القطاعات الإنتاجية اللبنانية.. قلق من المجهول

مع العجز عن تشكيل الحكومة والفراغ الرئاسي المحتمل
الفراغ الرئاسي قد تكون له تداعيات اقتصادية خطيرة

بيروت: حوّل تراكم الأزمات الاقتصاديّة والمالية والنقدية لبنان إلى دولة عاجزة، غير قادرة على إدارة أمورها وتنفيذ برنامج الإصلاحات الذي يشترطه صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدات مالية للتعافي الاقتصادي، إذ ما زال الوضع اللبناني يتأرجح بين الأمل وصعوبة تنفيذ شروط البرنامج الذي يتضمن توحيد سعر الصرف وإقرار موازنة 2022 وتعديل قانون السرية المصرفية وإقرار قانون الكابيتال كنترول، وإقرار خطة التعافي المالي، في ظل انقسام لبناني داخلي حول تشكيل حكومة جديدة والاتفاق على انتخاب رئيس جمهورية جديد خلفا للرئيس ميشال عون، الذي تنتهي ولايته في آخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في وقت يعيش فيه البلد أزمة اقتصادية ومالية لامست الانهيار الشامل.

أسباب الأزمة

أسباب الأزمة تتراوح بين بنيوية وغير بنيوية. فقبل الانهيار الاقتصادي أواخر العام 2019، لعب لبنان على مدى 30 عاماً دوراً اقتصاديا بارزا في المنطقة، وكان هذا الدور قائما على الاقتصاد الريعي، وقد بدأ يخف تدريجيا في السنوات الأخيرة إلى أن وصل إلى مرحلة اضمحل فيها بشكل شبه كامل، وذلك يعود إلى تطورات حصلت في دول الخليج في الآونة الأخيرة كان من نتائجها تراجع القطاع الخدماتي في لبنان والذي كان يؤمّن فرص عمل  للبنانيين ، أما الأسباب غير البنيوية فهي مرتبطة بعوامل عدة أبرزها أزمة الدين العام وأزمة التضخم، وتفاقم المشاكل السياسية.

هذه العوامل انعكست على معظم القطاعات الإنتاجية التي ما زالت تواجه أزمات عدة مثل أزمة الطاقة وعدم توفر البنية التحتية الحديثة لاسيما في مجال الطرقات والاتصالات الأمر الذي يحد من قدرتها على المنافسة.

وليس تصنيف وكالتي «ستاندرد آند بورز»، و«فيتش» سوى دليل على هذا الانهيار الخطير، إذ أبقت وكالة «ستاندرد آند بورز» على التصنيف الطويل والقصير الأمد للديون السياديّة بالعملات الأجنبيّة للدولة اللبنانية والبالغة قيمتها الدفترية نحو 37 مليار دولار عند مستوى التخلّف المقيّد عن السداد (SD)، مُحافِظةً أيضاً على التصنيف الطويل والقصير الأمد للديون السياديّة بالعملة المحليّة عند درجتي CC وC بالتتالي، أي مواجهة صعوبات في السداد، مع نظرة مستقبليّة سلبيّة. كذلك أبقت تصنيفها الائتماني الطويل الأمد بالعملات الأجنبيّة للدولة اللبنانية عند حالة التخلّف عن الدفع المقيّدة  (Restricted Default)

 

روّاد الأعمال يطلقون صرخة

ما هي نظرة رجال وسيدات الأعمال لهذه الأوضاع وما هي التدابير الواجب اتخاذها لتخفيف الأضرار على أعمالهم في حال دخل لبنان في الفراغ الرئاسي ولم تنجح الاتصالات المكثفة لتشكيل حكومة جديدة تستكمل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وتقر القوانين الإصلاحية؟

«المجلة» طرحت هذه الأسئلة على أركان الهيئات الاقتصادية ورؤساء شركات صناعية وتجارية وزراعية وخدماتية وخرجت بالإجابات التالية:

رئيس نقابة المقاولات والبناء المهندس مارون الحلو لفت في حديثه إلى أنه «ليست المرة الأولى التي يدخل فيها لبنان فراغاً في رئاسة الجمهورية إذا حصل، إلاّ أنه في كل شغور للمنصب الرئاسي يواجه البلد خسائر اقتصادية ومالية كبيرة. هذا الوضع واجهناه عدة مرات بدءاً من انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل (1988ــ 1989) ثم مع الرئيس أميل لحود لغاية 2008 وصولا إلى الفراغ الأطول الذي امتد بين 2014 و2016 مع نهاية عهد الرئيس ميشال سليمان الذي استمر لغاية انتخاب الرئيس ميشال عون».

ويتابع: «هذا الواقع، إذن، ليس جديداً على لبنان، إلاّ أنه يشكل اليوم خطراً مضاعفاً على الاقتصاد المنهار والمالية المتأزمة، وبالتالي على كافة القطاعات الاقتصادية والإنتاجية التي تئن بدورها من الضغوطات التي تواجهها بما فيها قطاع المقاولات والبناء».

 

رئيس نقابة المقاولات والبناء المهندس مارون الحلو

ويرى الحلو أن «أخطر الأمور التي لا تزال تواجه لبنان هي إضاعة الفرص والوقت للنهوض من المشاكل التي ضربت مفاصل الاقتصاد، لهذا فإن الفراغ الرئاسي إذا حصل سيُلقي ظلاً ثقيلاً ومضاعفاً على القطاعات الاقتصادية والإنتاجية وليس على قطاع المقاولات والبناء بمفرده، لأن ذلك سيؤدي إلى تباطؤ أو توقف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ما سيزيد من كلفة التعافي والنهوض الاقتصادي، كما سيصبح من الصعب تشجيع الدول المانحة على الاستثمار في البنى التحتية التي تشهد انهياراُ في كافة مفاصلها كما ستتراجع إمكانية استمرار لبنان في احتضان أبنائه».

ويستطرد: «انطلاقاً من هذا الواقع المؤلم يمكن القول إن واقع قطاع المقاولات والبناء سيبقى على وضعه الحالي المحكوم من الجمود في ظل انعدام الإنفاق العام على الرغم من ضرورة  تلزيم أشغال صيانة الطرق التي باتت ملحة للحدّ من الحوادث المرورية القاتلة؛ لهذا فإن عدم طرح المشاريع الإنمائية  دفع المقاولين إلى التفتيش عن فرص عمل خارج لبنان لتأمين الاستمرارية لشركاتهم وعمالهم وموظفيهم».

وفي أي حال، أجد أنه من الصعوبة وجود إمكانية لمعايشة القطاعات الاقتصادية والإنتاجية مع الفراغ الرئاسي إذا ما حصل، لأن الأوضاع العامة اليوم مغايرة لتلك التي واجهناها في مراحل مماثلة».  

 

تحديات وأخطار أمنية

بدورها تقول الأمينة العامة لمجلس سيدات الأعمال القياديات، رندلي قاسم: «يعصف بلبنان العديد من التحديات والعوائق في الأيام القادمة، وأبرز هذه التحديات مشكلة الفراغ الرئاسي الذي قد ينجم عن عدم اتفاق الأطراف اللبنانية على رئيس جديد قادر على وضع لبنان على مسار الإصلاح والنهوض مع حكومة قادرة على تحقيق احتياجات المواطنبن والتخفيف من احتقان الأوضاع الاقتصادية والمالية».

وتتابع: «الفراغ الرئاسي وفي ظل حكومة تصريف أعمال مشلولة ومكبلة سيرتب على لبنان أخطارا أمنية، اقتصادية، مالية ونقدية في ظل انعدام الثقة في القطاع المصرفي وعدم القدرة على سن القوانين وتنفيذها لحماية المودعين، وابتعاد أصحاب الرساميل عن الاستثمار في لبنان. هنا ستتأثر قيمة العملة اللبنانية وتتراجع ويزداد العجز الاقتصادي وسط غلاء الأسعار وفقدان السلع والمحروقات وعدم استقرار أمني قد ينتج فوضى. كما يمكن أن تتجمد المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على القروض الميسرة الضرورية لإنعاش الاقتصاد اللبناني والتعافي».

وتأمل قاسم في أن تصحو ضمائر المسؤولين وإجماعهم على قرارات وقوانين وإصلاحات لمصلحة الوطن بعيداً عن الكيدية والمحاصصة والمصلحة الشخصية وعدم التأثر بالتجاذبات الإقليمية والدولية.

الأمينة العامة لمجلس سيدات الأعمال القياديات رندلى قاسم

 

التأقلم مع الظروف

من ناحيتها عضو مجلس إدارة سيدات الأعمال القياديات، سوزانا تلحوق، قالت: «كوني صاحبة شركة تواصل وعلاقات عامة وأعمل بين لبنان والأردن والعراق، فإنّ عملي يسير بشكل جيد، لأنني من المؤمنين بأن الإنسان بغض النظر عن الظروف المحيطة به إذا وضع التفاؤل أمامه يستطيع أن يكون على موجة التفاؤل». وتتساءل: «كيف يمكن لصاحب العمل أن يتأقلم مع الظروف إذا كان دوماً يضع أمامه أرباحا غير منطقية  تعتمد على ظروف كانت مختلفة ويقارن فيها واقعا آخر؟ هذا يخلق نوعا من الخوف مما يؤدي إلى خلق بيئة سلبية تؤثر على القطاع الخاص وعلى عمله وعلى العاملين معه، ونحن في لبنان ليس لدينا أي شيء آخر سوى التنبؤات السيئة. أنا منذ عامين لا أشاهد النشرات الإخبارية، لذا فسواء كان هناك فراغ رئاسي أم لا، لن أضع هذا الأمر هاجسا كي لا أتصرف أو أعمل على أساسه لأن التبعات ستؤثر علي وعلى عملي. لذا فإن أصحاب الأعمال يجب أن يفصلوا تفكيرهم عن الواقع فالتفكير السلبي والتنبؤات هو هاجس لا يفيد».

وتابعت: «إذا أردنا أن نضع الاحتمالات الأسوأ كقطاع خاص وليس كدولة، سيؤثر هذا الأمر على الإنتاجية وعلى دورنا وفعاليتنا كون معظم عملنا يعتمد على الأفكار والخدمات الإبداعية، أما كيف سنستمر في هذه البيئة فنحن لا نفصل أنفسنا عن الواقع وكجزء من عملي أعمل على إدارة الأزمات ونضع سيناريوهات للشركات في حال حصول أي أزمة، لكن في الوقت عينه هذا لا نعكسه على حياتنا اليومية لأنه سيؤثر علينا، وفي رأيي هذه الأجواء هي التي تدفع الشباب للهجرة ودفعت الكثير من الشركات لإغلاق أبوابها وتسريح عمالها وموظفيها بسبب تخوفها من أمور سياسية وأمنية، أو بسبب تفكيرها ماذا سيحصل لو ضربت إسرائيل لبنان أو إذا لم تشكل الحكومة. أو إذا لم تنجح المفاوضات مع صندوق النقد أو فشلت عملية  إعادة هيكلة المصارف. لذا علينا أن نتوحد كأفراد ومؤسسات بغض النظر عن الوضع السياسي هذه هي وجهة نظري وهذه هي القيم التي أعمل على أساسها».

عضو مجلس إدارة سيدات الأعمال القياديات سوزانا تلحوق

تضرر القطاع الخاص

من ناحيتها عضو مجلس إدارة جمعية تجار بيروت كارينا الحصري تقول: «بحسب البنك الدولي يواجه  لبنان واحدة من أشد الأزمات المالية منذ 150 عامًا؛ مما أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير في العامين الماضيين. لقد كان لأزمة المصارف والسيولة، وعدم تطبيق ما يشبه الكابيتال كنترول، بعد إقراره ليصبح قانونا نافذا، الأثر الكبيرعلى القطاع الخاص في هذا المجال، مما أسفر عن عمليات إقفال ضخمة للأعمال، وتخفيض الرواتب وتسريح العمال».

وترى الحصري أن «لبنان بحاجة ماسة للإصلاحات اليوم أكثر من أي يوم مضى، وهي مهمة السلطة التنفيذية المكونة من مجلس الوزراء مجتمعا، ورئيس للجمهورية وأي فراغ على هذا المستوى، سوف يطيح بما تبقى من اقتصاد وأمل في النمو؛ لذا فإنّ الطبقة السياسية مدعوة لتنحية المصلحة الشخصية جانباً لإتمام الانتخابات الرئاسية بحلول أكتوبر (تشرين الأول)، وإلا فإن الفراغ، على مستوى رئاسة الجمهورية، وعدم وجود حكومة أصيلة، سوف يؤديان إلى سلسلة من الأزمات المطولة، ومأزق ممتد، يؤدي بدوره إلى تسريع الانهيار الاقتصادي؛ وسيصبح الدعم الخارجي بعيد المنال».

عضو مجلس إدارة جمعية تجار بيروت كارينا الحصري

 

وتشير الحصري إلى أن «الافتقار إلى اتخاذ القرار، سيوصل حتما، إلى عدم إيجاد حلول للقضايا المعيشية اليومية، وإلى ضغوط مفرطة على الشركات التي تسعى جاهدة للبقاء والاستمرار، في ظل زيادة النفقات التشغيلية، وهجرة الأدمغة، والموظفين غير المتحمسين وغير الراضين ما يرتد سلبا على الإنتاجية المرجوة، كون هذه العوامل المذكورة آنفاً، خارجة عن سيطرة الأعمال؛ وفي مثل هذه الحالات تكون الشركات غير قادرة على التخطيط على المدى الطويل، وبالتالي يؤدي ذلك إلى انجرافها وعدم قدرتها على توزيع كافة الموارد المالية منها والتشغيلية بشكل صحيح وسليم، إنها حلقة مفرغة ونحن للأسف ندور حولها».

 


مقالات ذات صلة