توجه فني- تقني لمهرجان لوكارنو

4 أفلام تختلف وتلتقي
لوكارنو من فوق وفي الوسط صالة العرض

هوليوود: ككل شيء آخر في الحياة، لوكارنو اليوم غير لوكارنو الأمس.


هذه المدينة السويسرية التي تقع عند سفوح جبال الألب الجنوبية لم تتغير. فهي ما زالت تحتل رقعة لا بأس بها حول بحيرة ماجيوري وتنتشر ضواحيها حول البحيرة ثم تتوزع القرى والبلدات الصغيرة حولها. كصالات السينما القديمة، هناك مستويان للمدينة: صالة وهي التي تقبع بمحاذاة البحيرة وتضم محطة القطار والمحلات المختلفة والساحة التي تعرض فيها أفلام مهرجان لوكارنو الرئيسية و«البلكون». هذا مرتفع جبلي يشرف على المدينة وله طريق يصل إليه ومصعد كهربائي يتسع لنحو 20 شخصا يرتفع إلى القسم العلوي من المدينة. حين تصل تجد الطريق ممتدة صعوداً.


فوق هذا الجبل امتداد جبلي آخر يصعد إليه هواة الطيران بلا محرّكات. عليك أن تكون خبيراً في تشغيل الحزام الذي تشدّه حولك وإلا قد تهبط اضطرارياً فوق سلسلة جبال الألب.


هذا كله ما زال على ما هو. لكن المهرجان السينمائي المهم والكبير الذي يقام في شهر أغسطس (آب) من كل عام، هو الذي تغيّر. انطلق قبل 75 سنة كمهرجان يختص فقط بعرض الأعمال الأولى والثانية للمخرجين. ثابر على هذا المنوال بنجاح واحتل المركز الأول بين كل المهرجانات المعنية  رياح التغيير هبّت قبل قرابة 20 سنة عندما تقرر أنه يمكن استقبال أفلام أكثر وإثارة اهتمام أكبر إذا ما تم عرض أفلام أخرى لا تلتزم بالفكرة الأساسية بل تتجاوزها صوب عروض مفتوحة.

الناتج أن مسابقة الأفلام الجديدة لمخرجيها ما زالت تتصدر المهرجان، لكن هناك اثني عشر قسماً متنوّعاً تشمل أسبوعاً للنقاد وعروضاً لأفلام سويسرية جديدة وأخرى لأفلام الأطفال وثالثة لانتخابات المهرجان من الأفلام التي لا تتقيد بنظام أو نوع معيّن بالإضافة إلى أفلام استعادية احتوت سابقاً على تظاهرات لأفلام موريتي Nanni Morreti)) وآكي كورسماكي Aki Korismaki))  وعباس كيا روستمي Abbas KIarostami)) وسام بكنباهSam Peckipah) ) من بين كثيرين آخرين.


شيء آخر تغيّر مع الزمن وهو انتخاب أفلام لا علاقة لها بجوهر المسابقة والمهرجان أساساً وهو عملية انتخاب فيلم الافتتاح. ليس أن أفلام الافتتاح كان لا بد لها أن تكون أعمالاً أولى لمخرجيها، لكن عاماً بعد عام يزداد التوجه صوب المعين الهوليوودي التقليدي لافتتاح الشاشة اللوكارنية به.

مساحة محدودة
هذا العام، مقارنة مع أعوام سابقة، أراد المهرجان تقديم وجبة ترفيهية سريعة فاختار «Bullet Train » كفيلم افتتاح. وهو ليس فقط لا علاقة له بما يمثّله المهرجان من هدف وقيمة، بل هو ليس أكثر من فيلم تجاري للمشاهدين الذين لا يطلبون أكثر من الترفيه من دون قيم فنية موازية.

من «بولِت تراين» مع براد بت


الفيلم هو اقتباس من رواية يابانية لكوكتارو إيزاكا عنوانها «Maria Beetle » تدور حول عصبة من محترفي القتل في قطار سريع. غير بعيد عن متناول أي منهم حقيبة مليئة بالمال. ما يمنعه عنها هو أن كل فرد من هذه العصبة يريد استحواذ الحقيبة لنفسه، بمن فيهم براد بت.


ينتمي الفيلم إلى سينما الأكشن. أخرجه ديفيد ليتش David Leitch)) الذي كان قبل تحوّله إلى الإخراج يعمل بديلاً للنجوم في أفلام النوع ذاته. حين قرر العمل مخرجاً، انكب على الأفلام التجارية التي لا تحمل أي قيمة فنية مثلAtomic Blonde  وDeadpool 2.


الشخصيات كثيرة وأساليب قتالها مختلفة لكن الطعن وإطلاق الرصاص ورمي الأشخاص من السطوح هو ما يجمع بينها. على طريقة كونتِن تارنتينو في «كلاب المستودع» (Reservoir Dogs) تم تخصيص أسماء مموّهة لمعظم الشخصيات مثل تنجرين (آرون تايلور- جونسن)، ليمون (برايان تيري هنري) و«مستر دث» و«دبّور» و«أمير» ما يذكّرني، بدون مبالغة، بالأسماء التي كانت أفلام الفتوّة في خمسينات وستينات السينما المصرية تستخدمها لشخصياتها مثل عطوة ومطوة وشيحة وأبو فجلة.


لكن الفيلم، على صعيد بصري بحت، جيد. يستغل المخرج ليتش المساحة المحدودة لعربات القطار لخلق حركة دائمة ولاستيعاب معارك ليس من السهل الإفلات من تأثيرها خلال العرض (لاحقاً أمر آخر).


هذه التقنيات التي تدمج التصوير الحي بالعديد من المؤثرات الخاصّة تبدو تمهيداً لدورة تم حشد عدد من الأفلام التي تستخدم التقنيات لصالح الفن.
أحد  هذه الأفلام التي عرضت في الأيام الأولى من هذه الدورة هو العمل الأول للمخرج البريطاني توماس هاردنمان Thomas Hardinman) ) وعنوانه «Medusa Deluxe » الذي يعمل بمنوال الإبداع الفني ممتزجاً بطريقة استخدام الكاميرا لتقديم فيلم مختلف في وقعه و«الفورمات» الفني الذي ينتمي إليه.

«مادوسا ديلوكس»

الفيلم البريطاني «مادوسا ديلوكس»


دراما جنائية نبدأ باكتشاف جثة مصمم شعر اسمه موسكا قتيلاً. يدلف الفيلم مباشرة لما بعد الجريمة ذاتها كاشفاً عن شخصيات ستدخل بعد ساعات مسابقة تصفيف شعر دولية. مقتل موسكا كان تخلّصاً من أكبر المنافسين وأكثرهم توقعاً بالفوز، لكن من هو القاتل؟


الفيلم يحمل طابعين متلازمين: حبّ هذا المخرج الجديد لأفلام تضم عدة ممثلين في بطولة جماعية، من بينهم هنا أنيتا جوي- أواجه (Anita- Joy Uwajeh) ونيكولاس كريمي (Nicholas Karimi) وكليربركينز (Clare Perkins)، وذلك تماثلاً مع أفلام للراحل روبرت ألتمن، كما ورد في المنشور الخاص بالمهرجان.


هذا التنوّع والتعدد في الأدوار الأولى يمر سهلاً ولافتاً في وقت واحد. الطابع الثاني يمر بصعوبة، فالمخرج هاردنمان نفّذ فيلماً يعتمد على اللقطة الواحدة، كما الحال في فيلم «بيردمان» (Birdman)  للمخرج Aliandro González Iñarritu  قبل 8 سنوات.


من ناحية، يعرف هاردنمان ما يقوم به على نحو بارع، لكن من ناحية أخرى وبسبب المكان الواحد الذي تدور فيه الأحداث والحركة الدؤوبة للكاميرا (بإدارة روبي رايان) فإن الفيلم يأتي مفعماً ويحاذي الهلوسة البصرية الناتجة عن تحريك الكاميرا في تسارع يخلق إيقاعاً غير مريح.

مدينة مشروخة
في الوضع نفسه، إنما على نحو أكثر استقراراً وغير مؤلف من لقطة واحدة، لا بد من إنجازها بإتقان ما يجعل الضغط على الجميع هائلاً، نجد فيلما خارج المسابقة يتميّز كذلك بالرغبة في تأليف أجواء من خلال التصوير وتصميم المناظر والإنتاج. هو أيضاً دراما جنائية لكنه أعمق شأناً.
الفيلم هو «أرض الوطن» (Hinterland) العنوان النمساوي أو «Homeland» الإنجليزي، للمخرج ستيفان روتزوفيتزكي (Stefan Ruzowitzky) الذي تقع أحداثه في فيينا بعد ثلاث سنوات من انتهاء الحرب العالمية الأولى. يدور حول سلسلة من جرائم القتل والضحايا لها تاريخ مشترك. القاتل مجهول والتحريّات جارية لمعرفة الرابط المشترك بين الضحايا لعل ذلك يقود لمعرفة هوية القاتل.

«أرض الوطن»


بطله جندي نمساوي اسمه بيتر بيرغ عاد إلى فيينا بعد ثلاث سنوات قضاها في قساوة المعتقل الروسي. ليجد أن المدينة تغيّرت والحياة فيها كذلك. تتناوب هذه الانتماءات وتشترك معاً في السرد، هذا طبيعي. لكن القيمة الفعلية للفيلم هي كيف يروي المخرج روزوتفيتزكي حكايته وما تحمله من أحداث وشخصيات وماذا يصنع بها بغية تحقيق عمل مختلف عن المعتاد..


يكتشف بيتر (موراثان موسلو) ومجموعة من سجناء الحرب العائدين معه، أن المدينة مشروخة كذاته. يحرص المخرج على أن يترجم ذلك بمبانٍ وعمارات ملتوية الشكل كما لو أنها على وشك السقوط. تميل تماماً كما فعل المخرج الألماني روبرت واين (Weine) عندما حقق «كابينة دكتور كاليغاري»      (The Cabinet of Dr. Caligari)  سنة 1920 لكن على نطاق أوسع. ربما لم تكن فيينا بعد الحرب على هذه الصورة تماماً أو ربما لم تكن كذلك مطلقاً، لكن المخرج يوظّف حريته التعبيرية في رسم معالم مدينة مشروخة في الشكل كما في البشر.


يرسم المخرج توجّهات متعددة ضمن هذه الصورة. يعود بيتر إلى منزله ليجد أن زوجته تركته مع طفلتهما. سيكتشف لاحقاً أن صديقه في شرطة المدينة فيكتور (مارك ليمباخ) عاشرها لفترة بعدما اعتقدا أن زوجها لن يعود. يكتشف أيضاً أن ما بذله في الحرب وتعرضه للاعتقال لا يعنيان شيئاً لأحد. النمسا المهزومة تريد أن تنسى وأن تنسى سريعاً. كل شيء آخر لا يهم في مجتمع جديد ينشد التغيير. سيجد نفسه منبوذاً وضعيفاً. سيشرب. سيدخل الكنيسة ويهينها وسيتعرض للضرب. وفي وسط كل ذلك هناك ذلك الخط البوليسي المعقّد حول من هو ذلك القاتل السادي الذي يصطاد ضحاياه من بين العائدين من المعتقل. لفترة ستعتقد أنه بيتر نفسه، لكن بيتر يتعرّض لعدوان القاتل بدوره. هذا من بعد أن بدأ العمل مع بوليس المدينة لحل هذه القضية التي ستنجلي عن حدث وقع خلال الاعتقال ونيّة مجنّد سابق الانتقام من 19 رفيق له بتسع عشرة طريقة تعذيب قبل القتل.


يختلف الفيلم هنا على نحو لافت عما عداه من أفلام التحريات البوليسية بفضل شغل كثيف على التصاميم الهندسية وكيف تصوغ العالم المضطرب داخل بطل الفيلم وخارجه. ليس أن روتزوفيتزكي ينجز ما لم يسبق إنجازه لكنه ينجزه بكثافة وقدرة تستحقان الإعجاب. إلى جانب أن الفيلم يحمل إعجاب مخرجه بالسينما التعبيرية الألمانية الصامتة، تحمل المعالجة الفنية ملامح أفلام أحدث، ومنها:Dark City  لأليكس بروياس سنة 1998، وSin City  لفرانك ميلر وروبرترودريغيز (2005). تصميم العالم الغرائبي المعلّق بلا ماضٍ أو مستقبل في الفيلم الأول، ومنهج «البالب فيكشن» والفيلم نوار للفيلم الثاني.

عودة سوكوروف
في المسابقة الدولية، وهو برنامج رئيسي آخر، فيلم أهم وأفضل من كلا هذين العملين (على إجادة فيلم «أرض الوطن») كونه ينتمي إلى المخرج الروسي الكبير وبالغ الأهمية ألكسندر سوكوروف (Alexander Sokurov)  منذ أن وقف وراء الكاميرا لأول مرّة في مطلع الثمانينات. هو خليفة من نوع معين للمخرج الأسطوري Andrei Tarkovsky، فيلمه الجديد هو «حكاية خيالية» (Fairytale) يقوم على جمع عدد من الشخصيات السياسية التي شاركت إدارة الحرب العالمية الثانية، تحديداً تشرشل وموسوليني وستالين و- بالطبع- هتلر في مكان واحد يتبادلون فيه، مباشرة، الحديث عن توجهاتهم السياسية. هو نوع من المحاكمة التي يجريها المخرج للسياسيين الأربعة لكن الخارج عن التقليد أن المخرج يستعين بالتكنولوجيا الحديث لتحريك الشخصيات التي استقى صورها من الأرشيف.

المخرج الروسي ألكسندر سوكوروف


الموقع يوحي بجحيم دانتي أو بعضاً منه، وذلك بداية من تعرّفنا على ستالين وهو يقرأ أسطراً من النص الشهير وانتهاء باكتشافنا أن الموقع هو مكان الحياة الوحيد قبل أن يدلف الجميع إلى الجحيم فعلاً. ما يتبادلونه من أحاديث حول أفعالهم وآمالهم ليس حوارات مفتوحة بل وسيلة المخرج لدمج كل شيء في تصاميم فنية عالية. لكن النقد الذي يعتليه الفيلم ليس ناتجاً عن اعترافات هؤلاء بما قاموا به، بل تصويرهم وهم يتبجحون به. يقدّمهم الفيلم على أساس إنهم شركاء في جريمة واحدة هي الحرب العالمية الثانية نابشاً الدوافع المختلفة من النرجسية (موسوليني) إلى الشعور بالعظمة (هتلر) إلى الحلم بروسيا الكبرى والنظام الشيوعي (ستالين) والتعاون لتثبيت الأمر الواقع (تشرشل).


ضم تشرشل إلى المجموعة يُثير الاستغراب في مطلع الأمر. لكن التبرير (الواهي إلى حد) يكمن في أنه وافق مع الرئيس الأميركي روزفلت بمنح ستالين فرصة الهيمنة على كل أوروبا الشرقية.


لا يمكن رفض «حكاية خيالية» على أسس واهية مثل غموضه في بعض المناطق أو التساؤل عما يعنيه في حوار أو مشهد. لكنه يبقى عملاً لا يتوجّه إلى كل الأذواق بالتأكيد. وحتى المعجبون بسينما سوخوروف قد يجدون أنه لا يلتقي والمستوى ذاته الذي حققه عبر أفلامه السابقة مثل «ألكسندرا» و«سفينة روسية» (Russian Ark)  و«الشمس» وسواها.


في الواقع بعض السبب في ذلك يكمن في حقيقة أن هذه الأفلام المذكورة هي أسهل سرداً حتى بالنسبة لفيلم «سفينة روسية» (2002) الذي أنجزه سوخوروف بكاميرا ذات لقطة واحدة تكاد تكون أصعب لقطة في تاريخ السينما لامتزاج التقنية بالعمق الفني والطرح التاريخي معاً وكذلك نظراً لاشتراك ألوف الأشخاص في المشهد الأخير من دون هفوة تجبر المخرج على إعادة تصوير المشهد.


منحى سوخوروف ازداد تألقاً وصعوبة (في التنفيذ) مع فيلم «فرانكوفونيا» (2015) الذي عرضه مهرجان «كان» حينها.


كان من الطبيعي، إذن، أن يتوجه سوكوروف بفيلمه الجديد هذا إلى مهرجان كان، لكن المهرجان الفرنسي لم يكن في وارد عرض فيلم روسي، نسبة للنزاع الروسي- الأوكراني حالياً. وحسب أنباء من فنيسيا، فقد تم عرض الفيلم على لجنة اختيار المهرجان الإيطالي لكن هذا بدوره لم يرد أن يشرك الفيلم في المسابقة الدولية فتوجه سوكوروف به إلى لوكارنو.