المفاعلات النووية خلال الحروب والنزاعات... مخاطر تهدّد البشرية

قلق دولي بسبب مفاعلات «زابروجيا» الأوكرانية
روسيا تسيطر على «زابروجيا» أكبر محطة نووية في أوروبامنذ مارس الماضي «رويترز»

بون: تشكل حرب أوكرانيا تهديدًا للأمن الدولي ولأمن المفاعلات النووية في أوكرانيا. لقد كان الغزو الروسي إلى أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022 أمراُ مروعاُ لأسباب عديدة، أقلها احتمالية توجيه ضربة عسكرية إلى مفاعلات الطاقة النووية الأوكرانية البالغ عددها 15 ومجمعات الوقود النووي، وتهديد بتسرب أشعاع نووي.


أظهرت أزمة أوكرانيا أن الحروب والمفاعلات تشكل مزيجًا خطيرًا، وتثير أسئلة مقلقة لصراعات أخرى محتدمة حول العالم: إسرائيل وإيران، والصين وتايوان، وكوريا الشمالية والجنوبية، ودول أخرى، تمتلك جميعها محطات طاقة أو أسلحة نووية كبيرة، وجميعها معرضة لخطر الحرب.
وكان الاتفاق العالمي الأساسي الذي يهدف إلى معالجة هذه المسألة هو البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 أغسطس (آب) 1949، والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية (البروتوكول الأول)، 8 يونيو (حزيران) 1977 («البروتوكول الإضافي»)، وهو غامض جدًا وغير فعال. السبب، أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تحرز تقدمًا يذكر في إقناع مؤتمر نزع السلاح، المنتدى العالمي للحد من التسلح لتبني بروتوكول جديد.


إن الصكوك القانونية الدولية الرئيسية التي يتم اعتمادها تحت رعاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية (CPPNM) وتعديلها لعام 2005، وكذلك مدونة قواعد السلوك لأمان المصادر المشعة وأمنها مع التوجيهات التكميلية الخاصة بها. دخلت اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية حيز النفاذ في 8 فبراير (شباط) 1987 وهي تحدد تدابير الحماية المادية التي يتعين تطبيقها على المواد النووية في النقل الدولي وكذلك التدابير المتعلقة بالجرائم الجنائية المتعلقة بالمواد النووية. اعتمدت الأطراف في الاتفاقية بالإجماع تعديلاً على اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية، والذي دخل حيز التنفيذ في 8 مايو (أيار) 2016. الاتفاقية والتعديل هما الصكان الدوليان الوحيدان الملزمان قانونًا في مجال الحماية المادية للمواد النووية.

الدبابات الروسية أمام مدخل محطة تشيرنوبل (غيتي)


اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارين، لمواجهة خطر الإرهاب النووي والانتشار النووي. ويدعو القراران 1373 (2001) و 1540 (2004) إلى التعاون الوطني والإقليمي والدولي لتعزيز الاستجابة العالمية لهذه التحديات والتهديدات للأمن الدولي.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية
أنشأت الجمعية العامة بموجب قرارها الأول لجنة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة للتعامل مع المشكلات التي يثيرها اكتشاف الطاقة الذرية. وأدى الخطاب التاريخي الذي ألقاه رئيس الولايات المتحدة أيزنهاور في عام 1953 بعنوان «الذرة من أجل السلام» إلى إنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية(IAEA)  في عام 1957.


تعمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع دولها الأعضاء والعديد من الشركاء في جميع أنحاء العالم لتعزيز الاستخدام الآمن والسلمي للتكنولوجيات النووية. تسترشد علاقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالأمم المتحدة باتفاقية موقعة في عام 1957، وتنص على ما يلي: «تتعهد الوكالة بتنفيذ أنشطتها وفقًا لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة لتعزيز السلام والتعاون الدولي، وبما يتماشى مع سياسات الأمم المتحدة التي تعزز إقامة ضمان نزع السلاح في جميع أنحاء العالم وبما يتماشى مع أي اتفاقات دولية يتم الدخول فيها عملاً بهذه السياسات». واعتبارًا من عام 2021، تعمل 32 دولة حول العالم على 443 مفاعلًا نوويًا لتوليد الكهرباء و55 محطة نووية جديدة قيد الإنشاء.

العمر الافتراضي للتابوت الإسمنتي حول مفاعل تشيرنوبل ينتهي العام القادم (غيتي)

القانون الخاص بالمفاعلات النووية
(القانون النووي ص1-27Cite) تلعب الوكالة الدولية للطاقة الذرية دورًا فريدًا في تطوير وتنفيذ القانون النووي الدولي. القانون تناول النظام النووي وأركانه الأربعة، وهي: الأمان والأمن والضمانات والمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية وأخذ في الاعتبار التطبيقات السلمية الحالية والناشئة للعلوم والتكنولوجيا النووية مثل المفاعلات المتقدمة والاندماج النووي.


يتناول القانون النظام الدولي للسلامة النووية وفق اتفاقية الأمان النووي (CNS)، الهامش رقم 6 المعتمدة في عام 1994، تجدر الإشارة إلى أن الموضوع الهام المتعلق بأمان محطات الطاقة النووية بما في ذلك مرافق التخزين والمناولة والمعالجة المرتبطة مباشرة بالعملية. ويتناول الهامش رقم 7 نهاية دورة الوقود النووي وغيرها من النفايات المشعة. واعتبرت جميع البلدان التي تعمل في مجالات المفاعلات النووية أطرافا معنية، اعتبارا من مارس (آذار) 2021.

الحماية الخاصة للمنشآت الحساسةـ توليد الكهرباء النووية
دفعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتقديم «مشروع للحد من الأخطار التي يتعرض لها السكان المدنيون في زمن الحرب»، التي أعدتها بحلول عام 1956، المادة 2 ثم المادة 17 بشأن الحماية الخاصة للمنشآت تحتوي على قوى خطرة. وفقًا للمشروع، كان على الدول أن تسعى في أوقات السلم الخاصة إلى اتفاقيات منح الحصانة العامة، طوال مدة النزاعات المسلحة، لمنشآت مثل السدود والمحطات الكهرومائية التي تخدم الأغراض السلمية حصراً. كان من المقرر أن يبرم اتفاقات منفصلة في وقت الحرب لتوفير حماية خاصة للمنشآت التي كانت وستبقى غير مرتبطة كليًا بالعمليات العسكرية. واتخذت اللجنة الدولية تمديد المشروع ليشمل قائمة المنشآت التي تحتوي على قوى خطرة وعلى محطات توليد الكهرباء النووية.

ما هي المخاطر التي يتعرض لها المفاعل النووي في منطقة الصراع؟
أنشات الدول محطات الطاقة النووية للعمليات في وقت السلم، وليس الحروب. وإن أسوأ السيناريوهات المحتملة هو إذا تعرضت المفاعلات إلى قصف عسكري من قبل أطراف النزاع. فإذا أصابت قذيفة حوض الوقود المستهلك بالمحطة- والذي يحتوي على الوقود المستهلك الذي لا يزال مشعًا- أو إذا انتشر الحريق إلى حوض الوقود المستهلك، فقد يطلق إشعاعًا. خزان الوقود المستهلك هذا ليس في مبنى الاحتواء، وبالتالي فهو أكثر عرضة للخطر. يذكر أن مباني الاحتواء، التي تضم مفاعلات نووية، ليست محمية من القصف، والتي تم تصميمها لتحمل انفجار داخلي طفيف، على سبيل المثال، لأنبوب ماء مضغوط، لكنها ليست مصممة لتحمل انفجار هائل.


 السيناريو الأسوأ هو أن صاروخا خارقا للتحصينات يخترق قبة الاحتواء- التي تتكون من قشرة سميكة من الخرسانة المسلحة أعلى المفاعل تؤدي إلى انفجار الموقع وسيؤدي ذلك إلى إتلاف المفاعل النووي بشدة وإطلاق الإشعاع في الغلاف الجوي، مما ينتج كارثة دولية.

مفاعلات زابروجيا
يتطلب مصنع زابروجيا (Zaporizhzhia)، مثل جميع المفاعلات، وقودا مشعا ساخنا للغاية، طاقة كهربائية ثابتة للتبريد حتى عند إغلاقه. عندما تعطل شبكة الكهرباء ويكون المفاعل في حالة انقطاع التيار الكهربائي، توجد مولدات ديزل وبطاريات احتياطية، ولكن لا يمكن ضمان موثوقيتها على مدى فترة زمنية أطول. هناك مشكلات مستمرة لم يتم حلها مع مولدات الديزل للطوارئ في مفاعلات زابروجيا، والتي تحتوي على مخزون وقود تقديري في الموقع لمدة سبعة أيام فقط.


أفادت البيانات الرسمية لعام 2017 أنه في مفاعلات زابروجيا كان هناك 2204 أطنان من الوقود المستهلك عالي المستوى 855 طنًا منها كانت في مجمعات وقود مستنفد. وبدون التبريد النشط، فإنها تخاطر بارتفاع درجة الحرارة والتبخر إلى درجة يمكن أن تشتعل فيها الكسوة المعدنية للوقود وتحرر معظم المخزون المشع. لذا تتطلب زابروجيا، مثل جميع محطات الطاقة النووية العاملة، نظام دعم معقدًا، بما في ذلك الوجود الدائم للموظفين المؤهلين والطاقة، والوصول إلى مياه التبريد وقطع الغيار والمعدات. وكثيرا ما تتعرض أنظمة الدعم هذه لخطر شديد أثناء الحرب.

أطفال يخضعون لفحص طبي بعد كارثة فوكوشيما عام 2011 (رويترز)

حوادث نووية
ـ تشيرنوبيل، أوكرانيا (الاتحاد السوفياتي السابق)، 26 أبريل (نيسان)، 1986، تعتبر تشيرنوبيل أسوأ كارثة نووية في العالم حتى الآن. حدث ذلك في 26 أبريل 1986، عندما أدى الارتفاع المفاجئ في الطاقة أثناء اختبار أنظمة المفاعلات إلى انفجار وحريق دمر الوحدة 4 وتسربت خلالها كميات هائلة من الإشعاع وانتشرت عبر غرب الاتحاد السوفياتي وأوروبا. نتيجة للكارثة، تم نقل ما يقرب من 220.000 شخص من منازلهم.
ـ ميدلتاون، بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأميركية، 28 مارس (مارس) 1979 يعتبر الانهيار الجزئي في(ثري مايل آيلاند) الوحدة 2 أخطر حادث نووي في تاريخ الولايات المتحدة، على الرغم من أنه نتجت عنه انبعاثات مشعة صغيرة فقط.
ـ حادثة وحدة «إنريكو فريمي-1»، ميتشيغان، الولايات المتحدة الأميركية، 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1966 والذي كان بسبب انسداد تدفق سائل التبريد في قناتين من قنوات الوقود وأدى إلى الانهيار الجزئي لمجموعتي وقود في وحدة «فيرمي-1».
ـ حادث محطة فوكوشيما دايتشي، وقعت في 11 مارس (آذار) 2011 في فوكوشيما، اليابان، بعد زلزال هائل 9.0 قبالة سواحل اليابان وما تلاه من تسونامي.

النتائج
ـ إن الخطر الأكبر الناجم عن إصابة المفاعلات بقذيفة أو صاروخ، يكمن في الضرر الذي سيلحق بإحدى طبقات الحماية الخارجية، فقد صُممت المفاعلات لتتحمل قدرا معينا من الضغط الخارجي، وبطبيعة الحال تأثير الذخيرة الحية ليس من العوامل التي يمكن لتلك المفاعلات مقاومتها. وفي حالة تلف غلاف المفاعل أو نظام التبريد، فمن شبه المؤكد حدوث تسرب إشعاعي. هناك أيضا خطر حدوث انفجار نووي أو هيدروجيني.
ـ الوضع في محطة زابروجيا للطاقة النووية مقلق للغاية، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية أخبر مجلس الأمن وسط تزايد المخاوف المتعلقة بالسلامة، وشدد المندوبون على الضرورة الملحة للسماح للخبراء التقنيين بإجراء مهام الأمن والحماية.
وفي هذه التطورات، حذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي مجلس الأمن يوم 11 أغسطس (آب) 2022، في اجتماع بطلب من الاتحاد الروسي وتميزت بدعوات قوية للسماح للخبراء الفنيين للوكالة بزيارة المنطقة لمعالجة مخاوف السلامة المتزايدة. وقد وصل بالفعل فريق تفتيش تابع لوكالة الطاقة الذرية الدولية يوم 30 أغسطس 2022، في مهمة طارئة، إلى محطة زابوريجيا النووية الأوكرانية، رحلة طال انتظارها ويأمل العالم أن تساعد في تجنب كارثة نووية بعد تعرض المحطة للقصف مرات عدة.
ـ إن ما يجري في حرب أوكرانيا، يعتبر تهديدا للأمن الدولي، كون أوكرانيا تضم واحدة من أكبر المفاعلات النووية في أوروبا وهي مفاعلات زابروجيا. وما يزيد قلق دول أوروبا والعالم، هو أن تتعرض المنشآت النووية خلال الحروب والنزاعات إلى أعمال عسكرية عدوانية منها قصف المواقع أو قطع التيار الكهربائي عن المولدات الكهربائية، بقصد أو بغير قصد.
ـ ما زالت روسيا تصعد سقف عملياتها العسكرية في أوكرانيا بالتوازي مع مساعي أوكرانيا باستعادة أراضيها التي احتلتها روسيا جنوب وشرق أوكرانيا أبرزها إقليم الدونباس- خيرسون.
ـ الأخطر أن تكون المنشآت النووية أداة لتصعيد سقف المواجهة في النزاعات الدولية، بعض أطراف النزاع، يمكن أن تقوم بأعمال عسكرية ضد المنشآت النووية، في سبيل جر العالم إلى مناطق الصراع والنزاع، وتوسيع رقعة الصراع وتدويله، وهذا ما يحصل الأن في أوكرانيا.
ـ ما ينبغي العمل عليه هو أن يكون هناك احترام والتزام لأطراف الصراع في أوكرانيا ومناطق نزاع دولية وإقليمية أخرى إلى الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمفاعلات النووية والمنشأت الحساسة، والتي يمكن أن تهدد الأمن الدولي حال تعرضها إلى قصف أو عمليات عسكرية عدائية.
وهنا تظهر أهمية دور وكالة الطاقة الدولية، بالقيام بواجباتها الدورية، وتنفيذ أعمالها في المراقبة الدورية حتى خلال الحروب والنزاعات مقابل أن توفر أطراف النزاع الحماية والتسهيلات لفرق التفتيش للقيام بواجباتها من أجل إنقاذ البشرية من أي كارثة محتملة.