العراق أمام منعطف خطير... اقتتال شيعي- شيعي وسط غياب للحلول

الإطار التنسيقي يصعّد الأزمة والاشتباكات تجددت في البصرة
أنصار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر يفككون معسكرًا للاحتجاج أثناء انسحابهم من المنطقة الخضراء في بغداد، العراق، 30 أغسطس 2022 (إ.ب.أ)

بغداد: مر العراق، يوم الاثنين الماضي، بمنعطف خطير جدا، تمثل بالاقتتال الأهلي استمر لمدة 14 ساعة، بين أتباع التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، والحشد الشعبي، المدعوم من الإطار التنسيقي القريب من إيران، راح ضحيته أكثر من 30 قتيلا وأصيب أكثر من 600 آخرين.
وتجدد الاشتباك المسلح يوم أمس الخميس، بعد مقتل قيادي في سرايا السلام التابعة للصدر في محافظة البصرة، وراح ضحيته أكثر من 4 قتلى وجرحى، بالإضافة إلى استهداف جامع تابعة لتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، جنوبي بغداد.


أصدر الصدر، ظهر الاثنين، بيانا أكد فيه، اعتزاله العمل السياسي، ومنح الصلاحيات لأنصاره باقتحام أي مبنى، وإسقاط العملية السياسية، فسيطروا على عدة مقار حكومية في بغداد والمحافظات الجنوبية، منها مقر رئاسة الجمهورية وحكومات واسط والديوانية وذي قار وغيرها، بالإضافة إلى حرق عدد من مقرات الأحزاب الشيعية مثل حزب الدعوة الإسلامية ومقرات ميليشيا عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله.


اتهم التيار الصدري، ميليشيا عصائب أهل الحق، بتنفيذ إعدامات جماعية بحق أنصار الصدر، في مقر رئاسة الجمهورية، بعد إفراغه من المتظاهرين.
جاء التوتر الحاصل، بعد فوز أنصار الصدر، بالأغلبية داخل البرلمان، بـ73 مقعدا، من أصل 329 مقعدا، وشكل تحالفا مع السنة والأكراد، لتشكيل الحكومة المقبلة، ولكن الإطار التنسيقي عطل تمرير الحكومة، من خلال الحصول على قرار من المحكمة الاتحادية يتمثل باشتراط حضور ثلثي أعضاء البرلمان خلال جلسة التصويت على رئيس الجمهورية، مما أفشل جهود الصدر، الذي اضطر إلى الانسحاب من البرلمان والسماح للإطار التنسيقي، بتشكيل الحكومة.


الإطار التنسيقي المقرب من إيران، عقد تفاهمات مع جزء من السنة والأكراد، ووصل إلى مرحلة اختيار رئيس الجمهورية، فقام أنصار الصدر باقتحام البرلمان، وتعطيل الجهود، وطلب الصدر، من جميع الأحزاب المشاركة في النظام السياسي الحالي، بعدم المشاركة في الحكومة المقبلة، وجعلها للقوى الناشئة فقط، وإلا سيكون لدى الشعب العراقي خيار باقتحام المنطقة الخضراء وإسقاط النظام.
اقتحم أنصار الصدر المنطقة الخضراء، وأصبحت تحت سيطرتهم بالكامل، باستثناء البعثات الدبلوماسية، ودخل الرعب، على أهالي بغداد والمحافظات الجنوبية، إذ أصبحت ألسنة النيران في أغلب الأحياء السكنية، بالإضافة إلى تعرض المنطقة الدولية التي تسمى بالخضراء إلى قصف بأكثر من 40 صاروخا من نوعي الهاون والكاتيوشا.

خلال انسحاب مقاتلي كتائب سرايا السلام التابعة للصدر من موقع احتجاجهم بالقرب من مبنى البرلمان داخل المنطقة الخضراء ببغداد (د.ب.أ)

ضربة إيران الموجعة
قبل تطور الأحداث في بغداد، تلقى الصدر، ضربة موجعة من إيران، بإعلان مرجعه الديني، كاظم الحائري، التنحي من المرجعية الدينية، بسبب المرض والتقدم بالعمر، ومنحها إلى علي خامنئي، رغم الخلافات الكبيرة بين الأخير والصدر في وجهات النظر حول سياسة إيران تجاه العراق.
وقال الحائري، على جميع المؤمنين طاعة الخامنئي فهو الأجدر والأكفأ لقيادة الأمة، متهما مقتدى الصدر بسعيه إلى تفريق الشعب العراقي، وأنه فاقد للاجتهاد وباقي الشرائط في القيادة الشرعية.


الصدر غضب كثيرا، من بيان الحائري، ورده عليه قائلا إن «اعتزاله لم يكن من محض إرادته، وما صدر من بيان عنه كان كذلك أيضا». وهو اتهام كبير بأن من أجبر الحائري الذي يعيش في قم الإيرانية، هو الحرس الثوري الإيراني، وذلك لجعل الصدر تابعا له من خلال التقليد الديني.
بعد استمرار المواجهات لمدة 14 ساعة، رفض الصدر التدخل والرد على اتصالات القيادات الحزبية في العراق، ووفقا لمصادر لـ«المجلة»، فإن «الصدر تلقى اتصالا هاتفيا من زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله، طلب منه إنهاء الاقتتال الشيعي- الشيعي، مقابل تنفيذ طلبات الصدر، التي تتمثل في حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة دون تغيير قانون الانتخابات».


وأضاف أنه وفقا لتعهدات نصر الله، فإن الصدر سحب أنصاره من الشارع وأنهى أزمة الاقتتال الداخلي، خلال نصف ساعة فقط، مبينا أن الصدر قد لا يتدخل في المرة المقبلة، في حال عدم تنفيذ مطالبه من قبل الإطار التنسيقي ونزول أنصاره إلى الشارع.
بعد الاتصال، ظهر الصدر، في مؤتمر صحافي، لمدة 6 دقائق، وهو في حالة عصبية وتوتر، ووصف أنصاره، بأوصاف قاسية جدا، اضطر إلى تفسير بعض المفردات عبر بيانات صحافية لاحقا، قائلا: «بئس الثورة، إذا لم تنسحبوا خلال 60 دقيقة، فلن أكون زعيما للتيار الصدري».

صورة تظهر حجم الدمار بعد اشتباكات عنيفة ليل الأربعاء- الخميس بين مسلحين شيعة في البصرة، العراق (رويترز)

دور القوة الأمنية
وزير الدفاع، جمعة عناد، أكد نظرية أن القوات الأمنية، دخلت حاجزا بين أنصار الصدر والإطار التنسيقي، قائلا إن «مسؤولية القوات الأمنية حماية المتظاهرين والشعب ودخلت حاجزاً لمنع أي صدام».
وأوضح أن «خطة حماية المتظاهرين تضمنت نشر لواء كامل مع تواجد القادة في كل باب من أبواب الخضراء الثلاثة وهذا ما حقق الغرض في ضبط النفس ومنع الاحتكاك».


وأوضح أن «الأحداث الأخيرة في المنطقة الخضراء كانت أشبه بالحرب إلا أن دعوة السيد مقتدى الصدر يوم أمس حقنت الدماء»، موضحا أن «هناك قرارا أوشك على اتخاذه بالتدخل لمنع المواجهات قبل دعوة السيد الصدر بالانسحاب الفوري».


من جهته، هدد رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، بالاستقالة من المنصب، في حال عدم إنهاء الأزمة السياسية، التي ستدخل البلاد في دوامة العنف، قائلا: «أحذر من هنا إذا أرادوا الاستـمرار في إثارة الفوضى والصـراع والخلاف والتناحر وعدم الاستماع لصوت العقل سأقوم بخطوتي الأخلاقية والوطنية بإعلان خلو المنصب في الوقت المناسب حسب المادة 81 من الدستور، وتحميلهم المسؤولية أمام العراقيين، وأمام التأريخ».
وأضاف أن «كل قطرة دم سببها الفشل السياسي المزمن، وهذا الاستسلام للغة المغانم والتحاصص وضعف الانتماء الوطني».


الصدر، الذي أنهى الأزمة، خلال دقائق، وجنب البلد اقتتالا داخليا، رحبت الأطراف الدولية بقراره، ووصفته بالحكيم، ولكن جوابه، من قبل الإطار التنسيقي وتحديدا من قبل رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس ميليشيا عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، بضرورة محاسبة أنصار الصدر الذين يريدون اختطاف الدولة، وطالبا بعقد البرلمان في أقرب وقت وتشكيل حكومتهم، متحديا الصدر بذلك.


الخزعلي قال: «ما حدث هو انتشار مجاميع مسلحة في غالبية محافظات الوسط والجنوب، وهذه المجاميع استعملت مختلف أنواع الأسلحة وأرعبت المواطنين».


وأضاف أن «القوات الأمنية وجهت بخلاف واجبها من أجل خلق الفوضى وذلك لإعطاء ذريعة لاستمرار الحكومة الحالية ولكن لم يحصل ما كان يُخطّط لهُ الأعداء بسبب الحصانة المجتمعية وَوَعي الشّعب».  
وأكد أن «قادة الحركات الذين أحرقت مقراتهم التزموا الصبر والتروي والحكمة وفوّتوا الفرصة على الأعداء»، لافتاً إلى أنه «من الضروري الالتزام بأوامر المرجعية، لأنّها الأعرف والأبصر، ولو أخذ كل شَخص ما تأمر به المرجعية لما حَصَل ما حَصَل بالأمس».
وعدّ الخزعلي أن «القضية أصبحت أكبر من خلاف سياسي فقد وَصَلَت إلى تهديد حياة الناس، وأن تطبيق القانون يَعني ضمانة عَدَم مُخالفة القانون والجماعة التي لا تُحاسَب لخرقها القانون تعاود خَرقه».


وشدد على أن «عقد جلسة البرلمان وتشكيل الحكومة هي المسألة التي ستقطع نزاع القوم وهي الحل الجذري».
رد الصدر على الخزعلي والمالكي، في بيان صحافي غاضب، قائلا: «لم أستغرب ولا طرفة عين من مواقف الإطار التنسيقي الوقح ولا من ميليشياته الوقحة، حينما يعلنون وبكل وقاحة متحدين الشعب برمته وبمرجعيته وطوائفه بأنهم ماضون بعقد البرلمان لتشكيل حكومتهم الوقحة وما زال دم المعدومين غـدرا من المتظاهرين السلميين وبطلقات ميليشياتهم القذرة لم يجف».


وأضاف: «تلك ثلةٌ عشقت الفـساد والمال والرذيلة وتغذت عليها كالدابة التي تغذت على العذرة فما عادت صالحة حتى للأكل.. عَشِقت الفـساد الذي تتغذى وتنمو قوتها منه ولم تحاول ولو لمرة واحدة كشف ملف فساد واحد وكأنهم معصومون».
وذكر الصدر، مخاطبا إيران: «هذا ندائي للجارة إيران أن تكبح جماح بعيرها في العراق وإلا فلات حين مندم».

رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر خلال الخطاب الذي ألقاه من مدينة النجف المقدسة وسط العراق في 30 أغسطس 2022 (أ.ف.ب)

تجدد التوتر في البصرة
وقد تجدد التوتر فجر أمس الخميس في محافظة البصرة، بين أنصار الصدر، والإطار التنسيقي، عندما اغتيل أحد أتباع الصدر، إذ قام أنصار الصدر بالسيطرة على بعض مناطق المدينة، والوصول إلى القصور الرئاسية التي توجد فيها هيئة الحشد الشعبي، مما أدى إلى مقتل وإصابة 4 أشخاص، كما استهدفت حسينة بصاروخ هاون تابعة لرئيس تيار الحكمة عمار الحكيم جنوبي بغداد.
من جهة أخرى، قال رئيس التفكير السياسي، إحسان الشمري، لـ«المجلة»، أن «خطاب الإطار التنسيقي، يمثل تصعيدا للأزمة وليس حلا، خصوصا أنه يريد تشكيل حكومة نفس النهج السابق، المتمثل بالمحاصصة والذي بدأ له رفض كبير من قبل الشعب العراقي»، مشيرا إلى أن «الاعتصامات حول البرلمان ستتجدد إذا بقي الإطار التنسيقي بهذا النهج».


وأضاف أن «زعيم التيار الصدري، حقن الدماء، وتحسب له، خصوصا أن ارتدادات الحرب ستكون في جميع الطوائف، ولن تتوقف عند طائفة واحدة»، مؤكدا أن الإطار التنسيقي، يرى أن ما جرى هو جزء من الصراع السياسي، ونجحوا في تقويض حكومة الأغلبية السياسية وأفشل تحالف إنقاذ الوطن.


وبين أن الظرف العراقي حساس للغاية، وعدم معالجة الأزمة، سيكبد البلد ثمنا كبيرا، ولذلك يتطلب حلا من خلال الذهاب لانتخابات مبكرة، وإجراء لقاء بين الإطار التنسيقي والتيار الصدري، حسب دعوة رئيس الجمهورية، برهم صالح، موكدا أن الإطار التنسيقي ليس كتلة واحدة، وإنما يمين الإطار يمثله المالكي والخزعلي ووسط ويسار الإطار يمثله هادي العامري والعبادي.
وأشار إلى أن العامري والعبادي يذهبان نحو حل الأزمة، بينما يمين الإطار يذهب نحو تصعيد الأزمة، مبينا أن استقالة الكاظمي ستعقد الأزمة أيضا وستحرج الإطار التنسيقي حيث سيبدو وكأنه لا يريد حلها.