هل يتحاور السوريون على وقع التوجه التركي المستجد؟

مر ما يقارب الشهر على إعلان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن لقائه بوزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد، ودعوته لإجراء مصالحة بين النظام والمعارضة التي أثارت غضب السوريين، فخرجت مظاهرات في عدد من المدن السورية التي تقع تحت سلطة الحكومة التركية أو وكلاء عنها.

حاولت تركيا امتصاص موجة الغضب؛ مرة بإصدار إيضاحات، ومرة بتعديل ترجمة كلام الوزير، إلا أن سياق الأحداث يؤكد أن ما قاله الوزير هو  تعبير عن التوجه التركي الرسمي وليس زلة لسان، بل إنه السياق الطبيعي للسياسة التركية في سوريا منذ أن بدأت شراكتها مع كل من إيران وروسيا في مسار آستانة وتبنت نتائج مؤتمر سوتشي بديلا عن بيان جنيف واحد، والقرار الدولي 2254، فاختفى الحديث عن شروط الانتقال السياسي واقتصر عمل المعارضة على عمل اللجنة الدستورية.

وبدل أن تنتفض المعارضة الرسمية على التوجه التركي أو تعترض عليه، وبدل أن تنشغل بإيجاد بدائل، انشغلت بخلق معارك وهمية من خلال تسريبات ونشر محاضر ومن ثم نفيها واستنكار ما جاء فيها، فباتت عن حق وكأنها الناطق الرسمي باسم الحكومة التركية ولكن باللهجة السورية، وصار شاغلها بأقسامها الثلاثة، ائتلاف وحكومة مؤقتة وهيئة تفاوض، لا التسويق للتوجه التركي فحسب، بل التلاعب بالكلام بتصريحاتها بما يتعلق بالقرارات الدولية لجهة تخدم مساري آستانة وسوتشي مع تخلٍ تامٍ عن نص وجوهر بيان جنيف والقرار الدولي 2254.

وإن كان التوجه التركي للمصالحة مع نظام الأسد أمرا يخص الدولة التركية من منطلق أولوياتها وما ترى الحكومة التركية أنه يحقق مصالحها وأمنها القومي، فإن المرفوض وغير المفهوم هو توجه المعارضة السورية إلى القبول بالرؤية التركية والسير فيها بل وتسويقها عند الشارع السوري.

وإذا ما أقررنا بأن ما بقي من هذه الأجسام المعارضة لم يعد يمثل أكثر من توجهات ومصالح الدول الداعمة لهم ولشخوصهم وعلى رأسهم تركيا، فإن السؤال البديهي هو:

من يمثل الثورة السورية وحقوق عشرات الملايين من السوريين الذين انتفضوا على نظام الأسد؟

وإن كان الإحباط بسبب الظروف الإقليمية والدولية في السنوات الأخيرة هي من منعت السوريين من التحرك، فاليوم مع المحاولات المستمرة لإنهاء القضية السورية وتحويلها إلى نزاع بين متخاصمين ينتهي بالصلح، صار من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن يعود السوريون ليمسكوا بزمام المبادرة، وأولى المبادرات قد يكون الحوار السوري- السوري، والسوري العربي- السوري الكردي. فكلا الطرفين متضرر مما يحصل، وإن كان البعض يظن أن الجانب الكردي فقط وتحديدا قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هي من سيدفع ثمن المصالحة بين تركيا ونظام الأسد فهو واهم، فصحيح أن اندفاعة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لمصالحة الأسد جاءت بعد نصائح روسية لللتنسيق مع النظام السوري لحل مسألة وجود قوات سوريا الديمقراطية على حدود تركيا، وهو ما ترى فيه أنقرة تهديدا لأمنها القومي، إلا أن القضية السورية هي من سيدفع الثمن الأغلى لهذا التقارب ما لم تبادر المعارضة الوطنية وتجمع صفوفها وتتصرف على أنها «أم الصبي».

ودون أن ننكر أن ثمة تجاوزات قامت بها «قسد»لا يمكن القبول بها والسكوت عنها، وخصوصا لجهة تجنيدها الأطفال للقتال وقمعها لمعارضين سياسيين عرب وأكراد ورفضها إطلاق سراحهم كما لرفضها فك ارتباطها بحزب العمال الكردستاني، كذلك فإن تجاوزات بعض الفصائل المنضوية تحت ما يسمى «الجيش الوطني»الموالي لتركيا لا يمكن القبول بها أو السكوت عنها، ولكن ألا تقتضي المصلحة الوطنية العليا ومصلحة سوريا وثورتها فتح حوار جدي وصريح بين الطرفين يجيب على هواجس الجميع، هواجس السوريين العرب من نية الأكراد بالانفصال عن سوريا، وهواجس السوريين الكرد من إنكار الطرف الآخر لحقوقهم الثقافية والقومية واستمرار النزعة الإقصائية في التعامل معهم؟

في الحقيقة لا يبدو أمام الطرفين الكثير من الخيارات، فإما الرضوخ والاستسلام لما سينتج عن المصالحة بين تركيا ونظام الأسد والتي سيدفع ثمنها الجميع، وإما فتح حوار جريء وصريح يبدأ بإجراءات بناء ثقة كانت تبدو حتى لحظة قريبة معدومة بين الطرفين.