سجون الحوثي... مقابر للموتى

على المجتمع الدولي إنقاذ الضحايا من موت محقق
مساجين في أحد السجون التابعة للحوثيين في صنعاء

باكو: ليس جديدًا الحديث عن الانتهاكات الحقوقية التي تمارس ميليشيا الحوثي الانقلابية، إذ تطالعنا كل صباح أخبار وتقارير عن انتهاك جديد بحق أبناء الشعب اليمني في ظل صمت دولي مخجل يؤكد على أن المصالح هي العنصر الحاكم في تفاعلات العلاقات الدولية وأن شعارات حقوق الإنسان وحمايتها تظل اللافتة التي تحاول عديد الأطراف رفعها ذرا للرماد في العيون ونوعا من غسل الأيدي من جرائم ترتكبها التنظيمات الإرهابية التابعة للدولة الإيرانية في بعض دول المنطقة في ظل مساومات تُجرى اليوم بين طهران وبعض العواصم الأوروبية والولايات المتحدة أملا في التوصل إلى إعادة إحياء اتفاق ولد حينها ميتا، إلا أن إصرار الإدارة الديمقراطية في البيت الأبيض على أن تثبت للجميع صحة توجهها بشأن كيفية التعامل مع لاعب إقليمي يسعى إلى تعميق امتداداته وتوسيع نفوذه وتغلغله في الشؤون الداخلية لدول المنطقة على حساب أمنها واستقرارها، رغم أن الواقع أثبت فشل هذا التوجه الأميركي، حتى باتت شعوب المنطقة هي من تدفع أثمان الإصرار الأميركي غير المبرر إلا بما يحقق مصالحها الآنية دون النظر لمصالحها الجيواستراتيجية مع حلفائها التقليديين. 


وبعيدا عن مآلات المحاولات المستمرة لإحياء هذا الاتفاق النووي والتي من شأنها أن تصاب بخيبة أمل جديدة، يظل سجل جماعة الحوثي كأحد أذرع طهران في اليمن، سجلا مليئا بالانتهاكات الحقوقية بدءا من تخريب مؤسسات الدولة اليمنية، مرورا بالاعتداءات اليومية والهجمات الإرهابية التي يروح ضحيتها أبرياء من اليمنيين، وصولا إلى ما كشفته التقارير الدولية والإقليمية والمحلية عما يعانيه اليمنيون في سجون هذه الميليشيا الانقلابية، وهو ما يرصده هذا التقرير من خلال محورين لتسليط الضوء على حجم المعاناة التي يعيشها الشعب اليمني تحت هيمنة الجماعة الحوثية، وذلك على النحو الآتي: 

تقارير دولية ومحلية
ليست مبالغة القول إن عديد التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات دولية وإقليمية ومحلية رصدت بشكل دقيق حجم المعاناة التي يعيشها الشعب اليمني في سجون جماعة الحوثي، وهو ما يمكن رصد أبرزها:


أصدر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في أوائل يناير (كانون الثاني) 2021، تقريرًا مفصلًا حمل عنوان «تمنيت الموت» وجاء في نحو 40 صفحة، يوثق الانتهاكات القاسية التي يتعرض لها الأسرى داخل السجون التي تديرها جماعة الحوثي في اليمن، حيث ذكر أن الاعتداءات الحوثية بأنواعها والإهانات وتهديد أهالي المعتقلين جزء رئيسي من أدوات التعذيب، موضحا أساليب الاختطاف وأشكال التعذيب غير القانونية التي تنتهجها جماعة الحوثي، وكاشفا عن مواقع سرية تستخدمها الجماعة لاحتجاز وتعذيب المدنيين بمناطق سيطرتها في عدة محافظات يمنية، مؤكدا على أن منهجية التعذيب الحوثية أدت إلى عاهات مستديمة مع آثار صحية مدمرة وكذلك وفاة عشرات المخطوفين تحت التعذيب بالضرب على الرأس وبالحروق، مستندا إلى مقابلات أجراها مع بعض المحررين من سجون الحوثيين، وكاشفا في الوقت ذاته عن أن أولى مهام الميليشيا عند سيطرتها على أي منطقة تكمن في بناء سجون جديدة، مقدرا عدد السجون الحوثية بأكثر من 200 سجن وزنزانة ومعتقل ومسلح للتعذيب في المحافظات التي تسيطر عليها؛ ومن أخطرها: السجن السياسي وسجن هبرة والسجن المركزي، وهي سجون ومعتقلات غير لائقة لافتقارها لأدنى المواصفات والمعايير القانونية للسجون.

في سبتمبر 2021 أعدمت جماعة الحوثي تسعة أشخاص بعد سنوات من الاعتقال والتعذيب (أ.ف.ب)


تقرير فريق الخبراء المعني باليمن التابع للجنة مجلس الأمن بحق ميليشيات الحوثي، والذي قُدمت نسخة منه للمجلس في 25 يناير 2022، وثق خطف واغتصاب وتلفيق اتهامات بحق اليمنيين، حيث استشهد بتسع حالات قام فيها الحوثيون باختطاف واحتجاز نساء ناشطات سياسياً أو مهنياً، بسبب معارضتهن لآرائهم الآيديولوجية أو توجههم السياسي.
أصدر تكتل «8 مارس من أجل نساء اليمن» بالتعاون مع عديد المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية تقريرا في فبراير (شباط) 2021، بعنوان «سجون الحوثي مقابر النساء»، وثق الانتهاكات التي ارتكبتها جماعة الحوثي ضد النساء خلال الفترة (ديسمبر 2017 إلى ديسمبر 2020)، حيث أشار إلى أن عدد المعتقلات بلغن 1181 معتقلة، منهن: 274 حالة إخفاء قسري، و292 معتقلة هنّ من الناشطات والحقوقيات ومن قطاع التربية والتعليم، و246 حالة من العاملات في المجال الإغاثي والإنساني. كما وثق التقرير 71 حالة اغتصاب و4 حالات انتحار. ومن حيث الفئة العمرية للمعتقلات، بلغ عدد المعتقلات تحت سن 18 أكثر من 293 حالة، بالإضافة إلى توثيق عشرات الحالات لأطفال من الذكور والإناث تم احتجازهم مع أمهاتهم المعتقلات. 


رصدت وزارة حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية، في أواخر عام 2021 تعرض 1635 حالة للتعذيب، وأكثر من 350 حالة قتل تحت التعذيب، تضمنت 33 حالة تعذيب لنساء مختطفات، تعرضن للتعذيب المفضي للموت في سجون الحوثي.
أصدرت منظمة «مساواة للحقوق والحريات» اليمنية بيانا في يوليو (تموز) 2022 أدانت فيه جريمة وفاة المختطف السابق لدى ميليشيات الحوثي حسين عجيلات متأثراً بالتعذيب الذي تعرض له خلال ثلاث سنوات في سجون الميليشيات بعمران، حيث أشار البيان إلى أن هناك 293 معتقلاً مدنياً قضوا تحت التعذيب في سجون ومعتقلات الميليشيات الحوثية في كل المحافظات الخاضعة لسيطرتها منذ بداية انقلابها على الشرعية منذ سبتمبر (أيلول) 2014، وحتى نهاية يونيو (حزيران) 2022. 


أصدر «التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان» (وهو ائتلاف حقوقي عريض من عديد المنظمات غير الرسمية) في تقريره في يونيو 2022 أن فريقه وثق تعرض 1635 مختطفاً للتعذيب في سجون ميليشيات الحوثي بينهم 109 أطفال و33 امرأة و78 مسناً، موزعين على 17 محافظة يمنية، تعرضوا خلاله للتعذيب النفسي والجسدي، وهو ما أسفر عن إصابة بعضهم بشلل كلي أو نصفي، والبعض الآخر بأمراض مزمنة وفقدان للذاكرة وإعاقات بصرية وسمعية. فضلا عن تعرض 208 مختطفين آخرين لأشد وأقسى أنواع التعذيب المفضي إلى الموت، بينهم 8 أطفال و9 نساء و15 مسناً، منهم من فارق الحياة داخل الزنازين تحت التعذيب بالصعق الكهربائي والضرب والخنق، والبعض الآخر توفي نتيجة الإهمال وتدهور حالتهم الصحية في ظل الحرمان المستمر من تلقي العلاج، إضافة إلى تعرض عدد من المختطفين للتصفية الجسدية سواء داخل سجون الميليشيا أو دفعتهم قسوة وبشاعة التعذيب إلى الانتحار.


كشفت منظمة «سام للحقوق والحريات»، في تقرير لها صدر في يونيو 2022 أن النساء المعتقلات في سجون جماعة الحوثي يتعرضن لأساليب غير أخلاقية وتعذيب جسدي ونفسي بشع، منها؛ حرمانهن من الشمس، ومن دورات المياه إلا مرة أو مرتين في اليوم، والتحقيق الطويل في ساعات متأخرة من الليل، تعرضهن للصعق الكهربائي، ورش الماء البارد، وقلع الأظافر.

في مايو 2022 أكّدت «الخارجية الأميركية» وفاة أحد موظفيها في سجون الحوثي والذي اختطف مع زملائه خلال اقتحام السفارة في صنعاء (أ.ب)


وأصدر «تحالف نساء من أجل السلام في اليمن» تقريرا في يونيو 2022، رصد فيه أن مئات اليمنيات يتعرضن لانتهاكات جسيمة في سجون جماعة الحوثي، مشيرا إلى أن عدد المعتقلات وصل إلى 1421 معتقلة، منهن 504 معتقلات في السجن المركزي بصنعاء، و291 حالة إخفاء قسري في سجون سرية، إلى جانب 193 حالة تلقين أحكاماً غير قانونية في اتهامات بالجاسوسية وغيرها، مؤكدا على تعرضهن لأبشع أساليب التعذيب الجسدي المتنوع ما بين ضرب بالعصي والأسلاك الكهربائية، والصعق وإيقاف التنفس بالخنق والإغراق في الماء والوقوف على علب المعلبات المفتوحة لساعات والتجويع والمنع من الأكل والشرب لساعات طويلة، ومنع التعرض للشمس والتهوية، إلى جانب التعذيب النفسي المتمثل في الإهانة والتعذيب اللفظي والتحقير والصفع والإجبار على الاعتراف بتهم لم يرتكبوها أو تهم لا أخلاقية بشكل مخل، مع حرمانهن من حقوقهن بزيارة الأهل.


تقرير حقوقى صادر عن مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية نُشر في أغسطس (آب) 2022، ذكر أن عدد النساء المعتقلات في السجون الحوثية تجاوز 1800 امرأة، تم تسجيل311 حالة إخفاء قسري، وأن 614 معتقلة من الناشطات الحقوقيات والقطاع التربوي والتعليمي، وأنه تم توثيق 96 حالة اغتصاب. 


ما سبق هو غيض من فيض عديد التقارير الموثوقة التي ترصد حجم معاناة الشعب اليمني في سجون جماعة الحوثي، تلك المعاناة التي لم يقتصر رصدها على المنظمات الحقوقية فحسب، بل ألهمت الشعراء والأدباء والفنانين أيضا لمشاركة أبناء اليمن مأساتهم، فالشاعر اليمني محمد القادرى يكتب قصيدته عن تجربته في سجون ميليشيا الحوثى، ذكر فيها:
أيها الأمن السياسي والقيادي .... فعلكم بالسجن ما هي بالسوية
الله يا زنزانة السجن انفرادي.... بلغي الأحرار في إب التحية
كما قامت الشاعرة برديس السياغي ببطولة الفيلم الوثائقي «محتجزات في سجون الحوثي»، والذي يعد قصة حقيقية بأبطال ذاقوا مرارة السجون والتعذيب، مجسدا ما تعرضت له مجموعة من النساء من انتهاك وتعذيب وعنف في السجون الحوثية، وقد عُرض هذا الفيلم لأول مرة في نادي الصحافيين السويسريين بجنيف في 21 مارس (آذار) 2021، كما عُرض أيضا في البرلمان البريطاني، ليقدم صورة حقيقية عن حجم الجرائم والانتهاكات الحوثية ضد النساء اليمنيات. 

حماية اليمنيين في سجون الحوثى... مسؤولية من؟ 
في خضم هذا المشهد الذي يندى له الجبين، أضحت ثمة مسؤولية يتحملها الضمير الإنساني عالميا وعربيا، بضرورة الإسراع باتخاذ إجراءات فاعلة لإنقاذ الضحايا اليمنيين من موت محقق تحت هيمنة جماعة إرهابية لا تعر بالا للمواطن اليمني وحقه في الحياة، وهو ما يجب أن يبدأ التحرك من جانب الجهات الدولية المعنية وفي مقدمتها المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، إذ كيف يمكن الصمت على هذه الجرائم ضد الإنسانية التي تضاف إلى السجل الأسود للجماعة؟ وهنا يُقترح العمل على أكثر من مسار، منها: تشكيل لجنة أممية لتقصي الحقائق، تتولى القيام بزيارة إلى اليمن وإعداد تقرير مفصل يرفع للجهات المختصة يوثق فيه الانتهاكات المرتكبة داخل السجون التي تديرها جماعة الحوثي، تمهيدا لفتح تحقيق جدي في تلك الانتهاكات الموثقة، لا سيما عمليات الإخفاء القسري والتعذيب والقتل خارج إطار القانون، لما تشكله تلك الأفعال من جرائم تدخل في إطار عمل المحكمة الجنائية الدولية. 


ممارسة المزيد من الضغوط على جماعة الحوثي للإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين، بمقتضى اتفاق استكهولم الموقع من كافة الأطراف اليمنية في ديسمبر (كانون الأول) 2018 والقاضي بإطلاق سراح جميع المختطفين والمخفيين قسرًا والمعتقلين لدى جميع الأطراف، والعمل على عودتهم إلى ذويهم دون تقييد أو تهديد بالملاحقة، والتوقف عن ممارسة التعذيب أو أي شكل من أشكال المعاملة غير الإنسانية بحق المحتجزين في سجونها.

رجال شرطة يحملون جثة رجل أدين بالتورط في مقتل القيادي الحوثي البارز صالح الصماد عام 2018، بعد إعدامه في ساحة التحرير بصنعاء، اليمن (رويترز)


إطلاق حملة دولية إنسانية لإنقاذ اليمنيين في سجون جماعة الحوثي، تحمل شعار الحرية لليمنيين وحقهم في الحياة، على أن تنطلق هذه الحملة تحت رعاية المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب.


تعزيز دور ما يُطلق عليه الإعلام الإنساني، ذلك الإعلام الذي يبرز جانبين في تغطيته لأية أزمة على غرار الأزمة اليمنية، هما: الأول، حجم الانتهاكات والتجاوزات التي تُرتكب بحق المواطن اليمني من جانب جماعة الحوثي سواء تعلق الأمر بانتهاكات داخل السجون والمعتقلات أو تعلق الأمر بزراعة الألغام التي تزهق الأنفس والأرواح. الثاني، حجم الدعم الإنساني الذي تقدمه المنظمات الدولية والإقليمية لتخفيف معاناة الشعب اليمني على غرار ما يقوم به مركز الملك سلمان للإغاثة الإنسانية ومشروعه الإنساني «مسام» المعني بعملية نزع الألغام التي تزرعها ميليشيا الحوثي. 
نهاية القول إن الصمت الدولي والعربي على انتهاكات جماعة الحوثي بحق الشعب اليمني، يعد رسالة تفسرها الجماعة على أنها قبول ضمني لما ترتكبه من جرائم وما تمارسه من انتهاكات توجب محاكماتها أمام المحاكم الدولية والوطنية، الأمر الذي يستوجب تسليط المزيد من الضوء على هذه الانتهاكات ضد الإنسانية بصفة عامة وعلى ممارساتها في سجونها بحق المسجونين والمعتقلين والمختفين قسريا على وجه الخصوص.