صديق موسكو داخل الاتحاد الأوروبي يثير الجدل

رئيس وزراء المجر: حوار أميركي- روسي هو الحل الوحيد لإنهاء الحرب
رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان يتحدث في مؤتمر في بودابست بالمجر يوم 19 فبراير 2022 (رويترز)

ليس جديداً على فيكتور أوربان رئيس وزارء المجر اليميني المتشدد أن يثير الجدل والاستفزازات. كثيراً ما تسبب خطاباته حالة من الغضب وتستدعي الإدانات من الأحزاب المعارضة والساسة الأوروبيين ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام العالمية. لا تخفى آراء أوربان عن الهجرة والتعددية الثقافية على أحد. ففي عام 2015، في ذروة موجات تدفق اللاجئين إلى أوروبا، ادعى أوربان أن المسلمين يمثلون تهديداً مباشراً على هوية أوروبا المسيحية. وفي عام 2017، أنشأت حكومته سياجاً حدودياً لإبعاد اللاجئين السوريين والمهاجرين الأفارقة والشرق أوسطيين عن المجر.

ولكن في أحدث خطاباته في 23 يوليو (تموز) الماضي في بيلي توشناد في إقليم ترانسيلفانيا برومانيا بدا أكثر استفزازاً وتحريضاً على الانقسام من أحاديثه السابقة، إذ بدأ بقوله غاضباً إن الأوروبيين «يجب أن لا يتحولوا إلى شعوب مختلطة الأعراق». وقال: «نحن المجريين لسنا مختلطي العرق، ولا نريد أن نكون ذوي عرق مختلط».


كثيراً ما يستشهد أوربان بنظرية «الاستبدال العظيم»، أو لنقل نظرية المؤامرة، التي يدعي أنها تهدف إلى تحول ديموغرافي نهائي في أوروبا بحلول عام 2050، يشكل فيه غير الأوروبيين أغلبية سكان أوروبا. واستطرد قائلاً إن الدول التي يختلط فيها الأوروبيون مع غير الأوروبيين «لم تعد أمة» ولكن مجرد «مجموعة من السكان».


وفي الخطاب ذاته، بدا أن أوربان يمزح بشأن غرف الغاز النازية، في سياق مقترح الاتحاد الأوروبي بترشيد استهلاك الغاز الطبيعي وتخفيض الطلب على الغاز بنسبة 15 في المائة، حيث قال: «إن الماضي يوضح لنا الخبرة الألمانية في هذا الصدد»، ووصفت لجنة أوشفيتز الدولية للناجين من الهولوكوست تصريحاته بأنها «غبية وخطيرة».

رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضران مؤتمراً صحافياً بعد محادثاتهما في بودابست، المجر. 30 أكتوبر عام 2019 (رويترز)


لا يركز هذا المقال على آراء أوربان اليمينية المتطرفة العنصرية. بل يهتم بالجزء الثاني من خطابه الذي شن فيه هجوماً على استراتيجية الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على روسيا بسبب غزوها أوكرانيا، قائلاً إنها سببت أزمة طاقة في دول الاتحاد. وبهذا الادعاء، كشف أوربان عن كونه رجل بوتين داخل الاتحاد الأوروبي. والمفارقة أن المجر عضو في الاتحاد الأوروبي والناتو، ولكن «يُسمح» لها باتخاذ موقف محايد تجاه أوكرانيا، حيث استطاعت إعفاء ذاتها من حظر النفظ الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على روسيا. ومثل جميع قادة الاتحاد الأوروبي، أدان أوربان الغزو الروسي لأوكرانيا في بدايته. ولكنه حافظ على علاقاته مع مسؤولين روس بل وأرسل وزير خارجيته إلى موسكو للتفاوض على واردات غاز إضافية. ولا يزال أوربان يرفض إمداد أوكرانيا بالسلاح، وهو القائد الأوروبي الوحيد الذي انتقد علانية الرئيس فلوديمير زيلنسكي، بل وأحياناً ما يشير إليه باعتباره خصم.
في أثناء كلمته في بيلي توشناد، هاجم أوربان استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه أوكرانيا قائلاً إن العقوبات ضد روسيا أخفقت وحث قادة الاتحاد والغرب على وقف الدعم العسكري المقدم إلى الحكومة الأوكرانية محذراً إياهم وناصحاً بوضع استراتيجية جديدة. وذكر أوربان في خطابه في الأسبوع الأخير من يوليو (تموز): «كلما أعطى الناتو أسلحة حديثة إلى الأوكرانيين، ازداد دفع الروس لخط المواجهة إلى الأمام. وما نفعله الآن يطيل من أمد الحرب».


من وجهة نظر أوربان، الاستراتيجية الأميركية البريطانية الأوروبية بشأن أوكرانيا مقدر لها الفشل على مستويات عدة. فيما يتعلق بالافتراض الواهم بأن أوكرانيا تستطيع الانتصار في حرب ضد روسيا باستخدام أسلحة الناتو، قال أوربان إن أوكرانيا لن تنتصر قط في الحرب بهذه الطريقة «ببساطة لأن الجيش الروسي يملك تفوقاً غير متكافئ».


وفيما يتعلق بالعقوبات، افترض الغرب أنها ستضعف روسيا وتزعزع استقرار حكومة بوتين، وأن العقوبات سوف تؤذي روسيا أكثر من أوروبا، وأن العالم سوف يصطف دعماً لأوروبا. ولكن وفقاً لأوربان، لم يحدث ذلك، وقال إننا سوف نشهد سقوط الغرب في ظل استمرار الحرب، مؤكداً أن الاستراتيجية الحالية فاشلة وحكومات الاتحاد الأوروبي تتساقط «كقطع الدومينو».

مؤيدو الرئيس المجري أوربان يحتشدون في احتفالات اليوم الوطني، الموافق لذكرى الثورة المجرية التي قامت عام 1848 ضد حكم آل هابسبرغ في بودابست، صورة بتاريخ 15 مارس 2022


كما رفض أوربان خطط مفوضية الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة، قائلاً إن رئيس الاتحاد يرغب في منع الطاقة عمن يملكونها بدلاً من أن يطلب من ألمانيا عدم غلق مصانعها للطاقة النووية، وأضاف أن الولايات المتحدة تدفع الأوروبيين لشراء موارد الطاقة منها.


واستطرد بقوله إن الاتحاد الأوروبي «يطلق النار على نفسه» بسعيه لقطع العلاقات تماماً مع روسيا. وكان تعليقه في سياق الحديث عن اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الطبيعي الروسي الذي وصل إلى نسبة 40 في المائة في العام الماضي.


وبحسب الوكالة الدولية للطاقة، في عام 2020، كانت ألمانيا أكبر مستورد أوروبي للغاز الروسي. وتشير إحصائيات الوكالة إلى أن صادرات الغاز الروسي إلى الدول الأوروبية تقدر بمليارات الأمتار المكعبة، تتصدرها ألمانيا بحوالي 42,6 تليها إيطاليا بمعدل 29,2، ثم بيلاروسيا 18,9، وتركيا 16,2، وهولندا 15,7.


وتحتل المجر المركز السادس بمقدار 11,6 وهو ما يعني أن 65 في المائة من احتياجاتها من النفط و85 في المائة من احتياجاتها من الغاز ترد من شركة غازبروم المملوكة للكرملين. وترفض حكومة أوربان بشدة منع الغاز الروسي، وهو الإجراء الذي قد يقوض اقتصاد المجر بالكامل، بحسب ما صرح به مسؤولون في بودابست.


من جهة أخرى، تستورد المملكة المتحدة 4 في المائة فقط من احتياجاتها من روسيا، وجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لا تستورد أي غاز من روسيا.


ومع استمرار حرب روسيا في أوكرانيا، نرى العديد من المؤتمرات التي يعقدها باستمرار واضعو السياسات الأوروبيون من أجل التمهيد لشعوبهم الظروف الصعبة التي ستطرأ الشتاء المقبل إذا انقطعت إمدادات الغاز الروسي بالكامل. وبدأ مسؤولون من ألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي في الحديث صراحة وبإلحاح عن الحاجة إلى تخفيض فوري في استهلاك الغاز قبل ذروة موسم التدفئة الشتوية. كما بدأوا في التخطيط العلني لتخصيص إجباري، يتضمن ترشيد ووضع أولويات بين الصناعات بالإضافة إلى المشاركة بين الدول الأعضاء في حالة لم يتوفر ما يكفي من الغاز لتلبية احتياجات الجميع.

دعوة أوربان إلى استراتيجية جديدة «محادثات السلام»
في حين أضرت العقوبات باقتصاد روسيا، فإنها ساعدت أيضاً على ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وتسببت في تباطؤ اقتصاد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى درجة دفعته نحو الركود.


وفي خطابه في رومانيا، قال أوربان إن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يحتاجان إلى اتباع نهج جديد في التعامل مع روسيا والحرب، حيث صرح: «نحتاج إلى استراتيجية جديدة تركز على محادثات السلام وصياغة مقترح سلام مناسب.. بدلاً من الفوز بالحرب».

حشود من أنصار رئيس الوزراء المجري أوربان أثناء احتفالات اليوم الوطني الموافق لذكرى الثورة المجرية التي قامت عام 1848. صورة بتاريخ 15 مارس 2022 (رويترز)


ويقصد بذلك استراتيجية تعزز الحوار والمفاوضات- وتركز ليس على الانحياز إلى جانب الأوكرانيين، بل الوقوف على الحياد بين كل من كييف وموسكو. لا يجب أن يكون الهدف هو انتصار أوكرانيا في الحرب، ولكن الوصول إلى حل سلمي.


وشدد أوربان على أن دولته لن تدعم مساعي الحرب في أوكرانيا، مؤكداً أن اقتصاد بلاده يعتمد بكثافة على واردات الغاز الروسي. كما أنه يرفض دعم الحظر على واردات الغاز الروسي، وقال إنه نظراً لأن روسيا ترغب في ضمانات أمنية، يجب أن تكون المحادثات بين واشنطن وموسكو، وليس أوكرانيا. كما أعرب عن رأيه بأن «وحدها المباحثات الروسية الأميركية هي التي تستطيع وضع حد للنزاع، نظراً لأن روسيا تريد ضمانات أمنية» لا يستطيع تقديمها إلا واشنطن.


وهنا يردد أوربان الخطاب الرسمي الروسي، قائلاً إن سبب الحرب ضد أوكرانيا هو رفض الغرب التفاوض حول الضمانات الأمنية الروسية. وذهب إلى أنه إذا كان دونالد ترامب وأنجيلا ميركل في منصبيهما لم تكن الحرب لتقع.


تولى فيكتور أوربان منصبه منذ 2010، مما يجعله أقدم رئيس وزراء حالي في أوروبا. وفي أبريل (نيسان) 2022، فاز بفترة رابعة على التوالي، تعهد فيها بحماية المجريين من آثار الحرب.


تبقت شهور قليلة على الشتاء القارس وتوجد مخاوف كبيرة من إمكانية غلق بوتين لإمدادات الغاز عن الاتحاد الأوروبي، تاركاً ملايين المواطنين في الاتحاد يتحملون عبء الارتفاع الحاد في أسعار المعيشة. من وجهة نظر الأوكرانيين وكثيرين في الاتحاد الأوروبي، أوربان خائن. ولكن في رأي كثيرين في المجر هو شخص واقعي وقائد برغماتي يضع مصالح شعبه أولاً.


السؤال الحالي: هل سيترك الشتاء القارس والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة في الاتحاد الأوروبي هذا الكيان موحداً أم سنرى مزيداً من الدول التي ستحيد علاقاتها مع روسيا.