أفلام الهجرة... البحث عن الحلم والأمان

السينما العربية شريك في الظاهرة
من فيلم الرسوم المتحركة «الكلاب والإيطاليون غير مسموح لهم»

هوليوود: ليست هناك إحصائية مؤكدة حول من هاجر إلى أين منذ قرون الحياة الأولى. لكن المؤكد أن فعل الهجرة لم يتوقّف إما على نحو فردي أو جماعي. إما طمعاً في تحقيق حلم أو رغبة في التخلّص من وضع، أو كما الحال السائد في هذه الأيام، تبعاً للأحوال غير المستقرة، أمنياً وسياسياً، في دول عديدة حول العالم.


الحرب الروسية- الأوكرانية وحدها تسببت، حسب بعض الصادر، في هجرة نحو 5 ملايين أوكراني. قبل ذلك كانت هناك أفواج من الهجرة في كل قارة. وإذا أخذنا في الاعتبار أن أي دولة اليوم لا تتألف من سكّان أصليين بمعزل عن المهاجرين، تبدّى الموضوع أكبر من أن يوجز في موضوع واحد أو تحقيق.

أفلام حديثة
في السينما هناك مئات من الأفلام المختلفة التي دارت حول الهجرة. أفلام أجنبية وعربية. روائية وغير روائية. حيّة وأنيميشن. معاصرة وتاريخية. فردية البطولة أو تتناول شعوباً ومجاميع. الموجة الحالية من الأفلام وتلك التي سبقتها في السنوات القليلة الماضية تغطي مساحات شاسعة وأزمنة مختلفة وتبلور للمشاهد أجزاءً من المشهد الكبير الناتج عن أفعال النزوح والهجرة والتهجير.


تحدّث المخرج الفرنسي جان- لوك غودار حول هذا الوضع في مشهد قصير من أحد أفلامه في التسعينات عندما أمسك بصورة لمركب محمّل بمهاجرين فلسطينيين وهو على أهبة الإبحار شمالاً، صوب لبنان، خلال النزوح الكبير سنة 1948 وبصورة أخرى لمركب محمل بمهاجرين يهود وصلوا إلى الساحل الفلسطيني ذاته. غاية المخرج القول إن قوماً خلفوا قوماً آخرين بذلك تكمل كل صورة الأخرى.


في حين تلخص كل صورة، وكلتاهما معاً، تاريخ القضية العالق حتى اليوم، فإن أفلاماً أخرى عاينت مواضيع مختلفة عن الهجرة والنزوح وكثير منها في العامين الأخيرين.


وفي مهرجان أنيسي هذا العام تم الكشف عن هجرة لم يكن معظم المشاهدين على علم بيّن بها. ورد ذلك في فيلم «غير مسموح للكلاب وللإيطاليين» (No Dogs or Italians Allowed) رسوم متحركة في 70 دقيقة من إنتاج هذا العام لمخرج فرنسي من أصل إيطالي اسمه ألان أوغيتو يعرض فيه هجرة عائلته من قريتها الشمالية الصغيرة في إيطاليا إلى فرنسا وما تكبّدته خلال الرحلة وما بعدها حين الوصول إلى باريس.


فيلم أنيميشن آخر عن موضوع الهجرة (عرضه المهرجان نفسه) جاء من المكسيك تحت عنوان «الوطن في مكان آخر» (Home is Somewher Else) لجورج ڤيلالوبوس وكارلوس هاغرمان. يعرض هذا الفيلم لمتاعب الهجرة بحثاً عن الحلم الأميركي الكبير وما يصاحبها من عنصرية.


«يابان» (Yaban) هو فيلم حي شوهد في مهرجان إسطنبول في هذا العام من إخراج طارق داوود (Tareq Daoud) حكايته آسرة إذ تدور حول أم تكاد تفقد رعايتها لابنتها الصغيرة بسبب قرار المحكمة بمنح مطلّقها، والد الفتاة، حق رعايتها. في محاولة يائسة تستأجر مهرّباً ليساعدها على تهريب ابنتها عبر الحدود إلى دولة مجاورة. لكن المهرّب يطمع في المزيد من المال ويعتقد أنه لو سلّم الفتاة لأبيها لاستطاع تحقيق ذلك. يترك العائلة في كوخ في الغابة وينطلق لترتيب أموره.

 من الفيلم التركي «يابان»


وهناك ذلك الفيلم الأوزباكستاني الذي عرضه مهرجان برلين، هذه السنة، بعنوان Convenience Store  لمخرجه مايكل بورودين (Michael Borodin) الذي يتعامل وموضوع الهجرة وما قد يتبعها من انزلاق نحو الجريمة أو حتى السقوط ضحية سوق الرقيق.

الحلم الأميركي كبيراً وصغيراً
ليس من بين هذه الأفلام، وهي حفنة من بين عشرات تم إنتاجها بين 2021 و2022 ما يعجز عن تصوير وضع اجتماعي صعب يتعامل وأحلام الهجرة ومصاعبها ثم نتائجها. هذه المسائل هي ذاتها التي قدّمتها السينما عبر عقود كثيرة سابقة.


اللافت وجود فيلم تركي من العام 1975 بعنوان «الحافلة» (The Bus) لطنج أوكان  (Tunç Ukan) حول حافلة قديمة تنطلق من تركيا إلى الحدود الغربية تحمل مهاجرين غير شرعيين يبحثون عن ملاذ آمن. تخترق بدراية سائقها البلد تلو الآخر وصولاً إلى نهاية الرحلة في مدينة سويسرية. يجمع السائق جوازات سفر الركّاب وأموالهم بحجة تدبير إقامات لهم ثم يفر بما جمعه تاركاً رجالاً ونساءً وأطفالاً في تلك الحافلة المتوقفة الآن في شارع وسط المدينة.


خلال النهار هم داخل الحافلة مختبئين وراء ستائر النوافذ المسدلة خشية الخروج إلى الحياة. في الليل يتسرّبون من الحافلة كما الجرذان يبحثون في القمامة عما يأكلونه. اللقطة الأخيرة للحافلة من بعيد ما زالت في مكانها وبمن فيها بانتظار يوم مجهول.

قبل ذلك العام بقليل أنجز السويدي يان ترووِل (Jan Troell) فيلمين عن الموضوع هما «المهاجر» و«الأرض الجديدة» (1972) ودار حول أقدار عائلة سويدية هاجرت إلى الغرب الأميركي. ما عرضه ترووِل في نحو 400 دقيقة (مجموع دقائق الفيلمين) لا يقوم على حس المغامرات بل على نقل واقعي لما قد يحدث لعائلة لاجئة في بلد جديد عليها بكل نظمه الاجتماعية والأخلاقية.


الدافع في هذين الفيلمين هو تطوّعي وليس بسبب وضع اضطراري يدفع ببطل الفيلمين ماكس فون سيدوMax Von Sydow) ) للهجرة وهذا عكس ما ورد في فيلم إيليا كازان «أميركا أميركا» (1963) عندما قصّ سيرته الذاتية حين كان صغيراً وشهد ضحايا الأرمن على أيدي الأتراك وكيف سعى للهروب صوب أميركا.


ليس بالفيلم الجيّد كجودة «عند جبهة الماء» (On the Water Front) 1954 كان تملّص من تهمة المكارثية حين رضي بالوشاية باليساريين وأراد، حسب مراجع، التأكيد على موقفه السياسي الجديد فأنجز «عند جبهة الماء» ضد نقابات العمّال و«أميركا أميركا» كحكاية اللجوء إلى أميركا أرض العدالة والحرية.


الوضع غير مشابه في فيلم مارتن سكورسيزي «عصابات نيويورك» (Gangs of New York) ولا في فيلم سيرجيو ليوني «ذات مرّة في أميركا» (Once Upon a Time in America) حول المهاجرين الأيرلنديين (في الفيلم الأول) واليهود والإيطاليين (في الثاني) ودورهم في شيوع الجريمة.

«عصابات نيويورك» لمارتن سكورسيزي


الصورة قاتمة، أكثر من فيلم البريطاني جيم شريدان (Jim Sheridan) وعنوانه In America هذه الدراما المنجزة سنة 2002 تدور حول مصير عائلة أيرلندية هاجرت إلى البلاد الجديدة (في زمن قريب) واكتشفت أن وضعها المادي والاجتماعي ليس أفضل مما كان عليه قبل مغادرتها بلدها.
موضوع الهجرة إلى فرنسا، في أفلام عديدة، ينبع مباشرة من الوضع القائم سلفاً كما الحال في فيلم «الكراهية» (La Haine)  لماتيو كازوفيتر (Mathieu Kassovitz) حيث يتآلف المهاجرون العرب سعيد تاجماويSaïd Taghmaoui)) مع الفرنسيين البيض فنسنت كاسل، Vincent Cassel)) والأفارقة أوبيرت كونديUbert Koundé)) بسبب وضعهم كطبقة فقيرة.

مهاجرو الاتجاهات الأربعة
الهجرة العربية لفرنسا ودول الغرب الأوروبي عموماً كانت محط اهتمام أفلام عربية وغربية عديدة. لكن قبل ذكر النماذج لا ننسى أن هناك هجرة عربية- عربية من وإلى بلدان تعايش أوضاعاً متباينة تدفع بالبعض لمحاولة تحقيق الأمل الصعب.


مرّة ثانية يوجز فيلم سابق حكاية الهجرة بين بلاد العرب. فيلم الراحل توفيق صالح «المخدوعون» (1972) عن رواية غسان كنفاني، يتناول موضوع ثلاثة فلسطينيين يتسللون من الأردن راغبين في الوصول إلى بلد خليجي وطريقتهم الوحيدة في ذلك وضعهم في صهريج بترول فارغ. الطريق طويل واليوم حار والصهريج مغلق وفي النهاية يموت من في داخله خنقاً.


نوع آخر من الهجرة الداخلية نراه في فيلم مصري نيّر هو «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد. يفكر بطل الفيلم (تامر السعيد أيضاً) في الهجرة، لكنه يمتنع عنها. لديه ثلاثة أصدقاء عرب اثنان من العراق هاجر أحدهما إلى برلين، ولبناني يرنو للهجرة من بيروت الخانقة.

من «آخر أيام المدينة» لتامر السعيد


الفلسطينية مها حاج قدّمت «أمور شخصية» (2016) حول وضع فلسطينيين داخل بلدهم وآخرين خارجه. واللبنانية دانيال عربيد عمدت إلى فيلم بعنوان «باريسية» (2016) حول الغربة اللبنانية في فرنسا ومن خلالها موت الحلم اللبناني وهوية الوطن المفقودة.


مثلها من حيث الرغبة في استبدال وطن بآخر نجد بطلة فيلم «جسد غريب» للتونسية رجا عماري (2016) تسعى لكي تجد لنفسها مكاناً في مجتمع تتوق إليه لكنها قد تُحرم منه. والفيلم الأشهر في هذا المنوال هو «الرجل الذي باع ظهره» (2020) للتونسية (أيضاً) كوثر بن هنية حول الشاب السوري الذي يبيع ظهره لفنان بلجيكي حباً بالعيش في الغرب واللحاق بحبيبته.


التونسية سارة عبيدي، التقطت خيط الهجرة غير الشرعية في «بنزين» (2017) عندما يفتقد الأبوان ابنهما الشاب ليكتشفا أنه هاجر إلى سوريا للاشتراك في الحرب الأهلية هناك. هذا أيضاً حال فيلم «زهرة حلب» لرضا الباهي (2015) حيث تلجأ الأم للتنكر في زي إسلامية متشددة وتلحق بابنها إلى سوريا لإخراجه.

من فيلم كوثر بن هنية «الرجل الذي باع ظهره»


أفضل منه وأقل شهرة هو «ولدي» لمحمد بن عطيّة (2018) حول الأسرة التي تفيق على تسلل ابنها إلى الشمال السوري، عبر تركيا، فيسعى الأب لاسترجاعه بالسفر إلى تركيا ثم إلى الحدود السورية حيث يدرك أنه لن يستطيع البحث عنه مطلقاً في ظلمة الوضع القائم.


وكان العراقي المهاجر سمير جمال الدين قدّم فيلمين عن الهجرة العراقية للغرب، أولهما «أوديسا عراقية» (2015) وهو تسجيلي عن تشتت أفراد عائلته ما بين أوروبا وأميركا. هذا فيلم جيّد على عكس فيلمه اللاحق «بغداد في خيالي» (2018) الذي تناول فيه حكاية مهاجرين عراقيين إلى لندن ومحاولة واحد من رجال العهد البائد التجسس عليهم لصالح العهد الجديد.

من «بغداد في خيالي» لسمير جمال الدين


وفي نهاية المطاف هناك مئات الأفلام من كل صنف واهتمام وبلد. كل مجموعة منها تحاول نقل تجارب مهاجرين داخل أوطان جديدة أو في الطريق إليها. لاتينيون يحاولون اجتياز الحدود صوب أميركا. عرب صوب أوروبا أو إلى حيثما كان ذلك ممكناً. الحلم يكبر والواقع يسوء أكثر.