ازدواجية الغرب وأزمة الطاقة... عقبات أمام تحقيق أهداف «كوب 27»

مصر تحشد الجهود لمواجهة التغير المناخي في قمة نوفمبر
قمة المناخ «كوب 27» التي تنظمها مصر في نوفمبر القادم

القاهرة:  تواجه قمة المناخ «كوب 27» التي تنظمها مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم في مدينة شرم الشيخ، تواجه العديد من التحديات، في خضم أزمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار الغاز التي دفعت الدول الأوروبية إلى إعلاء كفة الطاقة على التغير المناخي، ومعاودة بعضها الاعتماد على استخدام الفحم بكثافة مع تأجيل الخطط السابقة لإخراج المحطات المعتمدة عليه في الإنتاج من العمل بحلول 2025.


تستهدف مصر من «كوب 27» تعزيز الجهود العالمية للانتقال من مرحلة التعهدات في القمم السابقة إلى التنفيذ وتحفيز المجتمع الدولي للوفاء بالتزاماته وتعهداته، خاصة الدعم المالي للدول النامية والاقتصاديات الناشئة لتنفيذ طموحها المناخي ودعم التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وتمويل مشروعات التكيف المناخي، والتخفيف من تداعيات التغيرات المناخية.

قمة المناخ «كوب 27» التي تنظمها مصر في نوفمبر القادم

فرصة لتنفيذ مشاريع جديدة
بحسب وزيرة البيئة المصرية، ياسمين فؤاد، فإن «كوب 27» يتيح فرصة لمصر لتنفيذ مشروعات أكثر بمجال التكيف مع التغيرات المناخية من خلال التمويل الذي ستحصل عليه، كما سيساهم في إظهار الجمهورية الجديدة بكل مشروعاتها، جنبًا إلى جنب مع تبني سيناريو طموح لتخفيض 33 في المائة من انبعاثات قطاع الكهرباء، 65 في المائة من انبعاثات البترول، وخفض 7 في المائة من قطاع النقل، بمنظومة النقل الذكي مثل القطار المكهرب والقطار أحادي الخط (المنورويل)، وحافلات «بي آر تي» (الأتوبيس الترددي).


ترى في المؤتمر فرصة للترويج لجهودها في مجال التحول نحو الاقتصاد الأخضر بعدما دشنت مشروعات ضخمة في قطاعات الطاقة والمياه بتنفيذ 90 محطة تحلية مياه للبحر بإجمالي طاقة 1.3 مليون متر مكعب، بجانب إنهاء تنفيذ 480 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي بطاقة استيعابية 16.2 مليون متر مكعب يوميًا مع تنفيذ 211 محطة أخرى حاليًا بطاقة استيعابية 6 ملايين متر مكعب يوميًا.

ارتفاع أسعار الوقود مشكلة عالمية


ولدى مصر، حاليًا، محفظة تضم 372 مشروعًا بقيمة 26.5 مليار دولار، بينها 28 مشروعًا قيمتها 2.85 مليار دولار بمجال التكيف، و46 مشروعًا بتمويلات تبلغ 7.8 مليار دولار لتخفيف آثار التغيرات المناخية، بينما زادت حصة الطاقة المتجددة من مزيج الطاقة إلى 20 في المائة في 2022، مع خطة للوصول بها إلى 42 في المائة في 2035.


يمثل المؤتمر فرصة سياحية لتعزيز الدعاية لشرم الشيخ إذ يتم تحويلها حاليا إلى مدينة خضراء بإظهار جمال التنوع البيولوجي الذي تتمتع به، بعد ضمها لمبادرة إحلال السيارات المتقادمة بأخرى جديدة تعمل بالغاز الطبيعي، ونشر الحافلات العاملة بالكهرباء داخلها ومحطات الشحن.

انبعاثات متزايدة
تأتي القمة بعد تعهد 23 دولة في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «كوب 26» الأخيرة بالتخلص التدريجي من الفحم، ليس من بينهم الدول الأكثر استخداما للوقود الملوث للبيئة مثل أستراليا والهند وأميركا والصين، والأخيرة تملك وحدها نحو نصف المصانع العاملة بالفحم حول العالم وتخطط لبناء المزيد.
ورغم تعهدات «كوب 26»، زادت انبعاثات الاحتباس الحراري في الاتحاد الأوروبي خلال الربع الأخير من العام الماضي بنسبة 8 في المائة لتسجل أعلى صعيد فصلي في ثلاث سنوات وفق بيانات مكتب إحصاء الاتحاد الأوروبي (يوروستات).


الأوضاع الصعبة التي تمر بها أوروبا حاليًا دفعت قادة القارة العجوز إلى التركيز على المشكلات العاجلة خوفًا من احتمالية حدوث نقص حاد بالوقود في موسم الشتاء القادم، وأصبح الهم الأول لهم هو مواجهة التضخم الذي سجل أعلى مستوى في 40 عامًا، وشبح الركود الذي يطرق أبواب الدول بعنف.


بالنسبة لأوروبا، لا تأتي المصائب فرادى؛ فموسكو قلصت إمدادات الغاز في توقيت تستعد فيه عواصمها لبناء احتياطيات الشتاء، بينما سجلت درجات الحرارة ارتفاعات قياسية ساهمت في زيادة استهلاك الكهرباء، وفي الوقت ذاته تقادمت المفاعلات النووية الفرنسية.


تجري مؤسسة «جلاكسو جيونرجي أوبزرفاتوري»، بأسكتلندا، التابعة للتاج البريطاني، دراسة على إمكان استغلال مناجم الفحم القديمة في تدفئة المنازل بزعم أنها مصدر مستدام للطاقة ومنخفض الكربون موضحة أن 25 في المائة من منازل بريطانيا تقع على أراضٍ تضم مناجم فحم يمكن استغلالها حال نجاح الدراسة لحصد نتائج مرضية.


وأعلنت شركة «شل بي إل سي» المضي في مشروع كبير للغاز الطبيعي في بحر الشمال الذي تم رفضه في وقت سابق لأسباب بيئية، ورغم تعهد الحكومة العام الماضي بإغلاق جميع محطات الطاقة البريطانية التي تعمل بالفحم بلا هوادة بحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2024، على أن يتم الوصول لانبعاثات صافية صفرية بحلول عام 2050.


كما كشفت شركة النفط البريطانية «بي بي» عن خططها لزيادة الاستثمار في قطاع النفط والغاز لتعزيز أمن الطاقة ومواجهة أزمة الإمدادات العالمية، بعد تسجيلها أرباحًا قياسية خلال الربع الثاني من العام الجاري، إذ قررت زيادة إنفاقها على النفط والغاز بنحو نصف مليار دولار، ضمن مساعيها للتصدي لارتفاع أسعار الطاقة وشحّ الإمدادات.

ألمانيا تتراجع
تعتزم ألمانيا، حاليًا، إعادة تشغيل 16 محطة توليد كهرباء تعمل بالفحم والنفط، وقال المستشار أولاف شولتس، إن إعادة تشغيل هذه المحطات ستكون مؤقتة، مشددًا على أن بلاده ملتزمة بتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2045، أي قبل باقي الدول الصناعية الكبرى بنحو 5 سنوات.


روبرت هابيك، نائب المستشار ووزير الاقتصاد والطاقة الألماني، يؤكد أن الفحم بمثابة وسيلة مساعدة لتعويض استخدام الغاز الروسي ووافقته أنالينا بربوك زعيمة سابقة لحزب الخضر المؤيد للطاقة النظيفة، التي قالت إن الاستخدام الموسع للفحم يعتبر ثمنًا يتعين على الجميع دفعه مقابل الحرب.
قبل 10 سنوات، تم إغلاق آخر منجم فحم حول بيكسباخ جنوب غربي ألمانيا، لكن حاليًا تم إصلاح معدات المصنع واستدعاء المقاولين المتقاعدين، حتى إن إدارته تسعي لإعادة توظيف المزيد من العمال مع توقعات بحرق ما لا يقل عن 100 ألف طن متري من الفحم شهريًا، ما يعني ببساطة ربيعًا جديدًا لمحطات الطاقة التي تعمل بالفحم في ألمانيا.


كما أعطت الحكومة الأولوية حاليًا لشحن الفحم على خطوط السكك الحديدية، في محاولة لتسريع عمليات التسليم بسبب انخفاض مستويات المياه على نهر الراين، وهو شريان لوجيستي للصناعة الألمانية والذي سبب عدم قدرة القوارب على التحميل بالكامل.

انخفاض مستويات المياه على نهر الراين


في كل شتاء ألماني، عندما تكون الطاقة الشمسية في الحد الأدنى لها، تتوفر طاقة رياح قريبة من الصفر لمدة خمسة أيام على الأقل، وبالتالي في نظر الألمان فإن تخزين الوقود التقليدي هو الحل الأول لأزمة الطاقة لديهم وليس الطاقة المتجددة.
 
دعم أميركي
نشطاء البيئة في أميركا غير راضٍين عن سياسات الحكومة الأميركية التي تبذل قصارى جهدها حاليًا للتخفيف من حدة الارتفاعات القياسية في أسعار الوقود على المواطنين والتي تتضمن تشجيع شركات النفط الأميركية على مزيد من عمليات التنقيب، وتعليق ضريبة الغاز الفيدرالية.


الرئيس الأميركي بايدن تعهد في حملته الانتخابية بمكافحة تغير المناخ، وتسريع استخدام الوقود من المصادر المتجددة، وحظر تصاريح النفط والغاز الجديدة في الأراضي والمياه العامة، لكن البيت الأبيض يطالب حاليًا شركات النفط بأن تزيد الإنتاج.


الناشط في مجال البيئة ويل مارشال، قال إن ارتفاع أسعار الوقود يبرز التناقض في سياسات المناخ والطاقة للإدارة الأميركية، إذ أعلنت سابقا أن هدفها خفض استهلاك الوقود الأحفوري وهو أمر يساعد عليه صعود الأسعار لكنه يطالب بالعكس.

التغير المناخي يرهق ميزانيات الدول

توجه أوروبي
لم تكن الحكومة الإيطالية بعيدة عن التوجه العام الذي يتشكل حول العودة للوقود الأحفوري، إذ أعلنت عزمها إعادة فتح محطات الطاقة التي تستخدم الفحم لتحسين الإمدادات قصيرة الأجل لتخفيف أثر ارتفاع فواتير الطاقة على التصنيع والقطاع العائلي.
أعلنت فرنسا والنمسا وهولندا أيضًا عن خطط لإعادة تنشيط محطات توليد الطاقة القديمة التي تعمل بالفحم، في تراجع عن إزالة الكربون ورغم موجات الطقس المتطرف التي تعاني منها أوروبا في الفترات الأخيرة بتجاوز الحرارة أربعين درجة مئوية واشتعال الحرائق في الغابات والمحاصيل.

مبالغ ضخمة
خبراء المناخ بالأمم المتحدة يرون أن إنقاذ المناخ يحتاج إلى تريليونات لا مليارات الدولارات، فالتمويل اللازم للتكيف مع تغير الطقس بحلول العام 2050 ربما يسجل تريليون دولار سنويًا.

ازدادت العواصف الرملية في دول الخليج


لم تفِ الدول الغنية بوعودها بزيادة مساعداتها المناخية للدول الفقيرة إلى 100 مليار دولار سنويًا اعتبارًا من العام 2020، وهي نقطة سببت خلافًا في مؤتمر المناخ الذي عقد مؤخرا بجلاسكو، لكن يتم التعويل على تحقيقه في قمة «كوب 27».
اتهم معهد الشرق الأوسط، الواقع في العاصمة واشنطن، الغرب بالنفاق المناخي الذي تقتصر فيه جهود الدول الغربية على الترويج الخطابي لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، في وقتٍ تسعى فيه تلك الدول للحصول على مزيد من النفط بعد اندلاع حرب أوكرانيا ومحاولة الحد من واردات الطاقة الروسية.


بحسب المعهد، فإن الغرب يسوق خطابًا حول الجهود العالمية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وفي الوقت ذاته يوسع اعتماده عليه من أجل المنفعة الاقتصادية المحلية، ويُعرقل خطط التنويع في دول الشرق الأوسط، ويلقي باللوم في ارتفاع أسعار الطاقة على المنتجين، مع تجاهل الدور الحاسم الذي يلعبونه في استقرار إمدادات الطاقة العالمية.


العالم النامي يرى ذلك النفاق بحسب نائب الرئيس النيجيري ييمي أوسينباجو، الذي يقول إن التصنيع باستخدام الطاقة المتجددة لم يحدث في أي مكان بالعالم، ومع ذلك يُطلب من الأفارقة التصنيع باستخدام الطاقة المتجددة عندما يعلم الجميع في العالم أنهم بحاجة إلى الغاز من أجل الصناعات والأعمال.
وكالة الطاقة الدولية تؤكد ذلك، فتقديراتها تشير إلى أنه في عام 2050، وحتى لو تم الوفاء بجميع الوعود المناخية الحالية، سيظل الوقود الأحفوري يوفر ثلثي طاقة العالم الثري.

تضرر عربي
يذكر البنك الدولي في دراسة له أن تغير المناخ يؤثر على العالم العربي بالفعل على نطاق مفزع، فموجات الحرارة المتطرفة ستنتشر في مساحات أكبر من الأراضي ولفترات زمنية أطول، ما يجعل بعض الأجزاء غير صالحة للسكنى ويحد من القدرة على زراعة أجزاء أخرى.


تضيف الدراسة أن المدن ستتأثر بزيادة أثر ارتفاع حرارة المناطق الحضرية، وقد تعيش معظم عواصم الشرق الأوسط أربعة أشهر من الأيام شديدة الحرارة كل عام. وسيخلق ارتفاع الحرارة ضغوطا هائلة على المحاصيل وعلى الموارد المائية النادرة بالفعل، مع احتمال أن يؤدي ذلك إلى تزايد الهجرة ومخاطر نشوب صراعات.

التغير المناخي أدى إلى جفاف الأنهار في العراق


الأمر ذاته يؤكده معهد ماكس بلانك الألماني للكيمياء الذي يحذر من أن ارتفاع درجة حرارة الأرض سيؤثر بقوة على الشرق الأوسط وسيتسبب في إطلاق موجات لجوء جديدة قادمة من المنطقة التي تحولت إلى نقطة ساخنة للتغير المناخي ودرجة الحرارة فيها ترتفع بشكل متسارع.
ووفقًا للمعهد، فإن موجات الحر قد تصل بدرجة الحرار ة إلى 56 على مدار أسابيع وقد تتجاوز 60 درجة داخل المدن يمكن أن تجعل الكثير من المناطق غير صالحة للسكن بالنسبة للإنسان والحيوان في النصف الثاني من العقد الحالي.


كشفت الأزمة الحالية عن أي مدى وصلت إليه خطط تحول الطاقة الخاصة بالدول الأوروبية إلى طريق مسدود، ولم تعد متوافقة مع «اتفاقية باريس» لعام 2015، بشأن تغير المناخ.


رائد المناخ للرئاسة المصرية لقمّة المناخ «كوب 27» والمسؤول بالبنك الدولي محمود محيي الدين، قال خلال كلمته التي ألقاها بالجلسة الافتتاحية لمنتدى «الطريق إلى قمة المناخ كوب 27»: «إن تبعات التغير المناخي تشكّل خطرًا شديدًا يهدد اقتصاد دول القارة الأفريقية.. وإن أفريقيا بحاجة لمزيد من الجهود لدفع خطة العمل المناخي، على المستوى القاري، وهو ما تحقق في مشروعات محتملة لمعالجة أزمة التغير المناخي كتحالف أفريقيا للهيدروجين الأخضر بين مصر، موريتانيا، ناميبيا، كينيا، جنوب أفريقيا».


وتواصل مصر جهودا مضنية منذ العام الماضي في تنظيم قمة «كوب 27» وسط رغبة حكومية في تحقيق مخرجات عنها تضمن نتائج ملموسة على أرض الواقع، ولا يزال هناك الكثير من الوقت الذي يمكن أن تتغير فيه السياسات الغربية إزاء المناخ وعلى رأسها تطورات الأزمة الأوكرانية.