اليمن وتجديد الهدنة... فرصة للسلام أم تهدئة للتوترات؟

استمرار تمديد الهدنة أكثر الاحتمالات الواقعية
دخل اليمن في أطول فترة لوقف القتال منذ بدء الحرب (غيتي)

باكو: «يسعدني أن أعلن عن أن الطرفين المتنازعين اتفقا على تمديد الهدنة بالشروط ذاتها لمدة شهرين إضافيين من 2 أغسطس (آب) 2022 وحتى 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2022.. ويتضمن هذا التمديد للهدنة التزاماً من الأطراف بتكثيف المفاوضات للوصول إلى اتفاق هدنة موسع في أسرع وقت ممكن»، بهذه العبارة المقتضبة لخص المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ في بيانه الصادر في الثاني من أغسطس 2022، مستقبل الهدنة الموقعة بين الحكومة اليمنية والحوثيين والتي دخلت حيز التنفيذ منذ أبريل (نيسان) الماضي (2022)، وساهمت بدرجة أو بأخرى في خفض حدة المعارك في واحد من أكثر النزاعات الدولية التي أدت إلى حدوث أسوأ أزمة إنسانية في العالم على حد وصف الأمم المتحدة، حيث يهدد خطر المجاعة الملايين من سكان اليمن، في حين يحتاج آلاف، بينهم الكثير من سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إلى علاج طبي عاجل غير متوفر في البلد الذي تعرضت بنيته التحتية للتدمير، حيث يعتمد نحو 80 في المائة من سكان اليمن البالغ عددهم 30 مليون نسمة على المساعدات.

وفي ضوء ذلك، فتح تمديد هذه الهدنة الباب أمام التساؤل الذي لا يزال يراوح مكانه منذ بدء المفاوضات بين الطرفين، ماذا بعد التمديد؟ هل الهدف منه هو الوصول إلى اتفاق هدنة موسع كما يرى المبعوث الأممي أم الوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة وفقا لمقررات الأمم المتحدة في هذا الخصوص والمبادرة الخليجية (السعودية في الأساس) الهادفة إلى استعادة الأمن والاستقرار إلى الشقيقة اليمن؟

منظمات الإغاثة في اليمن حثت على تمديد الهدنة (رويترز)

 

ويجدر بنا قبل الإجابة على هذا التساؤل الإشارة إلى ملاحظتين مهمتين: الأولى، أن الأزمة التي تعيشها اليمن اليوم قد اتخذت مسارا مختلفا عن بداياتها الأولى، إذ أن ما حدث في اليمن كان محاولة لاستنساخ حالة ما أطلق عليه الربيع العربي في المنطقة والذي أثبتت الأيام أنه خريف شديد القسوة على أبناء الأمة العربية، إذ كان كالوباء الذي قضى على مقدرات الدولة الوطنية وفكك أوصالها وهدم مؤسساتها على غرار ما حدث في بعض البلدان العربية ولا تزال تئن من تأثيراته مثل ليبيا وسوريا. صحيح أن الدعوات الأولى للحراك الشعبي حملت مطالب تتعلق بالحياة الكريمة وتحسين ظروف المعيشة إلا أن الجماعات المعادية للدول على غرار جماعة الإخوان والحوثيين انتهزوا الفرصة للانقضاض على الأحداث وركوب الموجة بهدف الوصول إلى تنفيذ أجندتهم غير الوطنية على حساب سيادة الدول واستقلالها، فعلى غرار ما جرى في مصر وتونس والمغرب، حينما حاولت جماعة الإخوان الهيمنة على الدولة ومؤسساتها وأخونتها، كان لأذناب طهران في المنطقة دور مماثل في محاولة للهيمنة على مقدرات الدول الموجودة فيها على غرار ما جرى ولا يزال يجري في اليمن حتى اليوم، وهو ما يؤكد على أن ما تعانيه اليمن لم يكن نتاجا للحراك الشعبي الذي جرى عام 2011 وإنما كان نتاج أجندة غير وطنية حملتها جماعة الحوثي قبل تلك الأحداث إلا أن سطوة الدولة وقوتها حينذاك تمكنت من هزيمتها على غرار ما جرى في حروب صعدة 2006. ولكن مع وقوع أحداث الحراك الشعبي في اليمن عام 2011 وجدت الجماعة الفرصة سانحة لأن تُعيد الكرة من جديد بدعم إيراني واسع المدى بهدف الهيمنة على مقدرات الدولة اليمنية، الأمر الذي رفضته المملكة العربية السعودية وسارعت إلى تشكيل التحالف العربي/ الإسلامي الذي هدف إلى إنقاذ اليمن، وهو ما كُلل بالنجاح في إفشال المخطط الإيراني المعتمد على جماعة الحوثي في بسط الهيمنة على الدولة اليمنية. الملاحظة الثانية تتعلق بطبيعة الواقع اليمني وتركيبته السكانية والمذهبية من ناحية، والتدخلات الخارجية الإقليمية والدولية من ناحية أخرى، إذ إنه في ضوء الموقع الجيواستراتيجي لليمن فضلا عن ثرواتها النفطية والتعدينية جعلها مطمعا للتدخلات من جانب عديد الأطراف الدولية والإقليمية التي سعت إلى تحقيق مصالحها وتعظيم أدوارها على حساب الشعب اليمني، مستفيدين في ذلك من انتشار الجهل والعوز بين أبناء الشعب اليمني الذي يدفع ثمن هذه التدخلات، الأمر الذي دفع بالمملكة العربية السعودية يساندها في ذلك بعض الأطراف العربية مثل مصر والإمارات العربية المتحدة، إلى التأكيد على موقفها الداعم للدولة اليمنية والحفاظ على سيادتها وتماسكها واستقلالها.

 

ماذا بعد انتهاء هدنة الشهرين؟

في ضوء هاتين الملاحظتين، يمكن القول إن مستقبل تمديد الهدنة اليمنية لمدة شهرين آخرين ينحصر في ثلاثة مسارات على النحو الآتي:

الأول، تمديد آخر لمدة شهرين، إذ إنه وفقا لهذا المسار من المنتظر أن تستمر الهدنة عقب انتهائها لمدة شهرين إضافيين، بذات الأحكام الواردة في اتفاق الهدنة القائم مع إضافة بعض التيسيرات إن أمكن، بهدف تحسين الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها المواطن اليمني. ويؤيد هذا المسار موقف الأطراف اليمنية من مفاوضات تمديد هذه الهدنة، إذ يُذكر أن المبعوث الأممي كان يحاول من أجل هدنة مدتها 6 أشهر مع إجراءات إضافية، إلا أنه لم يتمكن من ذلك، نظرًا لانعدام الثقة بين الجانبين بسبب تعددية شكاوى كل طرف بشأن تنفيذ اتفاق الهدنة الحالي، وهو ما يعني أن التوصل إلى هذه الهدنة كان بضغوط على الأطراف كافة، ارتباطا بالأوضاع الراهنة التي من المنتظر أن تستمر في المدى القريب، وهو ما يجعل من استمرارها دافعا لاحتمالية التمديد مرة أخرى.

الثاني، الوصول إلى اتفاق موسع يفضي إلى التمهيد لبدء عملية سياسية جديدة تنطلق من المرتكزات الأممية والمبادرة الخليجية، كما جاء في تصريح المبعوث الأممي، واعتبر أن من شأن الاتفاق الموسع أن «يوفر أيضاً الفرصة للتفاوض على وقف إطلاق نار شامل وعلى القضايا الإنسانية والاقتصادية وللتحضير لاستئناف العملية السياسية بقيادة اليمنيين تحت رعاية الأمم المتحدة للوصول إلى سلام مستدام وعادل». ومما يدعم هذا المسار ردود فعل الأطراف كافة داخليا وخارجيا المؤيدة لأهمية الاستفادة من هذا التمديد للوصول إلى اتفاق موسع كما جاء في إشادة الرئيس الأميركي جو بايدن، حيث رحب بالتمديد بقوله: «نحث الأطراف اليمنية على اغتنام هذه الفرصة للعمل على نحو بناء تحت رعاية الأمم المتحدة للتوصل إلى اتفاق شامل يتضمن خطوات لتحسين حرية التنقل وتوسيع نطاق دفع الرواتب ويمهد الطريق لحل دائم للصراع بقيادة يمنية».

الثالث، استئناف الصراع مرة أخرى، وذلك في حالة إخفاق الوصول إلى تمديد جديد للهدنة أو الوصول إلى اتفاق هدنة موسع، وهو ما يُدخل البلاد في مزيد من التمزق والتفتت. ويؤيد هذا المسار التصريحات الواردة من مسؤولي الطرفين بشأن الهدنة، فنجد على سبيل المثال وصف «المجلس السياسي الأعلى» التابع للحوثيين الهدنة- قبيل التوقيع على التمديد- بأنها «مثلت تجربة صادمة ومخيبة للآمال ولا يمكن تكرارها في المستقبل»، وفي الوقت ذاته وصف وزير الخارجية اليمني أحمد عوض بن مبارك الهدنة بعد التوقيع بأنها «هشة.. ولكن الحكومة ستستمر في التعاطي الإيجابي معها».

منظمات الإغاثة: «الهدنة جلبت فوائد إنسانية لليمنيين» (رويترز)

هدوء وسلام مؤقت

وفي ضوء القراءة الدقيقة للواقع الداخلي والإقليمي والدولي، يظل المسار الأول هو الأكثر تحققا في المدى القريب والمتوسط، حيث مثلت الموافقة على التمديد للمرة الثالثة حالة من الهدوء والسلام المؤقت الذي ساد اليمن لنحو نصف عام تقريباً، وهي أطول فترة لوقف القتال منذ بدء الحرب، التي مضى عليها ثماني سنوات حتى الآن، وذلك على الرغم من عشرات- وربما مئات- الاختراقات للهدنة من جانب الحوثيين بالأساس، إلا أن الطرفين استمرا فى التمسك بها رسميًا، ومما يعزز من تحقق هذا المسار مؤشران:

الأول: الاستفادة المحققة للطرفين من التهدئة المؤقتة، فكما استفادت جماعة الحوثي من الهدنة في ترتيب أوضاعها، فإن الحكومة الشرعية الجديدة تسعى إلى تهدئة الأوضاع لحين اتخاذ خطوات على الأرض تمكنها من كسب الشرعية والقبول الشعبي، حيث يوجد لديها جدول أعمال سياسي وأمني واقتصادي متخم بالكثير من البنود. وقد لخص المبعوث الأممي ذلك فيما ذكره بأن: «اليمنيين شهدوا الفوائد الملموسة للهدنة خلال الشهرين الماضيين. فقد انخفض عدد الضحايا المدنيين بشكل كبير، ودخل المزيد من الوقود إلى اليمن عبر ميناء الحديدة، واستؤنفت الرحلات التجارية من وإلى مطار صنعاء الدولي، بعد ما يقرب من 6 سنوات على الإغلاق».

الثاني: ما تعيشه المنطقة بل والعالم بأسرة من مرحلة انتقالية لا تزال ترتيباتها لم تُحسم بعد، وهو ما يجعل موقف الأطراف الفاعلة في الأزمة اليمنية أقرب إلى الانتظار والتمهل لما ستسفر عنه الأحداث من إعادة ترتيب التوازنات الدولية والإقليمية، حينها سوف يتحدد مسار الهدنة الراهن ما إذا كان يمكن أن يتجه نحو اتفاق لبدء عملية سياسية أو يتجه نحو العودة إلى الصراع. ويظل الوضع مرهونا بأمرين: الأول، قدرة الأطراف اليمنية الداخلية على ترتيب أوضاعها وفك ارتباطاتها الخارجية والنظر إلى المصلحة الوطنية وضمان حماية الدولة الوطنية وسيادتها واستقلالها من خلال التوصل إلى تفاهمات داخلية ترتب الأوضاع السياسية وتحسن الظروف الاقتصادية وتعيد اللحمة الوطنية بين أبناء الشعب اليمني مستفيدة في ذلك من تجارب دول شبيهة نجحت في عبور مثل تلك الأزمات. الثاني، الدور العربي الفاعل بقيادة المملكة العربية السعودية ومصر في دعم الأطراف اليمنية سياسيا وتنمويا، في مقابل تراجع أدوار الفواعل الأخرى وفي مقدمتهم الدور الإيراني وأدوار بعض الأطراف الإقليمية التي تدور في فلكها، حينها يمكن التوصل إلى اتفاقات سياسية تعيد بناء المؤسسات السياسية للدولة اليمنية على نحو جديد. ولنجاح هذا الدور، يُقترح الدعوة إلى بدء جولة حوار وطني بين الأطراف اليمنية برعاية سعودية على الأرض المصرية، شريطة أن يكون للحوار أجندة واضحة بتوقيتات محددة ومخرجات مستهدفة وآليات تطبيق عملية.

نهاية القول: إن اليمن السعيد يبحث في محيطه العربي عمن يعيد له ابتسامته وسعادته، ليستعيد دوره العربي بصفة عامة والخليجي على وجه الخصوص، بعيدا عن التجاذبات الإقليمية والتدخلات الدولية، وإذا كانت الهدنة قد تجددت بصورة مؤقتة لخفض المعارك وحفظ الأرواح وصون الدماء، فإن الغاية هي الوصول إلى عملية إعادة بناء؛ متكاملة الأبعاد ومتعددة المستويات ومتنوعة المجالات، تعيد للدولة اليمنية وحدتها السيادية واستقلاليتها السياسية.

 

 

 


مقالات ذات صلة