ملف الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل في خواتيمه... وسط ترقّب حذر!

«تفاؤل وتكتّم» حول زيارة الوسيط الأميركي
آموس هوكشتاين خلال اجتماعه مع الرؤساء الثلاثة في قصر بعبدا في بيروت الأسبوع الماضي

بيروت: بنفحة تفاؤلية مدموغة بسرية متعمّدة، خلصت المفاوضات في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل التي يقودها الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين إلى نتيجة إيجابية، فالتصريحات المقتضبة أظهرت حرص المعنيين على مبدأ التكتّم حول خفايا التفاصيل، بانتظار لحظة توقيع الاتفاق المرتقب في الأسابيع المقبلة.


هل سيبلغ الملف خواتيمه؟ سؤال إجابته رهن ما ستحمله تطورات المرحلة المقبلة، وسط تأكيدات بأن طبول الحرب لن تُقرع في المنطقة، على الرغم من الحرب الكلامية بين إسرائيل وحزب الله، فيما يُسيّطر الترقب الحذر على الأجواء بانتظار سطوع الدخان الأبيض لنجاح العملية.


أضفى الطرح الإيجابي الذي حمله هوكشتاين حرارة على دبلوماسية معالجة عقدة الترسيم، متخطياً رسائل من حزب الله الذي استبقها بنشر صور وفيديو عن رصده لمنصة كاريش للغاز وسفن الإنتاج فيها، فجاءت نتائج اجتماع بعبدا مع الرؤساء الثلاثة كخطوة متقدمة قوامها التفاؤل اللفظي، بانتظار أن تسلك مسار التطبيق خلال الأسابيع المقبلة، بعد أن يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود، تماماً كما خطوط الترسيم.


حرص الجانب اللبناني، على الرغم من البرودة بين الرؤساء الثلاثة جراء عرقلة الملف الحكومي، على إظهار وحدتهم أمام الوسيط الأميركي، وبقي الكتمان سيد الموقف بخصوص مسار التفاوض المتوقّع أن يسير على سكته غير التصعيدية حتى الساعة، بدليل الضغط الإسرائيلي على أميركا للإسراع به، وذلك نظراً لمحاولتها الاستفادة من الحاجة الأوروبية إلى الغاز من جهة، ووضع حد لاستفزازات حزب الله، لاستخراجه من دون حرب.
دام اجتماع هوكشتاين مع الرؤساء ميشال عون ونبيه بري ونجيب ميقاتي في بعبدا قرابة الساعة، عقب احتفال لبنان بعيد الجيش في الأول من أغسطس (آب)، ليخرج الوسيط الأميركي بتصريح مقتضب قال فيه: «متفائل جداً بالوصول إلى اتفاق، وسأعود إلى المنطقة قريباً من أجل ذلك»، في ظل حرص على عدم تسريب وقائع الاجتماع، فهل كان هناك تأكيد على أن لبنان الرسمي متمسك بموقفه بالعودة إلى الناقورة، وهل سيتم الترسيم على أساس الخط 23 من دون أي تنازل عن أي من الحقول في كامل البلوكات ورفض أي نوع من الشراكة التجارية أو في التنقيب؟».

الأمور ضبابية
شهد ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل تسارعاً ملحوظاً منذ بداية الشهر الماضي، إثر وصول سفينة إنتاج وتخزين على مقربة من حقل كاريش، تمهيداً لبدء استخراج الغاز منه.


ووفق ما أوضحه الكاتب والمحلل السياسي جوزيف أبو فاضل لـ«المجلة» أن «المشكل المستجد يكمن في أنه تم إبلاغ هوكشتاين بعدم قبول لبنان بتعرج الخط 23، أي أن يكون حقل قانا من حصة لبنان، ومن بعد حقل قانا باتجاه قبرص يتعرج الخط ويضرب بلوك 8، وتأخذ منه إسرائيل عوضاً عن الذي سيأخذه لبنان من حقل قانا»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر هو مدار بحث، وهوكشتاين لم ينجح في إقناع إسرائيل، وعاد بسرعة إلى أميركا وطلب مدة أكبر لتتم حلحلة الوضع».


وشدد أبو فاضل على أن «الوضع غير سليم، والمسؤولين في لبنان يحاولون إظهار أن الأمور إيجابية، لافتاً إلى أنه من المؤكد أنه «في حال تم التوصل إلى اتفاق فسيكون هناك تعرج داخل لبنان لصالح إسرائيل في البلوك رقم 8، وهذا ما أبلغه الوسيط الأميركي إلى الإسرائيليين وهذا ما يتداوله المتابعون للموضوع».


واعتبر أنه «لا يزال خط التعرج من بعد حقل قانا مطروحا بشدة باتجاه قبرص لمصلحة إسرائيل، لأن حقل قانا يقع بين خطي 23 و29، ولبنان تنازل عن خط 29 كلياً، وبدأ بالمفاوضات بالخط 23، وحقل قانا يضربه خط 23 في النصف، إذ إن قسماً منه موجود بين الخطين 23 و29، وهنا تكمن المعضلة بحيث إن إسرائيل تريد التعويض عن ذلك بخط التعرج من حقل قانا الذي يضرب بلوك رقم 8 في لبنان».


وحول إمكانية موافقة السلطات اللبنانية على الطرح، لفت أبو فاضل إلى أنه «لا يستبعد ذلك كونها وافقت على العديد من المواضيع، ويجب أن ننظر لموقف أميركا وإيران مما يجري في إطار المباحثات الجارية».


وشدد على أن «الأمور ما زالت ضبابية، والمثال على ذلك أن حقل كاريش كان ضمن اتفاق 17 مايو وكان ضمن حصة لبنان الذي تراجع عن خط 29 وحقل كاريش وصولاً إلى حدود خط 23، وحقل قانا في النصف ويقسم الخط 23».

الترسيم في خواتيمه.. ولا تصعيد!
تحكم الإشارات عن تقدّم محتمل في مشهد الترسيم المائي مسار المفاوضات بين الطرفين المتنازعين، غداة الاجتماع اللبناني مع هوكشتاين الذي زار تل أبيب بعد لقاءاته في لبنان، إذ عقد الكابينت السياسي والأمني لحكومة إسرائيل اجتماعاً خاصاً للبحث في ملف الحدود المائية مع لبنان، على أن يصل الردّ خلال أسابيع، مع التأكيد على عدم تقاسم الثروات في البلوكات كاملة ومدّ أية أنابيب.


وفي هذا الإطار، أوضح الكاتب والباحث السياسي عمران زهوي لـ«المجلة» أنه من الممكن الوصول إلى اتفاق، مشيراً إلى أن «حصة الـ30 في المائة التي كان يطالب بها الجانب الإسرائيلي من حقل قانا، سيأخذ مقابلها من البلوك رقم 8، نظراً لأهميته الاستراتيجية باعتباره صلة الوصل مع أوروبا ويضم ثروات هائلة ويختصر المسافة والكلفة، ما يعني أن التفاوض حالياً هو في أن يأخذ لبنان حقل قانا كاملاً في خط متعرج يصل إلى خط هوف أو إلى الخط 23».


وأكد أن «الأمور لا تتجه إلى التصعيد، فملف الترسيم بات في خواتيمه، والحرب مستبعدة في ظل الأزمة السياسية في إسرائيل، ولأن إعادة التموضع الأميركي في الشرق الأوسط لن تسمح بذلك»، لافتاً إلى أن «هناك ضغطا أوروبيا وإسرائيليا على أميركا لإنهاء الملف، مع الإشارة إلى أن العقد مع شركة إينيرجي باور يقضي ببدء الاستخراج في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل تجنّباً للبند الجزائي، لذلك من المتوقع أن يُبصر الاتفاق النهائي النور حتى قبل هذا التاريخ».


وأشار إلى أن «الخلاف لا يزال اليوم على حصة إسرائيل وحصة لبنان من البلوك رقم 8 والبلوك رقم 5 وكيفية مرور الخط المتعرج وإلى أين سيصل، أي إلى خط هوف أم إلى الخط 23، مع مطلب لبنان بأن تكون لديه ضمانة من الوسيط الأميركي بأن تأتي الشركات وتبدأ بالتنقيب».
تجدر الإشارة إلى أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل أعيد إطلاقها بوساطة أميركية في مايو من العام الماضي بعد توقفها جراء خلافات حول مساحة المنطقة المتنازع عليها، وبالتزامن مع زيارة هوكشتاين، نشر حزب الله شريط فيديو مفصلا يرصد فيه المنصة وسفن وحجم كل سفينة وإحداثياتها بالإضافة إلى إرسال عدد من مسيّرات، في خطوة استفزازية لإسرائيل التي تعتبر أن اللعب بالنار من قبل الحزب سيُكلّفه غالياً.
ووسط تبادل التهديدات بين إسرائيل والحزب، يبقى السؤال: هل سيصل الملف إلى خواتيم ترضي الطرفين، أم سيكون التصعيد هو الحكم في قضية مصيرية سترسم مستقبل منطقة بأكملها؟!