لبنان... المعارك المصيرية

يكاد من يتابع ويقرأ مواقف وتصريحات السياسيين اللبنانيين أن يظن نفسه أمام إلياذة هوميروس. كل أدوات التراجيديا موجودة كما الشخصيات الخرافية. فهذا من يعتبر نفسه «المخلص»، وذاك من يعتبر نفسه «مكلفا من الله»، والكل يعتبر نفسه بطلا يسعى لإحقاق الحق واستعادة كرامة وعزة الشعب وسيادة البلد وحريته وحقوقه.

 

هذا النزاع، أو هذه الملحمة تدور رحاها في بلد لا تتعدى مساحته 11 ألف كلم مربع، يعيش على أوهام بحبوحة عرفها في الستينات من القرن الماضي لها أسباب خارجية بالأساس لم تدم أكثر من عقد من الزمن واتضح أنها فقاعة اصطناعية، نظرا للأحداث العنيفة والحروب الأهلية التي تلتها.

المشكلة أن هذا الخطاب الملحمي من قبل «المكلفين» يعيد نفسه عند كل أزمة يمر بها البلد، وما أكثرها. للأسف هناك جزء من الشعب أكاد أقول: جزء كبير يتفاعل مع هذا الخطاب الملحمي بشكل كبير إلى حد التعصب الأعمى ولا يرى فيه عيبا في بلاد عدد سكانها بالكاد 5 ملايين، وصفها المؤرخ الكبير ألبرت حوراني بـ«جمهورية التجار».

من عايش الحرب الأهلية وما تلاها من أحداث يعي تماما أن السياسيين اللبنانيين ألصقوا بها صفات المصيرية والخطيرة والمفصلية، وقالوا إن ما بعدها ليس كما قبلها، وكل الكلام الذي يرافق عادة المواقف التراجيدية قيل في تلك المناسبات، ليكتشف اللبناني أن تلك المحطات المصيرية والخطيرة والمفصلية لم تغير في الواقع السياسي شيئا، وأن ما قبلها كما بعدها، ما عدا أنها التهمت مدّخراته أو هجرته من ضيعته أو مدينته أو هدمت بيته أو قتلت من عائلته. اكتشف البعض أن الخطر على المصير الذي تحدث عنه السياسيون يعني الخطر على التفاهمات بين أمراء الطوائف والتوازنات في تقاسم مغانم الوطن عليهم وعلى أتباعهم.

الغريب أن الخطاب السياسي في لبنان في خطوطه العريضة لم يتغير منذ أن نشأ هذا الكيان. خطاب مبني على التخويف من كل شيء لا سيما الآخر الذي يسعى بحسب الرواية الرسمية إلى جر البلد في اتجاه لا يناسبه غربا أو شرقا.

هذا كان الكلام يوم إعلان دولة لبنان الكبير ويوم إعلان الاستقلال والعمل بالميثاق الذي قال عنه جورج نقاش إنه لا يصلح، لأن رفضين لا يصنعان أمة، (وهنا يعني رفض المسيحيين للشرق والمسلمين للغرب)، ويوم الطائف، ويوم الدوحة، وسيصح أيضا في أي اتفاق قادم سيسعى لتنظيم حياة الطوائف اللبنانية من منطلق الخوف المتبادل وتقاسم مغانم الدولة.

الغريب أيضا أن من يقرأ عناوين الصحافة اللبنانية قبل أربعين عاما وأكثر قد لا يجد أي فرق مع تلك التي تُكتب اليوم ما عدا الأسماء والوجوه التي تغيرت. نفس السجال بين نفس المكونات على نفس المواضيع: الفساد، السرقة، المحسوبيات، استقلالية القضاء، ضرورة الإنماء، القوانين، وما هنالك من مواضيع ظلت في إطار الشعارات منذ عقود، ولم تر طريقها للحل. من يقرأ بيان أول حكومة لبنانية برئاسة رياض الصلح قد لا يجد فرقا في وعودها وبرنامجها مع آخر حكومة برئاسة نجيب ميقاتي سوى فقرة المقاومة والشعب والجيش التي أدخلت بعد اتفاق الدوحة بأشكال لغوية مختلفة والتي عنت إقرار لبنان الرسمي بشرعية سلاح حزب الله. أليس هذا ما حصل في اتفاق القاهرة عام 1969؟

والغريب أيضا وأيضا أنه بالرغم من كل المعارك المصيرية والوجودية لم يتغير شيء في لبنان. أزمات تلو أزمات، وفتن وفساد وإفلاس وهجرة، ثم انفراجات وفرصة لالتقاط الأنفاس قبل الغرق في دوامة من الأزمات مرة أخرى.

في النهاية، من يدفع ثمن التراجيديا اللبنانية هو اللبناني نفسه. والتراجيديا اللبنانية هي نتيجة نظامه المفهوم الذي يجمع بين ديكتاتورية الطوائف والديمقراطية الصورية.

وها هو اليوم لبنان يعيش إلياذة أخرى بين بطلين أحدهما يعتبر نفسه «المخلص» والآخر «مكلف من الله» والاثنان لا يملكان قرارهما، إذ إنه مرتبط بعواصم خارجية أو أحداث ستحصل في المستقبل. المهم أنه مهما صار لن تتغير الأمور في لبنان ولن يتعرض المصير إلى الخطر ولن تفصل هذه الأحداث بين الماضي والحاضر، إلا بنسب توزيع الأرباح والوظائف على الطوائف.

وفي النهاية، ما دام اللبنانيون راضين عن هذه المهزلة فلن يحدث تغيير.