصر التنين الصيني.