بين المحقق الكبير والإمام

كان هدف توماس دي توركيمادا تطهير إسبانيا من كل الهرطقات التي تطال الديانة الكاثوليكية. اسمه كان يثير الخوف، ومحاكمه العديدة التي عمل على نشرها في طول وعرض البلاد كانت تثير الرعب. كان كل مشكك، مسلما أو يهوديا أو مسيحيا، للخط المستقيم (الأرثوذكسية) لتعاليم الكنيسة الكاثولوكية يعرف تماما أن مصيره كان محرقة في ساحة ما من ساحات مدن أسبانيا كي يكون عبرة لمن يعتبر. دي توركيمادا شكك بمن اعتنق الديانة الكاثوليكية خوفا من الاضطهاد وأجبرهم على ارتداء ملابس خاصة لإذلالهم معتبرا أن تحولهم كان لأسباب غير صالحة. كان أحد أبرز وجوه محاكم التفتيش التي بدأت مع القرن الثاني عشر واستمرت لمئات السنين تعذيبا واضطهادا للمسلمين واليهود والمرتدين والعلماء. خاصة الذين اعتبرت الكنيسة أن كل اكتشاف لا يتناسب و الإنجيل يعد باطلا وصاحبه معرض للسجن والتعذيب والقتل.

 

جاليليو أبو العلوم الحديثة تعرض للتعذيب من قبل محاكم التفتيش لاعتقاده أن الأرض تدور وفي اللحظة التي أطلق فيها سراحه لتراجعه عن أقواله نظر إلى السماء وقال: «بالرغم من كل شيء ما زالت الأرض تدور». لم تستطع محاكم التفتيش بنهاية المطاف منع التطور العلمي والفكري للإنسان من خلال منعه من التشكيك والسؤال ولاكتشاف والغور في طور العقل النقدي.

محاولة قتل سلمان رشدي من قبل شاب من أصول لبنانية عاش معظم حياته في الولايات المتحدة الأميركية تنفيذا لفتوى الإمام الخميني لظنه أن «آيات شيطانية» فيها إساءة للإسلام لا تحِد كثيرا في نهجها عن مجزرة المجلة الفرنسية الساخرة «شارلي إيبدو» لإعادة نشرها صورا مسيئة للنبي محمد. بين هذه وذاك الكثير من العنف في مواجهة ما يعتبره البعض إساءة إلى المقدسات التي يعتنقها. هذا يجعلنا طبعا نسأل حول تعامل العرب عموما مع الاختلاف ولكن الأهم مع المقدس.

فما هو مفهومنا لحرية الرأي؟ ما هي حدودها؟ وكيف نتصرف إزاء من نعتقد أنه أهان معتقداتنا؟

هذا نقاش كبير طبعا يدور حول حدود حرية الرأي التي تمنع مثلا التحريض على التمييز أو الكراهية أو العنف أو العزل ضد الآخرين عن قصد ولسبب محدد. عندنا في هذا مثال في أوروبا ألا وهو التشكيك في المحرقة اليهودية والتي يعاقب ويجرم القانون صاحب هذه الفكرة في كل أشكالها. الكاتب الفرنسي روجيه غارودي دفع ثمن تشكيكه هذا بالحبس لمدة سنة مع وقف التنفيذ وكلفته أفكاره ابتعاد دور النشر عن التعامل معه كما الإعلام عن استضافته. ولكن لم تصدر بحقه فتوى القتل ولم تمنع كتبه من التداول. هذا لم يحصل مع سلمان رشدي. والإمام كما المحقق الكبير أعلن هدر دم من ظن أنه أساء إلى «المقدسات». كان يمكن اللجوء إلى المحكمة البريطانية والمطالبة بمحاكمة رشدي بفعل الإساءة إلى الدين الإسلامي. العنف لا يحل مشكلة بل يفاقمها.

أنا شبه متأكد من أن حوار الأزهر مع نصر حامد أبو زيد كان ليغني الإسلام تماما، كما كانت العادة في مساجد الأندلس، حيث كان العلماء يفتحون باب النقاش مع الجميع من دون حواجز.

يقول المطران جورج خضر: «علينا أن ندعو ونرجو كثيرا لينتقل الإنسان العربي إلى البنيان الحضاري الذي لا مهرب فيه من الغرب». يضيف المطران خضر: «إن الشجاعة تعني عدم الخوف من أي شيء والآمال في كل شيء عقلي». من هنا نرى أن الخوف من دخول الطور النقدي والتعامل مع الاختلاف ومواجهته من خارج القتل وهدر الدم هو ضروري لنقل المنطقة إلى البنيان الحضاري. رواية سلمان رشدي لا تنال ولا يمكنها أن تنال من الإسلام كديانة أبدا ولكنها تضع علماء المسلمين في مواجهة تحدي عقلنة المقدس من خلال النقاش عنه وفيه.

أما العنف كما قلنا فلا يمكن أن يحل أية مشكلة.