تكرار حوادث العنف ضد الفتيات يثير الخوف في المجتمع المصري

3 جرائم قتل إحداها انتهت بانتحار الجاني
نيرة أشرف

القاهرة: امتلأت أفلام الدراما المصرية في أوج رونقها في خمسينات وستينات القرن الماضي بعشرات قصص الحب الجامعي، التي رسمت أحلاما بين الحبيبين لمرحلة ما بعد التخرج وبناء الأسرة بعد تتويج قصص الحب بالزواج، ورغم اصطدام هذه الآمال بواقع الفقر أحيانا وخطف عروس المستقبل من المنافس الغني في قصص أخرى، إلا أن الأمر لم يتطور ضمن سياق هذه الدراما إلى قتل فتاة الأحلام من الحبيب المغدور، وكانت أقصى ردات الفعل هي انتحار الشاب المكلوم، أو البحث عن قصة حب جديدة تتناسب مع واقعه الإجتماعي، ورغم تشابه المقدمات في الواقع المصري بعد ما يزيد ربما عن ستة أو سبعة عقود إلا أن النهايات اختلفت تماماً وتحولت إلى قتل فتاة المستقبل على يد الحبيب في أكثر من واقعة مؤسفة مؤخراً، وتكرر الأمر أكثر من مرة ضمن واقع مرير عاشه المجتمع المصري خلال الفترة الأخيرة.


الحوادث المتكررة لقتل الفتيات كانت مثار نقاش مستفيض في المجتمع حول الدوافع التي تسببت في هذا الأمر خلال الفترة الأخيرة، وكان محور النقاش المجتمعي حول أسباب متعددة من بينها غياب دور الأسرة الرقابي في ظل تسارع الضغوط الحياتية، وانشغال الأب والأم بالعمل لتلبية متطلبات المعيشة، وكذلك الانفتاح المستمر بين الشباب والفتيات بسبب وجود السوشيال ميديا وتداول المعلومات والصور والفيديوهات بشكل غير مسبوق، هذا بخلاف أحد الأسباب المهمة وهو تعاطي عدد كبير من الشباب للمخدرات وانتشار أنواع جديدة منها مخلقة كيميائيا، تذهب بالعقل وتؤثر على الصحة النفسية والعصبية بشكل كبير، وهو ما لا يمكن إغفاله عند التطرق لحالات العنف المستمرة في المجتمع.

غرام وانتقام
البداية كانت مع طالبة جامعة المنصورة نيرة أشرف التي قتلت في وضح النهار من قبل زميلها في نفس الجامعة، أمام الطلبة بشكل وحشي بسبب رفضها الزواج منه، بعد أن تقدم لخطبتها رسميا وتم رفضه من قبل أسرتها أكثر من مرة وهو ما دفعه للانتقام.


وكانت هذه الحادثة مثار جدل كبير ليس في مصر فحسب، بل أيضاً في المجتمعات العربية وذلك بسبب تعاطف البعض مع القاتل على وسائل التواصل الاجتماعي، ما أثار جدلا واسعا حول هذا الأمر.

قاتل نيرة أشرف


وطالب الكثيرون بسرعة تنفيذ العقاب ضد الجاني ما دفع بالقضاء المصري لحسم القضية بشكل سريع، من خلال الحكم على المتهم بالإعدام بعد جلسات التقاضي الأولى، في انتظار المرحلة الثانية من التقاضي لاستئناف الحكم، والذي تقدم من خلاله عدد من المحامين بمذكرات في محاولة لتغيير الحكم الصادر بعد الاعتراض على الإجراءات المتخذة مع المتهم منذ حادث القتل، والقصور في الإجراءات القانونية ومن بينها درجة قيد المحامين وعدم إدراج أسمائهم الثلاثية، وعدم وجود دفاع جدي مع المتهم وإنما دفاع وصف بالدفاع «الشكلي».


وتناولت المحكمة سلامة المتهم العقلية عند طلب عرضه على الجهات المختصة لتبيان ذلك وعدم التطرق لسلامته النفسية رغم اختلاف كل منهما، ونقاط أخرى وصفها البعض بالحجج غير المنطقية لمحاولة إفلات القاتل من العقوبة المقررة وهي الإعدام .

قاتل نيرة أشرف خلال محاكمته

الضحية الثانية
وكانت سلمى بهجت الطالبة في كلية الإعلام والتي تقطن محافظة الشرقية الضحية الثانية بعد نيرة أشرف، إذ قتلها زميلها طعنا بالسكين بعد رفض أسرتها زواجهما بسبب سوء سلوكه.

سلمى بهجت


وقامت المحكمة بإيداع المتهم مؤخراً مستشفى الأمراض العقلية لمدة شهر وإعداد تقرير عن حالته قبل جلسة المحاكمة المقبلة التي سيتم عقدها يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2022 .


وشهدت قرية «طوخ طنبشا» في محافظة المنوفية في مصر حادث قتل جديد لطالبة في كلية التربية الرياضية تدعى أماني الجزار رميا بالرصاص على يد شاب حاصل على مؤهل دراسي متوسط تقدم لخطبتها وتم رفضه من قبل أهل الفتاة ما دفعه لقتلها.

قاتل أماني الجزار انتحر بعد الجريمة

دعم نفسي
وتأخذ قضية العنف ضد النساء حيزا مهما من اهتمام الحكومة المصرية مؤخرا، وتوجد بالفعل مراكز استضافة للمرأة تتبع وزارة التضامن الاجتماعي تقوم على حماية النساء المعرضات والناجيات من العنف، وتأهيلهن بعد ذلك وتقديم دعم نفسي وصحي واجتماعي وكذلك قانوني للمتضررات.
وتتم استضافة الفتيات والسيدات في مراكز أعدت خصيصاً لهذا الغرض، وتتمتع بهذه الخدمة أيضا الأجنبية المتزوجة من مصري بمن فيهن المطلقات اللواتي يعشن في مصر، وتتواجد هذه المراكز في عدد من المحافظات المصرية مثل القاهرة والجيزة والإسكندرية والقليوبية والدقهلية والمنيا والفيوم وبني سويف.


ويرى خبراء الطب النفسي أن هناك عوامل نفسية وعقلية متعددة تؤدي إلى القتل خاصة في الحوادث الأخيرة التي هزت المجتمع المصري مؤخراً، ومن بين هذه العوامل غيرة المرضية القاتلة التي تتسبب فيها الانفعالات الشديدة بسبب الحب والغضب والخوف، ويضاف إلى هذا مرض الانفصال عن الواقع المسمى «الفصام» وهو من الأمراض العقلية التي تسيطر فيها أفكار معينة على ذهن الشخص المريض ينفصل بها عن الواقع وتقوده للانتقام والقتل أو لارتكاب كوارث، هذا بالإضافة لحالات الاكتئاب الحاد التي تؤدي للقتل والانتحار .
ويرى بعض الخبراء النفسيين أن الإعلام وما يتم تقديمه من دراما عنيفة تنتشر بها النماذج السيئة تقوم باستخدام العنف والسلاح مقرونا باستخدام المخدرات، تعد من الأسباب الرئيسية لانتشار العنف بين الشباب، خاصة بعد رصد العديد من الجرائم التي شابهت ما يتم تداوله في الدراما والأفلام من عنف ومن بينها عدد كبير من حوادث القتل والعنف، ويقترن ذلك بغياب القدوة الحسنة وحالات الفراغ الموجودة لدى قطاع كبير من الشباب .

جامعات ريفية
دكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع استبعد في تصريحات خاصة لـ«المجلة» وصول معدلات حوادث قتل الفتيات ليمثل «ظاهرة». وقال: «الحالات التي تم نشرها في وسائل الإعلام خلال الفترة الأخيرة لا تدل بأي حال من الأحوال على أن الموضوع ظاهرة، فما تم التركيز عليه إعلاميا حوالي 5 حالات تقريبا في مجتمع يزيد عدد سكانه على 105 ملايين نسمة، فالظاهرة مثلا هي موضوع التحرش بالنساء بسبب النسبة الكبيرة من المصريات اللواتي تعرضن لهذا الأمر بحسب إحصاءات موثقة، ولكن إذا بحثنا عن عدد الفتيات اللواتي تعرضن للقتل أو العنف ممن تم رفضه من الشباب سنجد أن الحالات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، فهناك قضية في ليبيا من مصري طلب الزواج من فتاة ورفض أهلها فقام بضربها هي ووالدها، وفي الأردن شخص قام بتقليد قصة نيرة وقام بقتل الفتاة بالمسدس بعد أن هددها بنفس المصير، وانتحر بعد أن قامت الشرطة بمحاصرته».
وتابع: «ما يدعو للانتباه في مصر أن الثلاث حالات الشهيرة التي حدثت كانت كلها في محافظات ريفية فقيرة، فلم تحدث أمور مشابهة مثلا في الجامعة الأميركية أو البريطانية أو القاهرة، وما تم كان في جامعات ريفية تم إنشاؤها للارتقاء بأهل المحافظات ولكنها في نفس الوقت لم تغير كثيرا من بعض العادات والتقاليد الموجودة ومنها على سبيل المثال قضايا «الأخذ بالثأر» في محافظات الصعيد. واللافت أن بعض الطلبة من الذين يثيرون المشاكل في سن المراهقة يشتهر بسوء السلوك، وتعاطي المخدرات، والجديد في الحالة الثالثة أن الاعتداء تم بسلاح ناري (خرطوش) مع تناول المخدرات، وانتحار القاتل عقب ساعات قليلة بعد شعوره بالندم وقيامه بتسجيل فيديو شرح فيه غلطته في حق الفتاة، وقام بالانتقام من نفسه بسبب فعلته، ورغم ذلك فإن حالات القتل والانتحار بعد تنفيذ الجرائم تعد نادرة الحدوث، وتكون بسبب الصدمة من الفعل بعد الندم على القتل، والملاحظ أن القتل في الحادثة الأولى والثانية في مصر كان بسكين وفي وضح النهار وتم القبض على الجناة، وكانت هناك حالة من عدم المبالاة وعدم الاكتراث بالحبس والرغبة في الانتقام دون خشية العقاب، ولكن الحالة الأخيرة غالبا لشخص مختل عقليا تم رفضه من قبل أسرة الفتاة بسبب سوء سلوكه وتعاطيه المخدرات».

ذكورية عالية
وتابع الدكتور سعيد صادق في حديثه لـ«المجلة»: «الطبيعي أن الحبيب لا يقتل حبيبته، ولكن غير الطبيعي هو الهوس عند الرفض والرغبة في الانتقام بسبب (الذكورية العالية) والتشبع لدى الكثير من الرجال بأفكار ضد المرأة، وهذا نتيجة للتغاضي عن التحرش والعنف ضد المرأة وتبرير هذه الأمور من خلال ادعاءات كاذبة، مثل اللبس غير اللائق أو الضحك مع الآخرين وخلافه من المبررات الواهية، وردود الأفعال تجاه قضية نيرة الأولى توضح هذه الأمور حيث ظهر من يتحدث عن تبريرات للقاتل ومنها أمور غير منطقية وغريبة، مثل اقتراح البعض أنه كان يجب على القاتل اغتصابها أولا حتى يقوم أهلها بعد ذلك بتزويجها له مرغمين، وذهاب البعض إلى حد القول إن ملابس نيرة دفعت القاتل إلى ارتكاب جريمته».


وأضاف: «نعود إلى سؤالنا، لماذا لم تحدث مثل هذه الحوادث في الجامعة الأميركية مثلا؟ السبب أن المستوى الاقتصادي والاجتماعي في الجامعات الخاصة والأجنبية أعلى، ولديها مكاتب تستقبل شكاوى من أي تجاوزات تجاه الآخر، وبالأخص شكاوى التحرش من المدرسين أو الطلبة، ويتم اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية صارمة بحق المتحرش، وهو ما لا يحدث في الجامعات في المحافظات الريفية التي تعد أقل في مستوى التعليم والرقابة، والملاحظ في قضية نيرة الأولى التي أخذت حيزا إعلاميا كبيرا أن الضحية اشتكت رسميا أكثر من مرة في محاضر موثقة من الشرطة، ولم تتخذ أية إجراءات تجاه هذه التجاوزات من القاتل، وهناك من يرى صعوبة التعامل مع كل شكوى خاصة مع زيادة التجاوزات في السوشيال ميديا، وهناك من يتحدث عن عدم المنطق في تعيين رجل أمن وراء كل امرأة لحراستها».


وأضاف: «المشكلة في مصر أن القوانين الموجودة لا يتم تطبيقها، وهناك فارق في التعامل الأمني بحسب المنصب الاجتماعي، والأمر يحتاج إلى إعادة النظر في هذه النوعية من التجاوزات ضد النساء والتي تفضي فيما بعد لجرائم وحشية يعاني منها المجتمع، وضرورة أخذ موضوع التجاوزات والتهديدات بجدية، وتعيين شرطة نسائية، وهناك واقعة فتاة المول بعد ضرب الفتاة من قبل أحد الأشخاص وتصويره من قبل الكاميرات وحبسه ثلاثة شهور وخروجه فيما بعد والاعتداء على الفتاة بالسكين، لم تشفع القوانين في القضاء على مثل هذه الأحداث وتوجد لدينا مشكلة كبيرة في وجود عدد كبير من التجاوزات في الشوارع من قبل مجرمين ومن بينهم الحادث الأخير الذي ظهر أن القاتل يتناول المخدرات ويمتلك سلاحا ناريا وهي تجاوزات لا ينبغى لها أن تكون موجودة في المجتمع».

شكاوى تحرش
وحول الحلول المقترحة لعدم تكرار هذه الجرائم قال الدكتور سعيد صادق لـ«المجلة»: «من الأمور المهمة وضع رقابة في الجامعات وخاصة الموجودة في المحافظات، ووسائل للشكوى لأي نوع من أنواع التحرش، وأن يتم التعامل مع شكاوى التحرش بصورة أكثر جدية، وتفعيل العقاب المشدد من قبل الأجهزة المعنية مهما كان وضع المتهم اجتماعيا، وتفعيل الشرطة النسائية بشكل أكبر للتعامل مع العديد من المواقف والتجاوزات، ولا بد أن تتواصل القيادات السياسية مع أسر الضحايا وذلك لتحديد اتجاه الدولة من هذه الجرائم، والشد على يد أسر الضحايا ومواساتهم، وأن تتواجد الدولة بمفهومها الشامل بصورة أكبر في مثل هذه القضايا المجتمعية وأيضا سرعة البت في هذه الجرائم لإعطاء رسائل حاسمة وقوية للجميع حتى يتم القضاء على فرضية أن العنف ضد المرأة أصبح متأصلا في المجتمع المصري».


وتابع: «لا شك أن النظرة المجتمعية للمرأة أظهرها سلوك عدد من الطلبة الصغار ممن تحرشوا بالسائحات في منطقة الهرم السياحية، وبالنظر لهؤلاء فقد استقوا هذه الثقافة من الإعلام والمنزل والبيئة المحيطة الموجود بها عنف ضد المرأة حيث من الممكن أن يكون والده بضرب والدته في المنزل واعتياده على هذا الأمر، وترسيخ هذا في مخيلته ووجدانه، فلا بد أن تتغير ثقافة العنف ضد المرأة وعملية التنشئة الاجتماعية، وكذلك الإعلام الذي يقف بعض منه مع المتحرش ويتهكم على الضحية مثلما حدث في فتاة التجمع الخامس التي قامت بعملية تصويرالتحرش بها وتم فصلها من عملها، وعرضوا على المتحرش العمل بالتمثيل وهي رسائل كلها غير إيجابية ومحبطة، فالإعلام يتحرش والنتيجة أن المجتمع أصبح متحرشا، وهذا الموضوع أثر على السياحة وسمعة مصر في الخارج، فثقافة المجتمع هي عبارة عن تحرش وتبرير للمتحرشين تحت ذرائع الملابس وتصرفات الفتاة وسلوكها وخلافه من تسليط الضوء على الفتاة في كل تصرفاتها».