النخبة السياسية وأزمات الحكم... العراق وليبيا نموذجاً

أبرز أدوارهم تأجيج الصراعات الواهية بين أبناء البلد الواحد
الأزمتان العراقية والليبية على غرار الأزمات الأخرى التي تشهدها البلدان العربية (لبنان والسودان واليمن نماذج أخرى) هي أزمة نخبة سياسية

باكو: ليس من قبيل المبالغة القول إن موضوع النخبة ومكانتها في إدارة الدول والمجتمعات من المداخل الكبرى التي تُسهم في فهم وتفسير الكثير من الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحدث في هذه الدول والمجتمعات، إذ إنه داخل أي مجتمع هناك فئة محدودة حاكمة تحتكر أهم المراكز الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتلعب أدوارا محورية داخل تلك الأنساق الحاكمة، حيث تملك سلطات صنع واتخاذ القرارات أو على الأقل التأثير في صياغتها.


ومن ثم، يصبح من الأهمية بمكان تسليط الضوء على دور هذه النخب بصفة عامة والسياسية على وجه الخصوص للوقوف على الأوضاع التي تشهدها أية دولة. صحيح أن ثمة مداخل عديدة يمكن من خلالها تحليل الأوضاع والظواهر التي تحدث داخل هذه الدول، إلا أن المدخل المتعلق بدور النخبة يمثل مدخلا أكثر فهما للأحداث، وأكثر توضيحا للأسباب والعوامل، وأكثر مناسبة في طرح الحلول والمقترحات لحل الأزمات والمشكلات التي تواجه الدول. فكما أن لهذه النخبة دورا في تحقيق الاستقرار السياسي للدولة، يمكن أن يكون لها أيضا دور في إثارة المشكلات والقلاقل داخلها، اعتمادا في ذلك على ما تملكه من أدوات وآليات عديدة ومتنوعة بعضها يتعلق بطبيعة موقعها (اقتصادية أم سياسية أم ثقافية/ اجتماعية) وبعضها يتعلق بطبيعة علاقاتها وارتباطاتها بأطراف خارجية لها تأثيراتها في الداخل.

الصراع في ليبيا يأخذ بعداً مناطقياً وقبلياً ما بين الشرق والغرب والجنوب


مناسبة هذا القول يرجع إلى ما تشهده بعض دول المنطقة العربية من أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية غير مستقرة، إذ بنظرة سريعة على خريطة الدول العربية يمكن أن نرصد دورا فاعلا للنخبة السياسية في الدول المستقرة التي نجحت في عبور أزماتها ووضع حلول آنية وبعيدة المدى لأزماتها على غرار ما شهدته مصر ما بعد ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013 وما شهدته دول الخليج العربي من الحفاظ على استقرارها السياسي وتنميتها الاقتصادية في ظل ما طرحته من رؤى مستقبلية للتنمية المستدامة. وعلى الجانب الآخر، نجد دولا أخفقت نخبتها السياسية فى إيجاد مخرج لأزماتها السياسية وعثراتها الاقتصادية وتوافقاتها الاجتماعية/ الثقافية على غرار ما تشهده كل من العراق واليمن وسوريا وليبيا والسودان وكذلك لبنان، وإن كانت بمستويات متباينة فيما بينها، وإن ظلت الأزمتان اللتان تعيشهما كل من العراق وليبيا أكثر تعبيرا عن دور النخبة السياسية في أزمة الحكم رغم تباين الظروف واختلاف الأوضاع، وهو ما يستعرضه التقرير من خلال محورين على النحو الآتي:

العراق... صراع النخب على تمثيل تكويناتها

أنصار مقتدى الصدر داخل البرلمان بعد اقتحامه (تصوير: «المجلة»)


عانى العراق على مدار تاريخه من أزمات عدة كانت نخبته السياسية صاحبة الدور الفاعل في حدوثها، إذ تكشف القراءة الدقيقة لما عاشه العراق عن أن أزمة الدولة لم تكن اقتصادية بسبب نقص الموارد أو اجتماعية بسبب تنوع تشكيلاته المجتمعية بقدر ما كانت بسبب كيفية إدارة نخبته السياسية لقضاياه الداخلية والخارجية، يدلل على ذلك ما يعيشه العراق اليوم من أزمة سياسية مركبة الأبعاد متعددة الأسباب، ما بين أزمة بين تكويناته الثلاثة الرئيسية (الشيعة- السنة- الأكراد) وإخفاقاتها في وضع نموذج توافقي قادر على إدارة شؤون البلاد دون صراعات وصدامات تتجدد بين الحين والآخر، فإذا كانت الأزمة الأخيرة تحمل في ظاهرها صراعا شيعيا- شيعيا، فإنها تضمر في داخلها صراعا كرديا- كرديا، فضلا عن صراع سني– شيعي، وآخر عربي– كردي، وهو ما يعني أن هناك أزمة أكثر عمقا داخل التكوين المذهبي والعرقي في العراق، إذ يبحث كل طرف عن أحقيته في تمثيل طائفته أو مذهبه أو عرقيته، حيث يقف الجميع اليوم فيما يعرف في التاريخ بصراع الكل ضد الكل. صحيح أن هناك مبادرات طرحتها بعض الأطراف في محاولة لرأب الصدع، إلا أنها ظلت مجرد دعوات لعقد حوارات ولقاءات لن تفضي إلى حلول أو معالجات حقيقية للأزمة التي تعيشها البلاد، وهو ما يجد تفسيره في عاملين:
الأول: داخلي يتعلق بالتنافس والصراع بين النخبة السياسية التي تقود كل فصيل مذهبي أو عرقي، ومحاولتها المستمرة لفرض هيمنتها وسيطرتها على المشهد، فعلى سبيل المثال ما حدث في الانتخابات الأخيرة بين التيار الصدري صاحب الأغلبية البرلمانية وبين الإطار التنسيقي الذي يتحدث عن غلبة سياسية وليس برلمانية وهي مصطلح أراد به أنصاره إثارة أزمة مصطنعة بهدف إفراغ نتائج الانتخابات من مضمونها، في محاولة لتعطيل تمثيل التيار الصدري للأغلبية الشيعية في مواجهة ممثلي الإطار التنسيقي، الأمر ذاته تكرر في حالة التمثيل الكردي في رئاسة الجمهورية العراقية، وهو ما أسهم في تعطل عمل البرلمان وقدرته على اختيار رئيس للوزراء ورئيس للجمهورية، لتظل الأمور تراوح مكانها وصولا إلى حالة الصدام بين أنصار كل فصيل في الشارع وهو ما انتقل إلى مؤسسات الدولة كما حدث مؤخرا في الاعتداء على البرلمان العراقي من جانب أنصار التيار الصدري رفضا للممارسات السياسية التي قام بها الإطار التنسيقي لنسف نتائج العملية الانتخابية التي أخفق فيها


الثاني: خارجي يتعلق بدور الأطراف الخارجية في الأزمة العراقية، بدءا من الدور الأميركي مرورا بالتدخل التركي وصولا إلى التغلغل الإيراني الذي حاولت فيه طهران بسط الهيمنة على الشؤون الداخلية العراقية من خلال وكلائها من بعض الأطراف الشيعية وهو ما ترفضه أطراف شيعية أخرى ويقصد بها التيار الصدري الذي يدافع عن عروبة العراق ووحدته وسيادته واستقلاله بعيدا عن إملاءات الملالي في طهران. ولا شك أن لهذه التدخلات دورا فاعلا في تعقيد الأزمة العراقية.

ليبيا... صراع النخبة على المناصب والمكاسب

صورة من الأرشيف لمقاتلي فصيل من الحشد الشعبي في حمرين بمحافظة صلاح الدين- 3 مارس 2015 (رويترز)


لم تكن الأوضاع الليبية بعيدة عن المشهد العراقي في صراعات نخبتها السياسية على مقاعد السلطة ومكاسبها، إذ تكشف قراءة الأزمة عن توافر ذات العاملين اللذين يلعبان الدور في تعقيدات الأزمة العراقية، وهما: العامل الداخلي المتعلق بصراعات الأطراف السياسية الليبية ومحاولة كل طرف أن يحقق مكسبا خصما من رصيد الطرف الآخر، أخذا في الاعتبار غياب البعد المذهبي والعرقي في مقابل هيمنة البعدين القبلي والمناطقي، فإذا كان للبعد المذهبي والعرقي دور في الأزمة العراقية فإنه في الأزمة الليبية يتمركز في البعدين القبلي والمناطقي ما بين الشرق والغرب والجنوب، إذ يحاول كل طرف التمترس فيما يهيمن عليه من مساحة جغرافية يستغل ثرواتها ومواردها وكأنه دولة مستقلة. وهذه السمة هي التي مثلت الصورة المعبرة عن الأزمة الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي في أوائل العقد الثاني من القرن الحالي. أما العامل الثاني فهو المتعلق بالتدخلات الخارجية سواء الدولية كما هو الحال في الدور الأميركي والروسي والأوروبي أو الإقليمية كما هو الحال في تركيا، حيث تحاول تلك الأطراف اغتنام الفرصة لإيجاد موضع قدم لمصالحها في الأرض الليبية التي تعاني من غياب نخبة سياسية قادرة على حسم قرارها لصالح الوطن الليبي وإنما وقعت النخبة الليبية في براثن الانتماءات والاصطفافات مع بعض الأطراف الخارجية التي حاولت أن توظف هذه النخب فيما يحقق مصالحها، ولعل ما ذكرته الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، ورئيسة البعثة الأممية للدعم في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، كان معبرا بدقة عن موقف النخبة ومسؤوليتها عما آلت إليه الأوضاع في ليبيا، إذ ذكرت أن «البعض في الطبقة السياسية يريد عرقلة الحوار والاتفاق في ليبيا وهذا أمر ضار.. طفح كيل الشعب».


جدوى البيان أن الأزمتين العراقية والليبية كشفتا عن دور النخبة السياسية في تدهور الأوضاع وتعقد الظروف وعرقلة مسارات العمل الوطني للوصول إلى تفاهمات سياسية تخرج البلاد من أتون صراعات لم تكن قاصرة على الساحة السياسية وإنما انتقلت إلى الاقتتال على الأرض بين أبناء الشعب الواحد تحت حجج واهية وادعاءات باطلة، وهو ما يجعل من القول أن الأزمتين العراقية والليبية على غرار الأزمات الأخرى التي تشهدها البلدان العربية (لبنان والسودان واليمن نماذج أخرى)، هي أزمة نخبة سياسية عقمت أن تقدم أفكارا حقيقية ومقترحات عملية وسياسات مستقبلية لبناء دولها على أسس من التوافق الداخلي والتفاهم السياسي بعيدا عن فتح الباب أمام التدخلات الخارجية التي تحاول أن تستحوذ على مقدرات البلاد وتوظيف قدراتها لما يحقق مصالحها على حساب مصالح الشعوب التي ارتهن مصيرها بقدرة نخبتها على رسم الخطط وتحديد المسارات، تلك هي الأزمة الحقيقية التي تستحق تسليط الضوء عليها إن أردنا أن نخرج من الدائرة المغلقة التي تدور في فلكها أزماتها السياسية.

ليبيا تحتل المرتبة الخامسة عربياً باحتياطها النفطي


نهاية القول إن النخبة السياسية في أية دولة هي الفاعل الأكثر تأثيرا في أوضاع تلك الدولة ومستقبلها، فإذا أخلصت نيتها وأحسنت قراءتها وامتلكت قرارها أنقذت دولتها من براثن الصراعات التي تهدد أمنها واستقرارها بل ووجودها، فهل ستفيق تلك النخب من غفلتها وتنتبه لمسؤوليتها أم تظل كما هي لتدفع شعوبها ثمن تكلسها؟