إنه مخطط بونزي

لفتني منذ مدة بعض المقالات والتعليقات التي تنفي عن انهيار لبنان الاقتصادي صفة الاحتيال أو ما عرف بمخطط بونزي. البعض يحمل المسؤولية الكاملة في الانهيار الاقتصادي لحزب الله والبعض الآخر يتهم المؤسسات المالية الدولية بالتواطؤ ضد لبنان، مشيرين إلى أنهم كانوا قبل أعوام يكيلون المديح لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي هو في عين هذه العاصفة.

 

لا يمكن أبدا تجاهل أو نفي أن حزب الله مسؤول بشكل أو بآخر عن الانهيار الاقتصادي اللبناني ولكن هذا جزء من الصورة التي لا تكتمل من دون الرؤية الكاملة لقصة الانهيار.

رمي المسؤوليات على الآخرين من بعض الدول- كالقول إن لبنان يتعرض لحصار اقتصادي- أو اتهام فريق لبناني دون الآخر بأنه سبب الانهيار لا يمكن أن يوضح حقيقة ما جرى ولا يساعد في الخروج من الأزمة.

هذا الكلام يقال في وقت برزت في الصحافة وثائق قضائية من إمارة ليشتنشتاين تطلب تعاون القضاء اللبناني حول علاقة مالية تجمع سلامة بشقيق رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، والسؤال عن تحويلات مالية بين شركتيهما حصلت عام 2016 وصلت قيمتها إلى 14 مليون دولار.

قبل الدخول في تفاصيل مخطط البونزي وأسباب الانهيار الاقتصادي كان يمكن لأي مراقب غير متخصص بعلوم الاقتصاد أن يشعر بأن لبنان كان يعيش فوق طاقاته نظرا لمدخوله. من هذه المشاهدات مثلا وجود مساعدات منزلية تقريبا في أغلب البيوت اللبنانية، استيراد وبيع سيارات جديدة بشكل كبير مع حجم السوق اللبناني، الحفاظ على سعر صرف الدولار عند عتبة الـ1500 ليرة على مرّ السنين، وإلى ما هنالك من مشاهدات لم تكن تتلاءم مع بلد خدمة الدين القومي فيه تعدّت 170 في المائة من الناتج القومي في العام 2019 وهذا كارثي على الاقتصاد والبلد.

 

كيف كان يعمل مخطط البونزي الذي نُفذ في لبنان لسنوات؟

كانت البنوك التجارية تتلقى عملات أجنبية من الدولار واليورو على شكل ودائع مصرفية من تحويلات المغتربين اللبنانيين والسياحة وقطاع تصدير متواضع جدا ومن عمليات تبييض الأموال. كان يتم تحويل هذه الودائع إلى مصرف لبنان في شكل ودائع مصرفية تجارية. كانت هذه الودائع تستعمل لدفع قيمة الواردات ودعم الإنفاق الحكومي وفوائد على الودائع بالدولار والديون بالدولار.

كان الهيكل مدعوماً بسعر صرف ثابت قدره 1507.5 ليرة لبنانية للدولار. أعطى هذا للجميع ثقة بالليرة وقوتها وبالتالي قلل من الطلب على سحب الدولار.

بدأ الضغط على مخطط بونزي بعد 2011. وارتفعت قيمة الدولار وزاد الطلب عليه على سعر الصرف الاصطناعي. ليسد لبنان هذه الفجوة بين السعر الاصطناعي والسعر الفعلي قام بإصدار سندات أوروبية أو ما يعرف باليوروبوندز وتم الطلب من البنوك التجارية اللبنانية الإقدام على شرائها باستخدام عائدات ودائعها الدولارية. كل هذا بدا جيدا على دفاتر البنوك ولم يعكس حقيقة  أن الدائن  كان ضعيفًا لا يمكنه تحمل الفجوة بين سعر الصرف الاصطناعي وذاك الحقيقي.

فعليا بدأ الانهيار بعد عام 2014. عندما انهار سعر النفط من 100 دولار للبرميل إلى 24 دولارًا من منتصف عام 2014 إلى أوائل عام 2016. وبما أن العديد من اللبنانيين يعملون في الدول المنتجة للنفط، مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية ونيجيريا وغانا بدأت التحويلات المالية في الانخفاض.

أمام هذا الواقع زاد مصرف لبنان من وتيرة قروض السندات الدولية، بإصدارات جديدة بقيمة 3 مليارات دولار من أبريل (نيسان) إلى مايو (أيار) 2016 كما قام رياض سلامة بوضع مخطط «الهندسات المالية» فقدم مصرف لبنان أسعار فائدة أعلى من السوق على الودائع بالدولار للبنوك التجارية؛ كما عرضت الأخيرة على زبائنها معدلات مرتفعة لتشجيعها على تحويل مدخراتها إليها. هذا الانزلاق استمر بوتيرة سريعة حتى انفجرت الأزمة عام 2019 وانكشف حينها مخطط البونزي.

ببساطة أسباب انهيار مخطط البونزي تتلخص في التالي: انخفاض قيمة الأموال الآتية من الخارج بكل أشكالها، تحويلات، تبييض عملة من قبل حزب الله، المدخول من السياحة، مساعدات الدول الخليجية، بشكل لم يعد يستطيع لا البنك المركزي ولا البنوك التجارية تغطية ازدياد الطلب عليها لأنها لا توجد في صناديقها.

هذا ما حصل في لبنان، وهو ينطبق عليه وصف مخطط بونزي الاحتياطي. خسرت الناس مدخراتها ودخل لبنان في أزمة من الصعب جدا أن يخرج منها في المدى المنظور.

والسؤال: من المسؤول في هذه الحالة؟

الدولة طبعا وبشكل أساسي والتي فشلت في الاستفادة من تدفقات الأموال من الخارج لبناء اقتصاد يوازي بين الريع والإنتاج. وظلت وتيرة الفساد والهدر على حالها حتى عندما بدأت تجف مصادرها. أما الاستثمار في المحنة من قبل بعض الدول لأهداف سياسية منها النيل من حزب الله مثلا فلا يمكنه أن يعفي بأي شكل من الأشكال مسؤولية الدولة وحكامها عن المأساة الاقتصادية التي حلّت بالبلد وناسه أو عن المخطط الاحتيالي الذي اتبعوه منذ عقود.

ما حصل في لبنان كان من دون شك مخطط بونزي ظن أصحابه أنه لن ينكشف ما دام تدفق الأموال الآتية من الخارج لم يتوقف.. وهنا كل المشكلة.