محلل اقتصادي: الأزمة السياسية في العراق أدت لتراجع القدرة الشرائية وزيادة التضخم

بغداد:تستمر الأزمة السياسية العراقية التي تقترب من دخول شهرها الحادي عشر على التوالي، وسط احتدام التصعيد السياسي والإعلامي بين طرفي الأزمة، خاصة في ما يتعلق بمسألة حل البرلمان والذهاب لانتخابات مبكرة، أو تشكيل حكومة مؤقتة، وهذا ما انعكس بدوره سلباً على الاقتصاد العراقي الذي يُعاني أساساً من مشاكل بنيوية. وعلى الرغم من ذلك، فقد سجل العراق مؤشرات اقتصادية إيجابية حيث توقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد العراقي بنسبة 9.5 في المائة خلال العام الجاري ليكون الأعلى عربيا.

وللاطلاع أكثر حول أثر الأزمة السياسية على الاقتصاد العراقي، أجرت «المجلة»حوارا مع  الخبير الاقتصادي صالح الهاشمي.

 

* كيف أثرت الأزمة السياسية المستمرة على الاقتصاد العراقي؟

- العراق يُعاني من مشكلة أساسية تتمثّل في أن الاقتصاد في يد الدولة، وبالتالي فإن أي خلل بالمنظومة السياسية والمنظومة الادارية يتوقف الاقتصاد في البلاد، خصوصاً        أنه مرتبط بشكل مباشر بموازنة الدولة. وبما أن العراق لم يضع موازنة لعام 2022 فقد عانى من مشكلة الإنفاق الحكومي الذي بات متقشفا، ولهذا السبب تراجعت القدرة الشرائية للمواطن العراقي وكذلك أدت إلى ارتفاع نسبة التضخم بحيث ارتفعت بنحو 70 في المائة من عام 2020 إلى 2022 ولا سيما في مجال الإسكان، وفي بعض المواد وصلت إلى 50 في المائة وفي مواد أخرى إلى 150 في المائة.

وكل ذلك بسبب توقف المشاريع الحكومية والإنفاق الحكومي، وكذلك عدم وجود خطط ومشاريع، فضلاً عن توقف البرلمان المخول بحل هذه المشاكل، ولا سيما مشكلة ارتفاع الأسعار العالمية، وهذا ما زاد من خط الفقر والبطالة.

فالحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال لا تمتلك صلاحيات كاملة، وتقوم فقط بتسيير الأعمال اليومية مثل صرف الرواتب ومتابعة الأعمال اليومية، ولا يحق لها اتخاذ القرارات الاستراتيجية.

 

*في ظل المشهد السياسي الحالي، كيف يمكن تفسير توقعات صندوق النقد الدولي؟

- تقرير صندوق النقد الدولي تناول الجانب المالي وليس الاقتصادي، فنتيحة ارتفاع أسعار النفط حققنا وفرة مالية. ولكن في المقابل، ثمة غياب تام للأنشطة الاقتصادية. فالوفرة المالية لا يمكن إنفاقها لأن العراق لا يمتلك حكومة كاملة الصلاحيات، كما أن عدم وجود موازنة يمنع الاستفادة منها.

معظم المشاريع التي تطرق لها صندوق النقد الدولي لم تُستكمل بسبب عدم وجود ميزانية، فالنمو جاء في الوفرة المالية فقط في حين أن زيادة الضرائب والرسوم التي فرضتها الحكومة لعام 2021 توقفت في العام الجاري بسبب تصارع الكتل السياسية على إلغاء الضرائب والرسوم على بعض الفئات والتجار لحصد الأصوات الانتخابية.

 

*لماذا لم تنعكس الوفرة المالية على القدرة الشرائية للعراقيين؟

- الوفرة المالية باتت متكدسة في المصارف ولا يمكن إنفاقها لعدم وجود قانون يسمح للحكومة بالإنفاق. فالعراق يعمل اليوم وفق موازنة تقوم على إنفاق يوازي ما تم إنفاقه في العام الفائت، وأي إنفاق يفوق ذلك يُعتبر مخالفة قانونية ويؤدي إلى مشكلة سياسية. فسبب عدم وجود موازنة يعود إلى الأزمة المتصلة بعدم وجود برلمان. وبالتالي، يمكن أن يظهر هذا النمو عند حل هذه الأزمة وعودة البرلمان للعمل وتشكيل حكومة، وربما حينها يزداد النمو على 5 في المائة.

 

*لماذا يغيب دعم القطاعات الإنتاجية في العراق؟

- المشكلة في الموازنة أنها تشغيلية أكثر منها استثمارية، فهذه الأخيرة لا تتجاوز 20 إلى 25 في المائة، وخلال ولاية حكومة حيدر العبادي حاولوا رفع الموازنة الاستثمارية إلى 35 في المائة ولكن شهدنا انخفاضا في أسعار النفط وهذا ما أثر سلباً على الموازنة.

وتُحاول الحكومات رفع الموازنة الاستثمارية داخل الموازنة العامة، إذ إن ذلك من شأنه أن ينعكس على المشاريع في البلاد. كما أن العراق يحتاج إلى جملة من التشريعات لظهور قطاع خاص فاعل وليس قطاعا خاصا تابعا كما هو موجود حالياً.

 

* ما المشكلة الأساسية التي تعترض الاقتصاد العراقي؟

- المشكلة الأبرز هي عدم وجود رؤية واستراتيجية واضحة وخطة طويلة الأمد، فلو وجدت هذه الخطة كان يمكن أن تقوم الحكومات المتعاقبة بتطبيقها بصرف النظر عن الأزمات التي يشهدها العراق. فالحكومات ما زالت تعمل وفق خطط سنوية قصيرة الأمد.