شبح حرب أوروبية ثانية يلوح في الأفق

الصوت في أوكرانيا والصدى في البلقان
تتصاعد التوترات بين الصرب والحكومة التي يقودها الألبان في كوسوفو، جنوب شرقي أوروبا (غيتي)

القاهرة: في مطلع أغسطس (آب) نشرت «واشنطن بوست» مقالًا بتوقيع إيشان ثارور يكشف روابط عديدة بين النار في أوكرانيا والدخان في البلقان!
فبعد شهرين من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، حاول الرئيس فلاديمير بوتين تبرير حربه في أوكرانيا بالإشارة إلى البلقان، وفي لقاء مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قارن بين العملية العسكرية التي قام بها الناتو في يوغوسلافيا السابقة عام 1999، حيث أدت الحرب القصيرة وما تلاها إلى ظهور دولة كوسوفو المستقلة، وادعى بوتين أن يفعل الشيء نفسه لضمان استقلال الكيانين الانفصاليين الموالين للكرملين في شرق أوكرانيا: دونباس!

دور روسي وروابط مجهولة- معلومة
وأول ما يُفقِد هذه المقارنة أية مصداقية، أن روسيا حتى اليوم تشجب هذه العملية العسكرية بأكثر مفردات قاموس السياسة قسوة، وأنها حتى اليوم لم تعترف باستقلال كوسوفو!

قُتل أكثر من 13 ألف شخص في حرب كوسوفو عام 1999 (غيتي)


والروابط التي قد تبدو، لأول وهلة، مجهولة هي في الحقيقة معلومة لمن يهمه الأمر، وتمتلئ بها تقارير إعلامية غربية ودراسات عديدة (لعل أهمها تقرير حديث صادر عن مجموعة الأزمات الدولية). وأول هذه الروابط، وقد يكون أكثرها أهمية، رد فعل عفوي ينطوي على حس تاريخي عميق بوحدة المصير بين أوكرانيا والبلقان، ففي الأسبوع الأول من مارس (آذار) الماضي، كان مسلمو البوسنة أول من أطلق شعار: «تعلموا من تجربة سراییفو.. أنقذوا کییف»، في مظاهرة حاشدة في سراييفو أعادت ذكرى سنوات الحرب الحزينة في البلقان. وقال أحد المتظاهرين الأمر ببساطة: «إذا صمت العالم أو تردد تجاه العدوان الروسي علی أوکرانیا، فلا یمکن لسراییفو أن تفعل ذلك»!


ولعل أحد أكثر المشاهد إثارة كان تصريح رئیس الوزراء البریطاني المقال بوریس جونسون بأن «قصف الروس لخارکیف یذکرني بقصف الصرب للسوق الرئیسية في سراییفو» (في فبرایر/ شباط 1994). وهذا الرابط النظري محوره أن الخلفیة الآیديولوجیة للحرب تكشف أوجه تشابه کثیرة بین العدوانين، فمثلًا، لم یقبل رئیس دولة صربیا سلوبودان میلوسوفیتش تفکك یوغوسلافیا، ولا یقبل الرئیس الروسي فلادیمیر بوتین تفکك الاتحاد السوفیاتي، وفي الحالتین یقوم المعتدي بتعریف الدولة المجاورة بأنها مصطنعة، ولیس لها الحق في الوجود، ويُقدَّم العدوان كحرب دفاعیة لحمایة أفراد من الجنسیة نفسها (صرب في حالة البلقان/ وروس في حالة أوكرانيا)، ويتبع ذلك محاولة فرض السلطة بطریقة وحشیة، والتهجیر القسري للمواطنین والاستیلاء علی الأرض بهدف التوسع وزیادة النفوذ. بل إن المحلل السیاسي والعسکري البوسني فکرت موسلیموفیتش یرى أن «الأمر یتعدى مجرد التشابه لیصل إلی ارتباط عضوي وثیق بین الحرب الصربیة والحرب الروسیة». فما یسمی «صربیا الکبرى»، امتداد لنظریة «عالم الروس»، التي یروج لها مفکرون روس كثيرون، وهي المحرك الرئیسي لأنشطة بوتین العدوانیة، وهدفها بناءُ حضارة أوروبیة آسیویة مركزها روسیا، وبالتالي يجب أن تختفي أوکرانیا لأنها تقسم قوة روسیا کقوة قاریة عظمی.


وعن هذه الروابط يتحدث الرئيس الكوسوفي فيوسا عثماني بشكل مباشر. والرسالة الأولى فيما قاله عثماني كان التحذير من المخاطر الأوسع التي تواجه البلقان، «حيث لعب النفوذ الروسي تاريخيًا دورًا ضخمًا»، وصربيا، في المقام الأول، حليف تاريخي لروسيا، ولبوتين فيها نفوذ كبير. ويلخص وزير الداخلية الصربي ألكسندر فولين هذه العلاقة بالقول إن روسيا «منذ قرون حليفنا الوحيد في أصعب لحظات وجودنا». والإرث التاريخي الروسي الكبير في البلقان، ملطخ بالدم، ويبدو أن روسيا تسعى إلى جعله نقطة ارتكاز في مسعى لفتح جبهة حرب أوروبية ثانية، والتاريخ والنموذج معًا حاضران في الخطاب الروسي. وبالإضافة إلى ما سبق، تلعب أجهزة الدعاية الرسمية الروسية في صربيا دورًا مؤثرًا في تأجيج الاستقطاب في المنطقة.


وبحسب عثماني فإن هدف بوتين توسيع الصراع، لأن هدفه كان دائمًا زعزعة استقرار أوروبا، ويمكننا توقُّع أن يكون البلقان أحد أهدافه، والرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش يعتبر بلداننا «دولًا مؤقتة ويحاول إنكار وجودنا»، وهي «الطريقة ذاتها التي ينظر بها بوتين إلى أوكرانيا ومولدوفا وبلدان أخرى. إنها الاستراتيجية نفسها بالضبط». وفي سياق تفنيد حجج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أكد أن التباين الذي يتجاهله بوتين عمدًا أن التدخل العسكري الأطلسي في البلقان كان «جزءًا من نضال أوسع من أجل حقوق الإنسان وسيادة القانون والمبادئ الديمقراطية»، وأضاف عثماني: «قبل ثلاثة وعشرين عامًا كانت هذه القيم على المحك في كوسوفو وخارجها. وبعد مرور ثلاثة وعشرين عامًا، لم يتغير شيء: هذه القيم معرضة للخطر في أوكرانيا».

أكثر من 90 في المائة من سكان كوسوفو من المسلمين الألبان (غيتي)


الخطر إذن جدي يتجاوز التقارير الإعلامية إلى خطاب «الغرف المغلقة» بين صناع القرار.

من السردية إلى المخطط السياسي
على مستوى الوقائع، شهد هذا الأسبوع، توترات بين كوسوفو وصربيا تخفي تحت رمادها نارًا لم تنطفئ منذ انفراط عقد يوغوسلافيا في تسعينات القرن الماضي، ودخان الحريق في البلقان كان دائمًا حروبًا كلامية بين كبار المسؤولين. ولأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت بعثة الناتو الصغيرة بأنها مضطرة لإصدار بيان أعلنت فيه استعدادها للتدخل إذا تعرض الاستقرار للخطر. وفي خطاب إلى الأمة هذا الأسبوع، قال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش إن الوضع في كوسوفو «لم يسبق أن كان بهذا التعقيد»، وكتب رئيس وزراء كوسوفو على فيسبوك: «من المحتمل أن تكون الساعات والأيام والأسابيع القليلة المقبلة صعبة».


والخطر على الاستقرار بدأ في التصورات النظرية قبل أن يتحول إلى سيناريوهات سياسية، وبحسب «نيويورك تايمز» الأميركية (14 يونيو/ حزيران 2022)، أصدر مركز القانون الإنساني في بلغراد في العام 2021، تقريرًا ذكر فيه أن مسؤولي صرب البوسنة يثيرون الحماسة القومية عبر التهوين من شأن جرائم الحرب، والقول بأن القوى الأجنبية تجبر الصرب على «الشعور بالعار». وهذه الأشكال من إعادة الكتابة العاطفية للتاريخ تملأ كتيبات قواعد اللعبة التي يروجها القادة الشعبويون الأوروبيون. وفي صربيا، أيد الرئيس الصربي الادعاء بأن الصرب فُرض عليهم وصف: «المعتدين» في حرب البوسنة، وأشاد بسلوبودان ميلوسيفيتش، مجرم الحرب الصربي الذي توفي أثناء محاكمته، معتبرًا إياه «زعيمًا صربيًا عظيمًا»، وفويتش، أحد القادة الأوروبيين القلائل الذين يحتفظون بعلاقات وثيقة مع فلاديمير بوتين، وهي- بحسب «نيويورك تايمز»- علاقة يعززها الإيمان المسيحي الأرثوذكسي المشترك والنظرة القومية. ويعد التحذير الأكثر مصداقية ما ورد على لسان كريستيان شميدت المسؤول الدولي عن الإشراف على اتفاقيات دايتون، التي أنهت حرب البوسنة، إذ قال (11 مايو/ أيار 2022) إن البلقان يشهد توترات متصاعدة ومأزقًا سياسيًا مستمرًا، كما يشهد توقعات متزايدة بشأن صراع آخر في أوروبا، فبعد أكثر من ربع قرن من توقيع اتفاقيات دايتون، ثمة حديث عن صراع، وقد ربط بين أوكرانيا والبلقان، «الصراع في أوكرانيا، ليس بعيدًا» وحرب أخرى على الأراضي الأوروبية «ليست مستحيلة».

الناتو ينشر قوات لحفظ السلام بين كوسوفو وصربيا (رويترز)


والسنوات القليلة الماضية شهدت تحولًا في الخطاب الصربي- الرسمي وغير الرسمي- نحو مزيد من التطرف، وفي شوارع بانيا لوكا، لا يمكن رؤية علم البوسنة والهرسك، وفي المقابل تظهر على الجدران صور بدائية مرسومة لراتكو ملاديتش الملقب بـ«جزار البوسنة». وتنتشر بشكل واضح دعاية لتوحيد «العالم الصربي»، وهو مصطلح يعد نسخة جديدة لآيديولوجية: «صربيا الكبرى»، التي تسببت في مقتل 120 ألف شخص.


موقع «دويتشه فيله» الإخباري كشف في تقرير (17 أبريل/ نيسان 2021) أن «أوراقًا غير رسمية» ظهرت علنًا لأول مرة، عندما سلمتها كرواتيا وسلوفينيا إلى الاتحاد الأوروبي وتتضمن خططًا لإعادة ترسيم حدود غرب البلقان، ما يهدد بتفكيك البوسنة والهرسك وإلحاقها بكرواتيا وصربيا. الوثيقة وقعتها كرواتيا وسلوفينيا والمجر وبلغاريا وقبرص قدمت في 22 مارس (آذار) إلى الاتحاد الأوروبي عبر وزير الخارجية الكرواتي غرليش رمدمان. وتهدف الوثيقة ظاهريًا إلى تيسير ضم البوسنة والهرسك للاتحاد، لكنها تتضمن دعم تغيير قانون الانتخابات في البلاد ليصبح بإمكان كرواتيا السيطرة الدائمة على صنع القرار فيها. ورئيس وزراء سلوفينيا، يانيز جانشا، وهو حليف لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربانس، أرسل أيضًا، بشكل غير رسمي، «وثيقة» إلى رئيس المجلس الأوروبي عنوانها: «غرب البلقان: الطريق إلى الأمام»، وقد نُشرت على موقع سلوفيني «necenzurirano.si»، مع وصفها بأنها «استمرار للسياسة القومية لصربيا». والعبارة ذات الدلالات الموحية في تقرير «دويتشه فيله» أنه «وفقًا لبعض المعلومات، تمت كتابة جزء من المحتوى في بودابست»، وترتبط الحكومة المجرية الحالية بتحالف وثيق مع روسيا. وقد تسببت «الورقة غير الرسمية» السلوفينية في ردود فعل كبيرة لأنها تقترح إعادة ترسيم حدود المنطقة، لتولد: «صربيا الكبرى»، و«كرواتيا الكبرى»، و«ألبانيا الكبرى»، مع تقسيم البوسنة والهرسك بين كرواتيا وصربيا، و«هناك حديث عن نزاعات مسلحة محتملة». وعن «جس نبض سري» بين صانعي القرار في المنطقة والمجتمع الدولي حول إمكان تنفيذ المخطط!!

زعيم صرب البوسنة والهرسك ميلوراد دوديك


وقد رفضت السفارة الأميركية في سراييفو ردت ببيان واضح رفضت فيه أي ترسيم جديد للحدود. وأكد البيان أن «البوسنة والهرسك دولة ديمقراطية ومتعددة الأعراق وذات سيادة ومستقلة»، وقال متحدث باسم «مفوضية الاتحاد الأوروبي» إن موقف الاتحاد بشأن البلقان والحدود واضح للغاية: «لا يوجد شيء يجب تغييره». وبعض المسؤولين الأوروبيين يرون الخطر القومي الصربي من منظور آخر «مهم للغاية»، هو صلته بتنامي القوى القومية داخل الاتحاد. ويتناول تقرير نشره موقع «دويتشه فيله» (16 يناير 2022) جانبًا من هذه الروابط الخطرة، واصفًا اصطفاف الحلفاء، يقول: «كانوا إلى جانب بعضهم في صف واحد على المنصة الرئيسية» في مدينة بانيا لوكا البوسنية، وهم: ميلوراد دوديك، الرجل القوي في جمهورية صرب البوسنة (صربسكا) والسفير الروسي، وأعضاء من حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الفرنسي، ونُظِّم عرض عسكري أمام المنصة، وكان «أكثر من مجرد استعراض، لقد كان إعلان حرب ضد دولة البوسنة والسلام في غرب البلقان»!


وحرب روسيا على أوكرانيا أثرت في أوضاع البلقان في اتجاهين متناقضين، فهي على المستوى غير الرسمي، أسهمت في تأجيج التوتر إلا أنها، على المستوى الرسمي، أخرت خطة انفصال صرب البوسنة، بحسب ما قال زعيم صرب البوسنة ميلوراد دوديك العضو الصربي في رئاسة البلاد (6 يونيو 2022)، فإن من آثارها غير المباشرة إجبار القوميين الصرب في البوسنة على تأخير خططهم للانفصال عن البوسنة. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2021 صوت برلمان جمهورية صرب البوسنة (جمهورية صربسكا) غير المعترف بها، على بدء قطع العلاقات مع القوات المسلحة والقضاء والنظام الضربي في البوسنة، في اقتراح غير ملزم يهدف إلى تمهيد الطريق للانفصال. وأثارت الخطوة واحدة من أسوأ الأزمات السياسية في البوسنة منذ نهاية حرب التسعينات، وتسببت في فرض عقوبات على دوديك من كل من لندن وواشنطن وتحذيرات من الاتحاد الأوروبي، بينما روسيا تدعم هذه الخطوة!

باحثة في العلوم السياسية، مصر