لبنان.. هجمة على شراء الذهب مع انخفاض سعره العالمي

من طوابير الخبز إلى طوابير الذهب!
طوابير أمام محال الصاغة في لبنان

بيروت: في مشهد يحمل جميع التناقضات في لبنان الذي اعتاد على طوابير الذلّ أمام الأفران ومحطات المحروقات والمصارف، شهدت مختلف المناطق اللبنانية مؤخرا طوابير من نوع آخر، إذ يصطف المواطنون مؤخرا أمام محال الصاغة وتجار الذهب في مشهد غير مألوف، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي تعيشها البلاد منذ 2019.

للوهلة الأولى، يدعو هذا المشهد للاستغراب، لا سيما أن مختلف المناطق اللبنانية شهدت في الأسبوعين الأخيرين طوابير أمام الأفران للحصول على ربطة خبز، مما دفع بالعديد إلى التساؤل: «أين الفقر، وأين الانهيار؟».

إلا أنه في الواقع وعلى الطريقة اللبنانية، يعمد اللبناني «الشاطر» والمقتدر على اقتناص الفرص، من خلال الاستفادة من الانخفاض الكبير بأسعار الذهب عالميا، واستبدال العملات الورقية بالذهب الأصفر خوفا من الأيام السوداء.

وعلى حدّ قول جيداء التي استثمرت بمبلغ كانت قد جمعته عبر شراء أونصة ذهب، حيث قررت استبدال أموالها المجمدة عبر شراء الذهب، وقالت لـ«المجلة» إن هذه الخطوة «للمحافظة على قيمة أموالها، فالعملة اللبنانية والدولار على المحك، فيما الذهب ثابت».

أما سناء، فهي تنتظر منذ أيام، حصولها على سبيكتين من الذهب، بعد نفاذها من محل الصاغة بسبب الطلب الكبير، وقالت سناء لـ«المجلة» إنها «سجلت طلبا لدى صائغ تتعامل معه وتثق به، وقد سدّدت المال مقدّماً، منتظرة أن تصل دفعات الذهب المستوردة من الخارج»، مؤكدة على أن «الذهب هو أكبر ضمانة لما تبقى معها من أموال بعد أن سرق المصرف وديعتها».

وقد حصلت الطوابير أمام محال الصياغة بالتزامن مع الانخفاض الكبير في سعر الذهب عالميا. فبعد أن تجاوز سعر الأوقية «الأونصة» عتبة الـ2000 دولار مع تأزّم الحرب الروسيّة على أوكرانيا، استقرّ السعر منذ مايو (أيار) عند هامش الـ1800 دولار؛ لينخفض من شهر يوليو (تموز) إلى نحو 1763 دولاراً، حيث بدأت الهجمة على محال الصاغة، حتى ولو سجل سعر الأوقية في أغسطس (آب) ارتفاعا طفيفا عن الشهر الفائت مسجلا 1775 دولارا في تعاملات الثلاثاء المنصرم.

ويرى البعض أن هذا التراجع بالأسعار يدفع الكثيرين لشراء الذهب، علما أن وجود المغتربين في لبنان خلال موسم الصيف، حرّك السوق، إضافة إلى أنّ كثيرين من أصحاب الأعمال باتت مداخيلهم بالدولار مع توسّع دولرة الاقتصاد.

ويعد الذهب ملاذا آمنا، خاصة في أوقات الأزمات، حيث يتجه الكثيرون نحو شرائه للتحوط من مخاطر التضخم، علما أنه في الأعوام الماضية شهدت أسعار المعدن النفيس ارتفاعا في ظل أزمة فيروس كورونا وتبعاتها.

 

طوابير أمام محال الصاغة في لبنان

 

 

الاستثمار الآمن

في السياق، يؤكد رئيس نقابة تجار الذهب والمجوهرات، نعيم رزق، أن الطلب على المجوهرات والذهب ازداد بشكل كبير ليس في لبنان فحسب إنما في مختلف الدول، وذلك بسبب انخفاض الأسعار بالإشارة إلى «الحرب في أوكرانيا، إذ تسبّب بيع الروس والأوكران للذهب بزيادة العرض وبالتالي انخفاض السعر، وهذا ما جعل حركة البيع نشطة في كلّ دول العالم، وخصوصاً لدى الأوروبيين الخائفين في ظلّ تراجع سعر اليورو أمام الدولار». وتابع: «بالتالي ما يجري لا يمكن حصره في لبنان والسوق المحلية، إنما في السوق العالمية مع وصول سعر الأونصة إلى 1700 دولار أميركي ولو ارتفع قليلا مؤخرا بسبب التوترات الدولية، ولكن بالرغم من ذلك لم يتأثر الطلب حتى الساعة».

أما محلياً، فيعيد رزق سبب هذا الإقبال لـ«الأزمة الاقتصادية وانهيار العملة الوطنية وفقدان الثقة في البنوك، جعلت من شراء المعدن الأصفر الخيار الأفضل الأكثر أماناً وضمانة للكثيرين ولا سيما بشكله الخام لا المشغول».

وتابع: «في لبنان، ازداد الإقبال على شراء الذهب في الأشهر الأخيرة بنسبة تراوحت بين 30 و40 في المائة، نظراً إلى ارتفاع الطلب على السبائك المعدنيّة غير المصنّعة، لأن الذهب المشغول لا يُعدّ أداة استثمار». لافتا إلى الحركة التي تسبّب بها المغتربون «يشترون الذهب اللبناني لثقتهم به ولأن سعره أرخص من الخارج»، مشيرا إلى أن «المغترب اللبناني يلجأ في موسم الصيف إلى تخصيص مبلغ معين لشراء الذهب». 

وتابع: «بعض المغتربين يتصلون بنا من الخارج ويرسلون مع أقربائهم أموالاً لشراء الأونصات بهدف الادّخار». ويؤكد رزق أن «الذهب اللبناني موثوق 100 في المائة، والناس عادة يطلبون المجوهرات اللبنانية، لأنه ذهب مشغول بذوق عالٍ وعياراته سليمة، وأرخص من الذهب المستورد لأن اليد العاملة اللبنانية صارت تكلّف أقل، وعندما يبيع القطعة اللبنانية لا يخسر بها».

ولفت إلى أنه «إلى جانب حركة المغتربين اللبنانيين، فان كل فرد لديه أموال (كاش) سحبها من المصارف بسبب الأزمة يعمد إلى شراء الذهب والأونصة للمحافظة على قيمة أمواله».

وأشار رزق إلى التحسن الذي يشهده هذا القطاع خلال 2022 لا سيما خلال موسم الصيف، فالمغترب حرّك السوق كما أن اللبناني الذي يتقاضى راتبه بالدولار «الكاش» أيضا اغتنم هذه الفرصة لاقتناء المعدن الأصفر، بعدما توقف بشكل كلي عام 2020 بسبب جائحة كورونا، والإغلاق، وحتى إنه في 2021 كان الإقبال على بيع الذهب وليس الشراء بسبب الوضع الاقتصادي السيئ والإغلاق التام في البلاد.

كما لفت إلى أن «كل محل صاغة يبيع تقريبا في اليوم من 40 إلى 50 ليرة ذهب، ومن 20 إلى 25 أونصة يوميا، علما أنه ليست كل محال الصاغة تبيع الأونصات والليرات نظرا لأن أرباحها قليلة وكلفتها كبيرة».

أما عن ارتفاع سعر الأونصة في لبنان، بنحو 40 إلى 50 دولاراً فيعيده إلى «كلفة النقل والشحن والتأمين، كما قد يرتفع عند محالّ أخرى بسبب كلفة الإيجارات وصعوبات الاستيراد».

ويوضح رزق أنّ «الأونصة والليرة تصنعان عادة من السبيكة التي تكون كيلوغراماً، وعيارها 24 قيراطاً، وتستورد من سويسرا، والآن زاد الطلب على الأونصات وعلى الليرات، وسبب ذلك انخفاض في سعر الذهب».

يصف رزق الطلب بأنّه «كبير جداً على الذهب، ومن يطلب اليوم يستلم بعد يومين أو ثلاثة أيّام، فالطلب الآن بات أكثر من الذهب المتوافر في الأسواق».

وقد جاء تراجع سعر الذهب عالمياً مع زيادة مستويات التضخم، حيث لم تسلم منه الولايات المتحدة الأميركية، فارتفع المستوى فيها إلى أعلى درجاته منذ 42 عاماً، ممّا دفع البنك الفيدرالي الأميركي إلى رفع مستويات الفائدة للجم التضخّم الحاصل نتيجة الحرب الروسيّة على أوكرانيا، ونتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والمحروقات. هذا الأمر أدّى أيضاً إلى ارتفاع الطلب على سندات الدولار التي باتت تدرّ عائداً أكبر من السابق، ونتيجة ذلك انخفض الذهب الذي لا يدرّ عائداً في وجه الدولار.

 

الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة

 

الذهب عنصر حماية في الأيام السوداء

من جهة ثانية، فإن للخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة وجهة نظر أخرى عن سبب الإقبال على شراء الذهب، إذ أشار في حديث لـ«المجلة» إلى أن «السبب الرئيسي هو وجود أزمة مالية، ولولا وجودها لم نكن لنشهد هذه الهجمة الكبيرة على شراء الذهب».

وأوضح أن «هذا الإقبال على شراء الذهب إن كان في لبنان أو أي دولة أخرى فهو نتيجة للأزمة التي يعيشها البلد، لأن الذهب يعتبرValeur refuge» » أي يحمي القيمة، لافتا إلى أن «توجّه الفرد لشراء الذهب لا يهدف لتحقيق الأرباح إنما لحماية نفسه».

وشدّد حبيقة على أن «الذهب لحماية قيمة الأموال وليس للمضاربة، كما أنه يعد عنصرا للحماية مهما كان سعره، حيث يعمد الفرد إلى شرائه وتخبئته للأيام السوداء لأنه سهل البيع عكس العقارات والأراضي».

فيما رأى أن «انخفاض السعر العالمي للذهب هو سبب ثانوي للإقبال على محال الصاغة، فمهما كان سعره، فإن الذهب في بلد ظروفه كظروف لبنان يعتبر اليوم ملجأ، وبالطبع انخفاض السعر يشجع على الشراء ولكنه ليس السبب الرئيسي لذلك».


مقالات ذات صلة