قمة سوتشي الأخيرة.. هل تمهّد لعودة العلاقات بين أنقرة والأسد؟

«قسد» القاسم المشترك بين الجانبين التركي والسوري
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال قمة سوتشي، روسيا 5 أغسطس 2022 (رويترز)

القامشلي: على الرغم من أن تداعيات الحرب الأوكرانية طغت على محادثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان خلال لقائهما في قمة سوتشي، إلا أن الأزمة السورية كانت أيضاً الملف الأبرز الذي ناقشه الجانبان، فكيف ستنعكس مخرجات هذه القمة على أرض الواقع لا سيما وأن موسكو وأنقرة حاضرتان بقوة في سوريا منذ اندلاع الحرب قبل نحو عقدٍ من الزمن؟

وفي طريق عودته من مدينة سوتشي الروسية المطلّة على البحر الأسود، أكد الرئيس التركي على ضرورة تسوية الخلافات مع النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، معتبراً أن موقف نظيره الروسي تجاه بلاده وحربها ضد «الإرهاب» هو موقفٌ «عادل»، بحسب تعبيره رغم أن موسكو لم توافق صراحةً على عملية عسكرية جديدة ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تهدد أنقرة بشنّها منذ نحو ثلاثة أشهر.

 

الاستخبارات التركية تتواصل مع نظيرتها السورية

وقال إردوغان حرفياً إن «بوتين يلمّح إلى أنه إذا اخترنا العمل على إيجاد الحل للإرهاب مع نظام الأسد بقدر الإمكان، سيكون الأمر منطقياً أكثر»، موضحاً أن رده على هذا المقترح كان بالقول إن «المخابرات التركية تنسّق أساساً مع مخابرات النظام على هذا الصعيد».

وجاءت تصريحات الرئيس التركي حول التعاون مع نظام الأسد في ختام قمة سوتشي التي عُقِدت لأربع ساعات يوم الخامس من أغسطس (آب) الجاري، وتلت تصريحاتٍ مماثلة من وزير خارجية بلاده مولود جاويش أوغلو الذي قال نهاية شهر يوليو (تمّوز) الماضي إن أنقرة جاهزة لتقديم الدعم السياسي للنظام في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية التي ترى فيها امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرّداً مسلّحاً ضد تركيا منذ العام 1984.


تركيا تحاول الانفتاح على كل الدول بما في ذلك سوريا

وقال المحلل السياسي غسان يوسف من العاصمة السورية دمشق إن «العلاقات لم تنقطع بين دمشق وأنقرة، وهناك حتى الآن قنصلية سورية في إسطنبول، وباعتقادي هناك من يقوم بتسيير أعمال الأتراك في سوريا، وبالتالي ستعود العلاقات بين الجانبين»، وذلك رداً على كشف الرئيس التركي عن وجود اتصالاتٍ بين الاستخبارات التركية والسورية.

وأضاف يوسف لـ«المجلة» أن «العلاقات بين سوريا وتركيا إن لم تعد في فترة الرئيس الحالي إردوغان، فهي ستعود في عهد من سيخلفه، ولكن إذا فاز بالانتخابات من جديد وإذا استمرت موسكو بإقناع الجانبين بالعودة إلى المفاوضات وبالعودة إلى اتفاقية أضنة، فستعود العلاقات بين دمشق وأنقرة خاصة أن تركيا في الآونة الأخيرة تنتهج ما يشبه سياسة صفر مشاكل مع دول الجوار التي كان يتحدّث عنها رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو قبل سنوات، فهي  اليوم أعادت العلاقات مع عدد من الدول العربية وتحاول فعل الأمر نفسه مع اليونان وإسرائيل».

وتابع: «ليس أمام تركيا أي خيارات سوى إعادة العلاقات مع سوريا، لكن لن يتحقق هذا الأمر سوى بشروطٍ سورية».

 

لدى النظام شروط صارمة للتفاوض مع أنقرة

ولدى النظام السوري بالفعل عدّة شروطٍ صارمة لإجراء مفاوضاتٍ  مع تركيا على مستوى أكبر من الاتصالات المتواصلة حالياً بين استخبارات الجانبين.

وتشترط دمشق سحب أنقرة كلّياً أو جزئياً لقواتها العسكرية من عددٍ من المناطق السورية التي تسيطر عليها، كشرط أساسي لبدء أي حوار مع الجانب التركي. علاوة على حلّ جماعاتٍ مسلّحة معارضة للأسد تدعمها أنقرة والتوقف عن دعم جماعاتٍ متشددة في إدلب وأريافها.

ولم تحصل أي لقاءاتٍ دبلوماسية بين مسؤولين سوريين وأتراك حتى الآن، بحسب مصدر في وزارة الخارجية والمغتربين لدى النظام في دمشق.

وشدد المصدر على أن «كل اللقاءات السوريةـ التركية انحصرت في شخصياتٍ عسكرية واستخباراتية منذ بدء الأزمة، لكن موسكو تعمل على تقاربٍ سوري- تركي منذ أشهر».


لأنقرة أيضاً شروط

لكن في المقابل لدى أنقرة أيضاً شروط محددة مسبقاً للتفاوض مع دمشق، وهي تسبق ملف اللاجئين من حيث الأهمية، وترتبط بمسألة تواجد قوات سوريا الديمقراطية على الحدود الجنوبية لتركيا، حيث المناطق التي تخضع لسيطرة «قسد» المدعومة من الولايات المتّحدة والتحالف الدولي الذي تقوده ضد تنظيم داعش والتي ترى فيها أنقرة خطراً على «أمنها القومي».

ولا تخفي أنقرة موافقتها على سيطرة قوات النظام على كامل الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، بدلاً من قوات سوريا الديمقراطية التي ابتعدت بالفعل عن تلك المناطق مسافة أكثر من ثلاثين كيلومتراً بعد حصول اتفاقٍ مزدوج بين أنقرة وواشنطن من جهة، وأنقرة وموسكو من جهةٍ أخرى عقب آخر عمليةٍ عسكرية شنّها الجيش التركي ضد «قسد» في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2019.

وتتخوف تركيا من «قسد» لجهة مشاركة الأكراد في صفوفها، رغم أنها تضم كذلك جماعاتٍ مسلّحة عربية وسريانيةـ آشورية وأيضاً أرمنية، فهي تتخوف من انتقال هذه التجربة إلى الطرف الآخر من الحدود، حيث يتواجد ملايين الأكراد وأقليات عرقية ودينية مختلفة.

 

تهدد تركيا بتوغل جديد في سوريا للتعامل مع وحدات حماية الشعب الكردي، والتي تراها المرادف لحزب العمال الكردستاني (إ.ب.أ)

 

تباين مواقف تركيا وسوريا من «قسد»

ورغم أن الموقفين التركي والسوري رسميا من تجربة «قسد» يكاد يكون موحّداً، إلا أن النظام لا يصنف «قسد» كجماعة «إرهابية» على العكس تماماً من تركيا، وهذه واحدة من النقاط الخلافية بين الجانبين.

وذكر مصدرٌ حكومي آخر من دمشق لـ«المجلة» أن «دمشق لا تمانع في إضعاف (قسد)، لكنها في ذات الوقت لا ترى الحل في مواجهتها عسكرياً، ولذلك فإن أي تقارب بين دمشق وأنقرة، يجب أن يسبقه تواجد حكومي أكبر في مناطق (قسد) وهو ما لم يحصل حتى الآن».

ومن المرجّح أن حصول أي مباحثاتٍ بين مسؤولين أتراك وسوريين قد تعني العودة لاتفاقية أضنة الأمنية بين الجانبين والتي تعود لعام 1998 وتتعلق بملاحقة كلا الجانبين لجماعاتٍ مسلّحة على طرفي الحدود بين البلدين.
ولم يستبعد المحلل السياسي غسان يوسف في هذا الصدد، استضافة موسكو لاجتماعاتٍ أمنية بين سوريا وتركيا لتحقيق هذا الغرض.

وقال أيضاً إن «لقاءات أمنية حصلت بالفعل بين الجانبين في موسكو وفي قاعدة حميميم وفي بلدة كسب السورية».
وأضاف أن
«الاجتماعات بين الجانبين ستتواصل أكثر في حال كان هناك جدّية من قبل الجانب التركي في حل الأزمة السورية».


اتفاقية أضنة قد تكون «حلّاً مناسباً»

ووفق المحلل السياسي، فإن وضع اتفاقية أضنة على طاولة التفاوض هو مطلبٌ سوري وروسي على حدٍّ سواء.
ورأى أن
«اتفاقية أضنة قد تكون في نهاية المطاف الحل الأفضل للجانبين السوري والتركي لأنهما لا يرغبان في حصول مواجهة بين الدولتين على خلفية وجود خطرٍ مشتركٍ عليهما من قبل قسد».
وتمثل قوات سوريا الديمقراطية بالنسبة إلى أنقرة ودمشق على حدٍّ سواء، الخطر الأكبر، لكن الدعم الأميركي المقدم إلى قسد ربما يعيق المساعي التركي والسورية في آنٍ واحد
».

وبينما تصنف أنقرة «قسد» كجماعة «إرهابية» وتجد فيها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، تتهمها دمشق بالتواطؤ مع ما يطلق عليه نظام الأسد «المحتل الأميركي»، علاوة على وصفها بميليشيا انفصالية وهو وصف تستخدمه أنقرة أيضاً عند الحديث عند «قسد».

وذكرت وسائل إعلامٍ تركية حكومية أن مسألة «قسد» وإدلب كانت من بين أبرز الملفات التي ناقشها الرئيس التركي مع نظيره الروسي في قمة سوتشي التي عُقِدت الأسبوع الماضي.

وجددت موسكو رفضها لشنّ تركيا أي عملية عسكرية داخل الأراضي السورية تستهدف «قسد»، وهو قد يعني تكثيف التواصل بين أنقرة ونظام الأسد لإبعاد «قسد» عن الحدود الجنوبية لتركيا مقابل تمدد النظام في تلك المناطق، إضافة لإدلب.

دبابة تركية في سوريا (أ.ب)


ملف اللاجئين سيكون حاضراً بين أنقرة والأسد

كما لم تستبعد مصادر تركية حصول مباحثات بين أنقرة والأسد تتعلق بمسألة إعادة اللاجئين السوريين من تركيا لبلدهم لاسيما مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي ستشهدها تركيا بعد أقل من عامٍ من الآن.

وكان الرئيسان الروسي والتركي قد أكدا في نهاية القمة التي جمعتهما، في مدينة سوتشي الروسية، يوم الخامس من الشهر الجاري عزمهما على تنسيق العمل والتضامن في مكافحة جميع «التنظيمات الإرهابية» في سوريا دون أن يحدد الجانبان أسماءهما بوضوح في نص البيان الختامي المشترك.

وشدد البيان الختامي المشترك الذي نشرته الرئاسية الروسية على أهمية دفع العملية السياسية في سوريا، والتأكيد على «ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا السياسية وسلامة أراضيها».

وبالتزامن مع المسائل الأمنية المتعلّقة بالأزمة السورية، اتفق الزعيمان في المجالات الاقتصادية على زيادة حجم التجارة الثنائية على أساس متوازن لتلبية التوقعات المتبادلة بشأن الاقتصاد والطاقة، واتخاذ خطوات ملموسة خصوصاً فيما يتعلق بقطاعات كالنقل والتجارة والزراعة والصناعة والتمويل والسياحة والإعمار.

وشدد الرئيس الروسي ونظيره التركي على الحاجة إلى ضمان التنفيذ الكامل لاتفاقية إسطنبول «نصاً ومضموناً»، بما في ذلك التصدير دون عوائق لمخزون روسيا من الحبوب والأسمدة والمواد الخام اللازمة لإنتاجها.
واتفق الزعيمان بحسب البيان الروسي، على عقد الاجتماع المقبل لمجلس التعاون التركي- الروسي رفيع المستوى في تركيا، دون تحديد موعده.

وجاء لقاء الرئيسين عقب اجتماعهما مع نظيرهما الإيراني، إبراهيم رئيسي، خلال انعقاد القمة الثلاثية لرؤساء الدول الضامنة لمسار آستانة حول سوريا في العاصمة الإيرانية طهران، في شهر يوليو الماضي.

وكانت قمة طهران قد اختُتمت بإصدار الرؤساء الثلاثة بياناً ختامياً، يوم التاسع عشر من يوليو الماضي، حيث تضمّن 16 بنداً لخّصت رؤية الأطراف الثلاثة للأوضاع الراهنة في سوريا.

 


مقالات ذات صلة